Home      الرئيسية

 Articles مقالات

 Interviews    مقابلات

 Chaldean Society مجتمعنا الكلداني

 من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

kaldu.org  كلدو

    Contact Us اتصلوا بنا  

         Feb 17, 2008
 

 

 النعمة والرحمة والقناعة والمحبة

 

بالقدر الذي تكون فيه محبتنا ممتلئة نعمة ورحمة وقناعة بهذا القدر وأكثر يتحقق لنا ليس فقط العيش بسلام مع أنفسنا والأخرين، وانما كثيرا من الأشياء الجميلة الأخرى لنا ولناسنا ومجتمعاتنا وأوطاننا بل وعالمنا أيضا.  وبعكسه، عندما تكون المحبة لوحدها، يعني غير مشبعة بما يكفي من النعمة والرحمة والقناعة، تكون هذه (محبتنا) غير قادرة على تحقيق السلام حتى مع ذاتها، فكيف بتحقيقه مع العائلة والمجتمع والعالم.

      لا نشكك لحضة واحدة بحب الأباء لأبنائهم، ولا حتى بحب الأخوان والأهل والأقرباء والأصدقاء المتبادل لبعظهم، فهذا هو المفروض بل والمطلوب أو بالقليل المنتظر تشجيعه ونشره ورعايته ومداولته.  واذا حدث شيئ معاكس ومخالف لهذه القاعدة كان وهو وسيبقى مجرد شواذ، تزداد أو تقل درجة حدته (الشواذ) بقدر رجوح كفة الميزان لصالح الطرف المادي أو المعنوي.  فاذا كانت الكفة راجحة لصالح هذا الأخير (الطرف المعنوي) وهو ما نتمناه ونرجوه للجميع، تنموا وتكبر وتتجذر هذه العلاقة وتصبح أهم وأقوى وأمتن مع الأيام بين المعنيين من الأهل والأقارب والأصدقاء وما حواليهم.  أما اذا كانت كفة الميزان راجحة لصالح الأول (الطرف المادي) فحتما النتائج ستكون عكسية، يعني العلاقات تكون أكثر أنانية وتفكك وتشرذم وتمزّق وتوتر ونفور وبرود الخ. من السلبيات.

      المجتمع ألأمريكي، والكلداني هنا جزء منه حاليا، يعيش وضعية هي أقرب بكثير الى الحالة الأولى من الثانية، وذلك بسبب رجوح كفة الميزان بشكل ملحوظ جدا لصالح الجانب المادي.  ولذلك نرى الآن ازدياد وتكاثر وتظخم حالات الشواذ الغير المسبوق في تاريخ أمريكا، وطبعا الكلدان المقيميين فيها لهم حصتهم من هذا الشواذ المتزايد بكثرة وكانه أصبح للأسف كعادة، من أسوء العادات، وفي ذلك خطورة عظيمة لمستقبل كل الأجيال الحاضرة وأكثر المستقبلية البريئة أصلا.  فعندما تفقد الأشياء جوهرها تفقد معها معناها أيضا.  بكلمات أخرى، ماذا يبقى للأنسان بعدما يفقد أنسانيته، والأسوء عندما يتخلى عنها طوعا بسبب الأنانية والطمع وخاصة الجشع المادي الذي ليس له قرار، يعني غير قابل للشبع؟    نترك الجواب أولا للمعنيين علهم ينصفون أنفسهم قبل غيرهم.  ففي ذلك، بانصاف الذات، بداية الطريق الى الندم والتوبة والهداية.

      يا ترى، من منّا لم يمّر أو بالقليل رأى أو يرى هناك الأبن العاق والأخ الجاحد والصديق الناكر والقريب الغاضب والزوجة هذه سمّوها أنتم كما تشاؤون ولكن لا تنسوا أبدا أنها كأم فيها كل البركة، الى آخره من السلبيات والتي ستنتشر وستزداد أكثر في المستقبل اذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه الآن.  فبدون الأرتداد على الطريق الصحيح، يعني وضع المعني فوق المادة، ستدفع مجتمعاتنا مستقبلا ثمنا غاليا جدا.

      هذه الأنحرافات المعنوية يؤثر فيها حتما واقع حال المجتمعات التي نعيش فيها، ولكن ما كان يجب أن يكون الأنزلاق وراء الثراء المادي على حساب المعنوي بهذا القدر، خاصة بالنسبة لنا نحن الكلدان الذين وصلنا الى هذه الديار وأعمارنا بالغة سن الرشد لما لدينا من مناعة معنوية مكتسبة زرعها فينا أبائنا وأجدادنا منذ الصغر تترعرت وكبرت معنا وكان علينا استثمارها في تعزيز أيماننا وقيمنا ووجودنا هنا، لا أن نتهرب منها بل وفي أحيان كثيرة نتنكر لها كما كان ولا زال حاصلا للأسف، وكأن المادة أصبحت كل شيئ في هذه الحياة.  أجل، المادة مهمة وجدا، ولكنها ليست ملكا لنا، فهذه على اهميتها باقية هنا لا نأخذ منها شيئ معنا بعد انتقالنا الى الحياة الأخرى، فجمعها وامتلاكها وكثرتها هنا لا تشفع لنا هناك، بالعكس ستكون فيها ادانة محققة لنا اذا بخلنا بها على المحتاجيين في حياتنا هنا على هذه الأرض.

      في ذات أمريكا الأمور كانت مختلفة جدا على ما هي عليه اليوم قبل كم عقد من السنوات، حيث كان يقام وزنا أكثر بكثير للجانب المعنوي من الأشياء دون أهمال الأهتمام بالجانب المادي طبعا، فعندها كان التماسك العائلي والأحترام والأهتمام بالآخر والأخلاق الشخصية والعائلية والمجتمعية والمهنية الخ. من الأيجابيات في أعلى مستوياتها.  بعضنا ممن قدموا لهذه البلاد قبل نصف قرن مثلا يعلمون عن ماذا نتكلم فهم كانوا شهود عيان على تلك المرحلة الجميلة والثرية بمعانيها وأخلاقها ورومانسيتها أيضا.

      ما نريد أن نستخلصه من الكلام السابق هو كما نوهنا أعلاه، المحبة لوحدها على الرغم من عظمتها وضرورتها وثقلها غير كافية لبناء السلام ولا حتى الشخصي، فكيف بالسلام العائلي والمجتمعي والعالمي!  نعم المحبة جميلة ولكن أجمل منها تبقى النعمة، فالأولى على عظمتها ليست الا جزء يسير من هذه الأخيرة، ومن ثم الرحمة لآن فيها تكمن الكثير من مشاعر وأحاسيس النعمة والمحبة، ومن ثم القناعة لأن بدونها ستنبش فينا فخالب الأنانية والطمع والجشع لتمزق وتغتصب منّا عنوة أحلى ما فينا، انسانيتنا.  وعندها تصاب ليس فقط النعمة والرحمة والمحبة مقتلا، وانما كل شيئ جميل آخر في حياتنا أيضا.  فأية واحدة من القيم الأربعة محور حديثنا اليوم هي الأهم اذا؟  حسب الأهمية العملية وليس المعنوية، المكانة الأولى هي للقناعة، وثانيا للرحمة، وثالثا للمحبة ورابعا للنعمة.  ولكن من الناحية المعنوية، المعادلة هي على العكس تماما.  يعني النعمة أولا  والرحمة ثانيا والمحبة ثالثا والقناعة رابعا.  لاحظوا موقع الرحمة حيث تأتي بالدرجة الثانية والمحبة بالثالثة، أما النعمة والقناعة فتتبادلان أماكن الدرجة الأولى والرابعة في الحالتين.

      وللتذكير نقول: حياتنا على هذه الأرض هي بمثابة باب للدخول منه الى الجنة أو الى جهنم.  هذه الحياة هي حقا امتحانا استثنائيا مصيريا للأنسان، فبيده هو وليس بيد غيره القرار الأول والأخير بكيفية اجتياز هذا الأمتحان العسير، والى أين يريد الذهاب، فأمامه طريقان لا ثالث لهما، فأما الجنة ونعم القرار، واما النار فبئس المصير.

      دعات السلام والخير للأنسان واجبهم العمل ولفت الأنظار الى كل ما هو صواب.  قد يرتكبون أخطاء وهذا وارد طبعا، ولكن حتى حالات الخطأ لديهم عليها ثواب.  فكما يقول الحديث الحكيم، ان من يعمل ويصيب لديه أجران ومن يعمل ولا يصيب لديه أجر واحد.  المصيبة يا جماعة بمن يستطيع ولا يعمل.  المشكلة في الذين  يعلمون ويرون ويسمعون عن ما نتكلم ويتهربون بل ويبقون صم بكم عمي خرس لا يفقهون، فمن أين يأتي أذن لمثل هؤلاء الأجر؟!.

 

 

                                                سالم عتيق/كاليفورنيا

                                               13-02-2008

                                                   

 

 
 

******************************************