|
أين يقـف
الأب من أولاده
بقـلم : مايكـل سـيـﭘـي / سـدني
يسرني أن أوفــّر العـناء ، عـلى ضعـيفي
النفـوس المهـرولين في الخـفاء ، وأصحاب الذيول المتقـرّحة
الهـزّازة في العـراء ، منـذ أيام العـهـد البائـد وحـتى اليوم
ونحـن في عـهـد الوفاء . والذين يهْـوَوْن الإصطياد بالمياه
الآسـنة ، وقـلوبهـم من القـذارة عَـفِـنة ، وأصابعـهـم من الرياء
الأسـود داكـنة . فأنا أوصيهـم بالغـوص في المستـنـقـعات ، عـسى أن
تـدغـدغ البعـوضة ألسِـنـتــَهـم فـيشـعـرون بالصدمات ، أو دودة
تــُـطـعِـمهـم مِن رَيقـها أو ضـفـدعات . فـمياه الينابـيع
الصافـية ليست مشاربهـم ، بل إنـّهـم يرتــَوون من سواقـيهـم
المتآكـلة مثـلهـم ، فيعالجـون عـطـشـهـم ، ويحـقــّـقـون دنيء
مآربهـم وأقـول لهـم : إن الأب في مقالي ، هـو الرجـل المبارك مع
إمرأة شـريكة حـياته وبغـيرها لا يـبالي ، والذي يفـتخـر بأولاده
الأنجال ، وزينة لعائلته في كـل حـقـل ، وكـثيرون مثـله يطمحـون
إلى الكـمال . ومَن لا يكـتفي بهـذا القـدر من ردع السجال ،
فـلـيستفـسر مني الآن الآن وليس غـداً في النهار أو في الليل ،
ليحـصل عـلى الجـواب الشافي في الحال ، ولا يُـتمـتم كالجـراد بـين
وُرَيقات جافة في البَـوْر من الحـقـول .
في صيف عام 1963 قـضيتُ بضعة أيام في بغـداد
لزيارة والدي الساكـن في غـرفة مستأجـرة عـنـد عائلة بطناوية في
غاية الطيـبة والكـرم ( من عائلة گـيزي ) .
وكان رب الأسرة يكـن لي إحـتراماً رغـم
سـنـّي القـليلة المـدى ، لِـما عـرفه عـني خـلال تـلك الأيام
القـصيرة من ميولي الكـنسية وإنـتباهي المركـّـز إلى حـكاياته
الشعـبـية ، فـقال لي مرة : لو جاءني الملاك گـوريّـل في الليـل
وقال ، أنا قادمٌ من عـنـد الله ومُخـول بأمـر كي آخـذ روحاً
واحـدة فـقـط من أسرتكَ دون تحـديـد ، فـمَن تـريـدني أن أخـتار؟
ثم إسترسـل رب الأسـرة في حـديثه لي قائلاً : سأفـكـّر وأقـول
لنفـسي أنـني إذا إخـترتُ زوجـتي ليأخـذ الملاك روحَـها ، فـسوف
أحـزن عـلى تــَيــَـتــّم أولادي منها ، وأبتلي بفـقـدانهـم
رعايتها ، وإذا إخـترتُ أحـد أولادي ! فـمَن أخـتاره منهـم ؟
صغـيرهـم ، كـبـيرهـم ، أوسطهـم ، أم واحـداً بالقـرعة بـينهـم ؟
لا يمكـنـني ذلك أبـداً لأنـني عـلى بُـعـد متساوٍ منهـم جـميعـهـم
، وإذا تألــّم أحـدهـم أصابني ألـَمَه كـما لو كان كـلــّهـم ،
إنهـم مِن صُلـبي كـما لستُ أرى أيّ فارق في أضلاعـهـم ، إذن ما
هـو الحـل ؟ وأردف رب الأسـرة وهـو يصف المشـهـد الإفـتراضي فـقال
: سأطـلب من الملاك أن يأخـذ روحي ، فأنا بنفـسي أضحّي ، كي يـبقى
أولادي وأمّهـم في مَـرَح .
إن هـذا المشهـد الخـيالي الذي وصَـفـَه لي
رب الأسرة ذاك ، يعـني أشياءاً كـثيرة ، فالمسافة بـين الأب
وأولاده متساوية، والحـب الذي بـينه وبـين أيّ واحـد منهـم ليس
مخـتلفاً ولا يتغـيّـر بتعاقـب الليل والنهار ، حـتى لو أن الأولاد
ليسوا يكـنــّون لوالـدهـم الحـب عـينه . نعـم إنّ المقايـيس
الصحـيحة تـرى أنْ لا يخـتلف الأبناء في ودّهـم تجاه أعـضاء
أسرتهـم ، ولكـن المثالية شيء والواقـع شيء آخـر ، والأولاد في كـل
الأزمنة والبقاع ، لهـم رغـباتهـم المخـتلفة وآراؤهـم المتغايرة
وميولهـم المتـنوعة وإخـتياراتهـم المتباينة ونظراتهـم المتميّـزة
وأذواقـهـم المتلونة ، وهـذه تجـعـلهـم مخـتلفـين بمقـدار أو بآخـر
، ولا يُـشـترط أن يتماثـلوا أو يتساوَوا في مشاعـرهـم تجاه
والـدتهـم أو والـدهـم . وكَـم من إبن ترك أباه وإبتعـد أو نسيَ
أمه وقـعـد ، لكـن الوالـد يـبقى يسأل إبنه ليحـضر معه الموائـد ،
لابل إذا فارقه قـد يـبكي له بكـل جَـد ، والأم تبقى تحـنّ
ويتـصدّع قـلـبُـها ألماً لإبتعاد إبنها عـنها . إنها مشاهـد
مألوفة في حـياتـنا وحـياة آبائنا ، وستـتـكـرّر عـنـد أحـفادنا ،
فـلا تشـكــّـل غـرابة عـنـدنا .
واليوم نحـن الشـغـيلة بكـل أصنافـنا مع
متقاعـدينا ، والعِـلــْميّـون والرياضيّـاتيّـون والمهـنـدسون
معـنا ، كـلنا نعـرف أشكالاً هـنـدسية جـميلة في بـيئـتـنا . فـمَن
منـّا لم يرَ المربع والدائـرة والمستطـيل والمثـلث ........ ولكـل
منها مـركـزه الهـندسيّ الذي يُـحـدّد بسـهـولة مكانه ( في أغـلب
الأحـيان يمثــّـل مـركـز ثـقـلها أيضاً ـ نـترك ذلك لمناسبة
شائـكة ) ، ورغـم جـماليتها ، إلاّ أن هـناك ظروفاً معـينة تـتطلب
منا إخـتيار الأقـرب منها ، للحاجة الأوجـب فـيها . فـقـد
سـمِعـْـنا كـثيراً عـن الدوَران ، الطاولة المسـتـديرة، الـدائـرة
الفـلانية ، دورة التخـرّج ، حـيث تـتـكـرّر فـيها كـلمة الدائرة
ومشـتقاتها ، وليس الطاولة المربعة مصطلحاً مألوفاً ، ولا مربّع
التخـرّج كـلاماً معـروفاً ! إنّ لـذلك أسبابه المنطـقـية عِـرفاً
، فـما هي يا تــُرى ؟ للدائـرة مـركـز في وسطـها والأب يحـمل
شـعـلة مضيئة عـنـدها ، يَـشعّ نوره بشـدة متساوية عـلى الجالسين
في مُـنحـنيات محـيطها ، إنها أنصاف الأقـطار متساوية فـيها ،
فـالخـلود لأجـدادنا البابليّـين مخـترعـيها ، وهـنيئاً لكـل
الشـعـوب مستـثـمريها . ولكـن والـدنا إذا وقـف في وسط مـربّـعـنا
فإنه سـيُـبعِـد نفـسه عـن الأربعة المـدبّـبة المؤلمة رؤوسـها ،
وستخـتل الموازين عـنـدها ونخاف عـليه وعـليها ، فالمربعات (
كـَـرْخِه ) مِن شأن فـلاحـينا هُـم أدرى فـيها . ولن اكـلــّمكـم
عـن المثـلثات والمستطـيلات فالفـتـنة في مراكـزها تكـون أشـدّها .
|