Home      الرئيسية

 Articles مقالات

 Interviews    مقابلات

 Chaldean Society مجتمعنا الكلداني

 من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

kaldu.org  كلدو

    Contact Us اتصلوا بنا  

         April 07, 2008
 

أين يقـف الأب من أولاده

بقـلم : مايكـل سـيـﭘـي / سـدني

يسرني أن أوفــّر العـناء ، عـلى ضعـيفي النفـوس المهـرولين في الخـفاء ، وأصحاب الذيول المتقـرّحة الهـزّازة في العـراء ، منـذ أيام العـهـد البائـد وحـتى اليوم ونحـن في عـهـد الوفاء . والذين يهْـوَوْن الإصطياد بالمياه الآسـنة ، وقـلوبهـم من القـذارة عَـفِـنة ، وأصابعـهـم من الرياء الأسـود داكـنة . فأنا أوصيهـم بالغـوص في المستـنـقـعات ، عـسى أن تـدغـدغ البعـوضة ألسِـنـتــَهـم فـيشـعـرون بالصدمات ، أو دودة تــُـطـعِـمهـم مِن رَيقـها أو ضـفـدعات . فـمياه الينابـيع الصافـية ليست مشاربهـم ، بل إنـّهـم يرتــَوون من سواقـيهـم المتآكـلة مثـلهـم ، فيعالجـون عـطـشـهـم ، ويحـقــّـقـون دنيء مآربهـم وأقـول لهـم : إن الأب في مقالي ، هـو الرجـل المبارك مع إمرأة شـريكة حـياته وبغـيرها لا يـبالي ، والذي يفـتخـر بأولاده الأنجال ، وزينة لعائلته في كـل حـقـل ، وكـثيرون مثـله يطمحـون إلى الكـمال . ومَن لا يكـتفي بهـذا القـدر من ردع السجال ، فـلـيستفـسر مني الآن الآن وليس غـداً في النهار أو في الليل ، ليحـصل عـلى الجـواب الشافي في الحال ، ولا يُـتمـتم كالجـراد بـين وُرَيقات جافة في البَـوْر من الحـقـول .

في صيف عام 1963 قـضيتُ بضعة أيام في بغـداد لزيارة والدي الساكـن في غـرفة مستأجـرة عـنـد عائلة بطناوية في غاية الطيـبة والكـرم ( من عائلة گـيزي ) .

وكان رب الأسرة يكـن لي إحـتراماً رغـم سـنـّي القـليلة المـدى ، لِـما عـرفه عـني خـلال تـلك الأيام القـصيرة من ميولي الكـنسية وإنـتباهي المركـّـز إلى حـكاياته الشعـبـية ، فـقال لي مرة : لو جاءني الملاك گـوريّـل في الليـل وقال ، أنا قادمٌ من عـنـد الله ومُخـول بأمـر كي آخـذ روحاً واحـدة فـقـط من أسرتكَ دون تحـديـد ، فـمَن تـريـدني أن أخـتار؟ ثم إسترسـل رب الأسـرة في حـديثه لي قائلاً : سأفـكـّر وأقـول لنفـسي أنـني إذا إخـترتُ زوجـتي ليأخـذ الملاك روحَـها ، فـسوف أحـزن عـلى تــَيــَـتــّم أولادي منها ، وأبتلي بفـقـدانهـم رعايتها ، وإذا إخـترتُ أحـد أولادي ! فـمَن أخـتاره منهـم ؟ صغـيرهـم ، كـبـيرهـم ، أوسطهـم ، أم واحـداً بالقـرعة بـينهـم ؟ لا يمكـنـني ذلك أبـداً لأنـني عـلى بُـعـد متساوٍ منهـم جـميعـهـم ، وإذا تألــّم أحـدهـم أصابني ألـَمَه كـما لو كان كـلــّهـم ، إنهـم مِن صُلـبي كـما لستُ أرى أيّ فارق في أضلاعـهـم ، إذن ما هـو الحـل ؟ وأردف رب الأسـرة وهـو يصف المشـهـد الإفـتراضي فـقال : سأطـلب من الملاك أن يأخـذ روحي ، فأنا بنفـسي أضحّي ، كي يـبقى أولادي وأمّهـم في مَـرَح .

إن هـذا المشهـد الخـيالي الذي وصَـفـَه لي رب الأسرة ذاك ، يعـني أشياءاً كـثيرة ، فالمسافة بـين الأب وأولاده متساوية، والحـب الذي بـينه وبـين أيّ واحـد منهـم ليس مخـتلفاً ولا يتغـيّـر بتعاقـب الليل والنهار ، حـتى لو أن الأولاد ليسوا يكـنــّون لوالـدهـم الحـب عـينه . نعـم إنّ المقايـيس الصحـيحة تـرى أنْ لا يخـتلف الأبناء في ودّهـم تجاه أعـضاء أسرتهـم ، ولكـن المثالية شيء والواقـع شيء آخـر ، والأولاد في كـل الأزمنة والبقاع ، لهـم رغـباتهـم المخـتلفة وآراؤهـم المتغايرة وميولهـم المتـنوعة وإخـتياراتهـم المتباينة ونظراتهـم المتميّـزة وأذواقـهـم المتلونة ، وهـذه تجـعـلهـم مخـتلفـين بمقـدار أو بآخـر ، ولا يُـشـترط أن يتماثـلوا أو يتساوَوا في مشاعـرهـم تجاه والـدتهـم أو والـدهـم . وكَـم من إبن ترك أباه وإبتعـد أو نسيَ أمه وقـعـد ، لكـن الوالـد يـبقى يسأل إبنه ليحـضر معه الموائـد ، لابل إذا فارقه قـد يـبكي له بكـل جَـد ، والأم تبقى تحـنّ ويتـصدّع قـلـبُـها ألماً لإبتعاد إبنها عـنها . إنها مشاهـد مألوفة في حـياتـنا وحـياة آبائنا ، وستـتـكـرّر عـنـد أحـفادنا ، فـلا تشـكــّـل غـرابة  عـنـدنا .

واليوم نحـن الشـغـيلة بكـل أصنافـنا مع متقاعـدينا ، والعِـلــْميّـون والرياضيّـاتيّـون والمهـنـدسون معـنا ، كـلنا نعـرف أشكالاً هـنـدسية جـميلة في بـيئـتـنا . فـمَن منـّا لم يرَ المربع والدائـرة والمستطـيل والمثـلث ........ ولكـل منها مـركـزه الهـندسيّ الذي يُـحـدّد بسـهـولة مكانه ( في أغـلب الأحـيان يمثــّـل مـركـز ثـقـلها أيضاً ـ نـترك ذلك لمناسبة شائـكة ) ، ورغـم جـماليتها ، إلاّ أن هـناك ظروفاً معـينة تـتطلب منا إخـتيار الأقـرب منها ، للحاجة الأوجـب فـيها . فـقـد سـمِعـْـنا كـثيراً عـن الدوَران ، الطاولة المسـتـديرة، الـدائـرة الفـلانية ، دورة التخـرّج ، حـيث تـتـكـرّر فـيها كـلمة الدائرة ومشـتقاتها ، وليس الطاولة المربعة مصطلحاً مألوفاً ، ولا مربّع التخـرّج كـلاماً معـروفاً ! إنّ لـذلك أسبابه المنطـقـية عِـرفاً ، فـما هي يا تــُرى ؟ للدائـرة مـركـز في وسطـها والأب يحـمل شـعـلة مضيئة عـنـدها ، يَـشعّ نوره بشـدة متساوية عـلى الجالسين في مُـنحـنيات محـيطها ، إنها أنصاف الأقـطار متساوية فـيها ، فـالخـلود لأجـدادنا البابليّـين مخـترعـيها ، وهـنيئاً لكـل الشـعـوب مستـثـمريها . ولكـن والـدنا إذا وقـف في وسط مـربّـعـنا فإنه سـيُـبعِـد نفـسه عـن الأربعة المـدبّـبة المؤلمة رؤوسـها ، وستخـتل الموازين عـنـدها ونخاف عـليه وعـليها ، فالمربعات ( كـَـرْخِه ) مِن شأن فـلاحـينا هُـم أدرى فـيها . ولن اكـلــّمكـم عـن المثـلثات والمستطـيلات فالفـتـنة في مراكـزها تكـون أشـدّها .  

 

 

 

******************************************