أزمة
الاعتراف
الاب اوراها الراهب
هل
يجب على الخاطيء ان يعترف ليصل الى التوبة ؟
هل من الضرورة أن يكون الاعتراف أمام الكاهن؟
هل يوجد اعتراف شخصي بيننا
وبين اللـه؟
اليوم بات من الصعب جدا التكلم عن سر الاعتراف لاسباب
عديدة، شخصية في اغلب الحالات ، ومن جهة ثانية بسبب اكتساب
تعاليم او معتقدات ليست من تقاليدنا او من تعليم كنيستنا
لأنها (دخيلة) متأثرة بحركات او تيارات دينية
او سياسية
تحاول طمس حضارتنا الكنسية.
طرح الموضوع : ما هو الاعتراف؟
الاعتراف
جزءان أولهما أن يقر الشخص بخطاياه وثانيهما أن يتلقى
المعترف الحل من المعرف (الكاهن او الاسقف) باعتقاد راسخ
أن اللـه قد غفر خطايا المعترف من خلال المعرِّف. يعلمنا
التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ، ان شروط الاعتراف
خمسة:
1- فحص الضمير 2- الندامة 3- القصد
4- الاقرار بالخطايا 5- وفاء القانون
الاعتراف هو تعبير شخصي عن وعي الضمير لمفهوم الخطيئة
ومفهوم التوبة وهو وعي العلاقة بين الخطيئة والتوبة
بالاعتراف. الاعتراف هو تعبير عن تحرير الانسان من قيود
كثيرة ، هو لقاء الانسان باللـه عبر الكنيسة وبه يجد
الانسان وحدته الذاتية "اكتشاف الذات" ويصالحه مع القريب.
الاعتراف هو مرحلة من مراحل سر التوبة وربما المرحلة
الادق، لانها تضع الانسان على مفترق طرق بين الماضي
والمستقبل. هي الادق لانها ميزان التوبة بمعنى ان الاعتراف
اذا مر بأزمة يطرح بالوقت عينه مشكلة الخطيئة في مفهومها
وابعادها، وفي معناها بالنسبة الى ضمير المؤمن المسيحي.
سوف
نسلط الضوء على مرحلة الاقرار بالخطايا باعتبارها المشكلة
الاساسية للمعترف والتي تقودنا الى جدلية، نطرحها كالاتي:
مظهر
الازمة : قبول الاعتراف، لماذا؟
كثيرا
ما يعتبر الاعتراف امرا هاما دون معرفة السبب. كلنا قد حكي
لنا عن ضرورة الاعتراف وعن اهميته، ولكن لم يشرح لنا ماهي
هذه الاهمية . من هذا المنطلق ياخذ دافع الاعتراف اشكالا
متنوعة :
منهم من يمارس الاعتراف كواجب او عمل ديني، اما عن طاعة او
خضوع للوصية، واما عن خوف لمخالفة الوصية.
منهم من يمارس الاعتراف كعادة يقوم بها من حين الى اخر
ويرتاح اليها.
منهم
عن تمسك بتقاليد اجتماعية دينية يفرضها المحيط الاجتماعي
كي لا يتعرض الى انتقادات الاخرين. منهم من يمارس الاعتراف
كحاجة لأن يفرغ ما بداخله لشخص آخر.
منهم من يمارس الاعتراف بسبب الوسواس او الشعور بالذنب او
الرغبة بأفراغ المسؤولية على الكاهن.
بعد تشخيص هذه النواحي من مظهر الازمة لممارسة الاعتراف
يمكننا ان نخرج بأربعة انطباعات:
1- من انعدام الالتزام الشخصي ازاء العمل، يتضح انعدام أي
إلتزامٍ آني بالنسبة الى الماضي والى مواجهة المستقبل ،
بالفعل قليلون هم الذين يأخذون على عاتقهم الاعتراف كعمل
يعبر عن شخصيتهم ونضجهم الديني، عمل واعي ومسؤول يبني
الذات ليتعداها الى الجماعة .
2- انعدام البعد العلائقي للاعتراف، كما رأيناه، يبدو أسير
الذات "فردية الانسان" . اما ألمفهوم العلائقي للاعتراف
فهو يظهر ببعدين: العامودي مع المسيح والافقي مع القريب.
3- الافتقار الى تفهم معنى الاعتراف
بأعتباره يساعد على تربية
الضمير.
4- صارت الخطيئة مفهومة داخل الاطر الشخصية ، بما لها من
قيم وعادات وتقاليد وبالتالي فالتوبة عن الخطيئة باتت تعني
الرجوع الى هذه القيم والعادات والتقاليد.
رفض
الاعتراف
-
منهم من يعتبر الاعتراف كفعل صبياني، يدل على التبعية او
على حالة الوصايا وفي كلتا الحالتين دلالة على وضع القاصر.
-
منهم من يرفض الاعتراف بسبب تكرار امور بعينها دون نتيجة ،
فيصبح الاعتراف شكليا.
-
منهم من يرفض مدعيا ما يسمى بالاعتراف المباشر للرب، وهذه
الموجة المعاصرة هي دخيلة، ويعلّل هذا السبب بالقول: ان
المعرّف هو انسان قابل للخطيئة شأنه شأن اي انسان اخر.
- منهم من يرفض بسبب ضرورة الاقرار بامور شخصية والتحدث
بها امام كاهن كنيسته!
- منهم من يرفض الاعتراف مدعيا ان مواقف المعرّفين تجبر
المؤمنين على الاعتراف.
- البعض يشكك في فائدة الاعتراف ويرفض الالتزام السنوي به،
او يطلب الاحتفال الجماعي بسر التوبة (صلة جماعية).
المحور
الثاني: هل توجد أدلة كتابية تدل على ضرورة أن يكون
الاعتراف أمام الكاهن؟ هل يوجد اعتراف شخصي بيننا
وبين اللـه؟
للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعلم حقيقتين هامتين
الاولى: أن الوحيد القادر على غفران الخطايا هو اللـه عن
طريق دم المسيح المسفوك على عود الصليب. والثانية: عن
حياتنا المسيحية، فكل مسيحي هو عضو في جسد المسيح الحي
الذي هو كنيسته المجيدة، ورأس هذا الجسد هو المسيح (أف 1 :
22). ومن أجل بنيان هذا الجسد أعطانا اللـه المواهب
الروحية المتكاملة فقد "أعطي البعض أن يكونوا رسلا والبعض
أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل
القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح" (اف 4 : 11، 12).
ولذلك
ينبغي عليك أن لا تحزن إذا وجدت نفسك بحاجة إلى آخر،
الكاهن، لكي يعمل معك ومن أجلك فبالتأكيد إن اللـه أعطاك
موهبة روحية ولكنه لم يعطك كل المواهب والوظائف اللازمة
لتسير معه في طريق الكمال.
واعلم أيضاً أنك حينما تخطيء فإنك لا تسيء إلى نفسك فقط
وإنما تسيء أيضاً إلى الجسد الذي تنتمي إليه (الكنيسة)،
كما إنك تسيء أيضاً إلى اللـه. ولذا فإن الإنسان حينما
يخطيء يطالب بأن يندم على خطيئته، ثم يقر بها أمام الكنيسة
بواسطة كاهن، وحينها يقوم اللـه بغفران هذه الخطايا.
هذا ما فهمه المسيحيون الأوائل، وهذا ما نراه في سفر
الأعمال اذ يقول: "وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين
ومخبرين بأفعالهم" (أع 19 : 18). وقد اُعطِيَت الكنيسة
ممثلةً في الرسل ومن خلفهم من الأساقفة (اع 20 : 28).
هذا السلطان من الرب يسوع حينما قال:" كل ما تربطونه على
الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ما تحلونه على الأرض
يكون محلولاً في السموات" (متى 16 : 19).
وقال أيضاً في سلطة الكنيسة: "وإن لم يسمع منهم فقل
للكنيسة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني
والعشار" (متى 18 : 17). وبعد قيامته قال لتلاميذه بعدما
نفخ فيهم: "اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر لهم
ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 20 : 22، 23). ولكن، قد يقول
قائل إن هذا سلطان عام للجميع وليس للرسل والكهنة فقط فأنا
أستطيع أن أحل وأربط كالرسل تماماً! وللإجابة نقول كلا،
فإن الخطاب الموجه في الآيات السابقة كان موجها لقادة
الكنيسة ممثلة في الرسل، كما إن أهل كورنثوس لم يستطيعوا
ممارسة هذا السلطان إلا حينما مارسه الرسول بولس مع زاني
كورنثوس الشهير (1كو 5 : 1- 5).
ولا ننسى
أن مواهب الروح قد قسمت على الجميع وكما يقول الرسول "فإني
أقول بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم أن لا يرتأي فوق
ما ينبغي أن يرتأي بل يرتأي إلى التعقل كما قسم اللـه لكل
واحد مقدارا من الإيمان" (رو 12 : 3).
هذا ما فهمه جميع الآباء في القرون الأولى ومارسوه بكل قوة
وتكلموا عنه وكتبوا في كتاباتهم التي مازالت باقية حتى
اليوم ولا يستطيع أحد التشكيك فيها، ولا أظن إن شخصاً
منصفاً محبا للـه ومهتماً بخلاص نفسه ينكر آيات الكتاب
وتفاسيرها ومن مارسها ليقدم بدعة لا سند لها من الكتاب أو
التاريخ أو أقوال الآباء. وهل يستطيع أحد أن يُخرج لنا آية
من العهد الجديد تقول: لا تعترفوا على يد الكهنة ؟!
اتمنى
للجميع باعوثا وصوماً مباركاً واقترابا من اللـه عبر سر
الاعتراف!