Home      الرئيسية

 Articles مقالات

 Interviews    مقابلات

 Chaldean Society مجتمعنا الكلداني

 من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

kaldu.org  كلدو

    Contact Us اتصلوا بنا  

      April  22, 2008
 

حول هجرة المسيحيين من العراق والشرق الآوسط
 لنتحوّل من العيش المشترك إلى صوغ المصير المشترك

بقلم المطران بولس مطر - رئيس اساقفة بيروت للموارنة

الجيران ـ بيروت ـ النهار وطيباين ـ في اطار المؤتمر عن الهجرة الذي نظمه مجلس الكنائس العالمي بالاشتراك مع مجلس كنائس الشرق الاوسط، في كاثوليكوسية الارمن الارثوذكس في انطلياس، ألقى المطران بولس مطر، رئيس أساقفة بيروت للكنيسة المارونية، كلمة افتتاحية ثرية بمضمونها ودلالاتهاحول هجرة المسيحيين من العراق والشرق الأوسط  ننشرها في ما يأتي:


(1)
هجرة المسيحيين من بلداننا في الشرق الاوسط هي ظاهرة تبرز للعيان ولا يختلف أحد مع أحد على واقعها. انما الخلاف قد يحصل حول تفسيرها وتقييمها وحول معالجتها وطرق الحد منها، وحول الرؤية المستقبلية التي يجب ان تكون للمسيحيين وللمسلمين معا بشأنها كصنّاع للحضارة وكشركاء مصير.


 1 – في واقع هذه الهجرة يرى المراقبون ان عدد المسيحيين راح يتضاءل بصورة مستمرة منذ الانتقال من العهد العثماني في أوائل القرن العشرين الى عهود الاستقلال العربي وذلك في مجمل بلدان الشرق. إلا أن تفاقم هذا الوضع وتأثيره الاقوى على حضور المسيحيين في هذه المنطقة راح يظهر بصورة خاصة في لبنان منذ اندلاع الاحداث على أرضه في العام 1975، وفي العراق حيث مأساة الهجرة المسيحية تطرح أسئلة صعبة على الضمير الوطني وعلى الضمير العالمي على حد سواء. فلبنان يمثل وطنا من الاوطان العربية له اختباره التاريخي الخاص في العيش المشترك بين مجمل الطوائف المسيحية والاسلامية فيه وذلك منذ مئات السنين، لا بل منذ بداية الاسلام وبداية اختلاطه بالمسيحية في هذه الارض. وقد توصل هذا البلد الى ارساء المشاركة السياسية والاجتماعية والثقافية بين أبنائه المسيحيين والمسلمين بما حوّله انموذجا يحتذى به في كل بلد يحيا فيه معا مسيحيون ومسلمون. وليس قليلا ان يطلق البابا الراحل عن هذا البلد مقولة تاريخية مفادها ان لبنان هو أكثر من وطن، وانه رسالة في العيش الواحد الكريم تتوجه الى الشرق والى الغرب معا من أجل خير العالم وتقدمه. لكن الاحداث التي وقعت في لبنان منذ اكثر من ثلاثين عاما راحت تطرح على العالم وعلى اللبنانيين انفسهم وعلى المسيحيين بصورة خاصة اكثر من سؤال حول انطباق هذا الرأي على بلد لم يعرف كيف يصل الى الاستقرار ولو في حده الأدنى. واذا ما هاجر المسيحيون من هذا البلد بأعداد كبيرة، كما هي الحال عند كل اضطراب أمني كبير، فكيف يستمر العيش المشترك المتوازن بين اللبنانيين على أرض وطنهم. نحن لا نقول ان هذا العيش سيتوقف لأنه واقع تاريخي قديم، ومحبب لدى أبناء الشعب اللبناني من دون استثناء. لكنه قد يتأثر بوقعه الرسالي في العالم إن لم يبقَ فاعلا ومنتجا لحضارة التلاقي. والفرق معروف بين مجرد البقاء وبين زخم الحياة في العطاء وفي تجديد العطاء.


- وفي العراق ايضا مشكلة كبيرة ناجمة عن تهديد مستقبل المسيحيين واستمرارهم في ارض هي أرضهم تاريخيا مثلما هي أرض المسلمين من كل الطوائف. فان كان هناك صراع يجري على السلطة بين أطياف من العراق وسكانه، فان المسيحيين العراقيين ليسوا مشاركين في هذا الصراع، بل هم يبغون السلام للجميع ومع الجميع. وعلى الرغم من ذلك فانهم يتعرضون للتهجير القسري ولقتل رجال دينهم ولسوء المعاملة سواء من سلطات الامر الواقع أم من الفصائل المتعددة والمتنوعة من دون ان يبرز أي موقف لتحييد هؤلاء الناس عن لهيب ذلك الصراع الدامي. طبعا ان العراق لا يعرف السلام اليوم ولا يوفره لأحد من أبنائه والكل فيه ضحايا. لكننا نسارع الى القول ان الاوضاع المستجدة في لبنان وفي العراق تبقى مسؤولية عربية واسلامية مثلما هي مسؤولية مسيحية في التفتيش عن حل لها معقول ومقبول. فلبنان المتوازن وحاضن العيش المشترك هو خير للعرب أجمعين. وهو البلد الذي ربط حضاريا وتاريخيا بين الشرق والغرب. كما أن العراق هو بلد أعطى فيه المسيحيون تاريخيا زخما للحضارة لا ينسى عن طريق ترجمات قاموا بها لكنوز الفكر العالمي التي نقلوها من اليونانية الى العربية ومن العربية الى اللغات الاوروبية كافة، فاغتنى الشرق والغرب معا بهذه العطاءات التي لا تقدّر بأثمان 


(2)وكذلك في سائر دول الشرق، فان الوضع المسيحي وإن كان مقبولا على مستوى العيش وحرية العبادة، إلا أنه يبقى في حاجة الى مزيد من الترقي نحو المواطنية الفاعلة، كما أنه لا ينفصل على الاوضاع العامة للمسيحيين في البلدان المتأزمة أقله في مستوى الشعور الداخلي بضرورة المزيد من الاطمئنان على المصير. وهكذا فان الوضع المسيحي العام في مجمل بلدان الشرق الاوسط يعاني من عدم الاستقرار ويدفع بعدد كبير منهم الى تفضيل الهجرة الى دول اخرى على البقاء في أرضهم التاريخية، وهذا ما يدعونا الى التفتيش في هذا المؤتمر وفي سواه من الحلقات الدراسية عن الاسباب الكامنة وراء هذا الخيار الصعب، وعن سبل المعالجة لهذا الوضع الذي يؤلمنا جميعا.


 2 – لجهة الاسباب اولا، فان هناك ظروفا تاريخية سجلت تأزما قديما في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، بفعل تدخلات خارجية كان لها اثرها السلبي على المواطنين في مجمل هذا الشرق. فالاستعمار الغربي اعطى شعورا في منطقتنا بان الدول المستعمرة تفرض على الشعوب سياستها ومصالحها فرضا وهي تتعاطى مع ثروات الدول النامية بما يجعلها تخسر فرص التقدم التي يحق لها فيها، فيما المستعمرون يستفيدون منها بصورة شبه حصرية. وقد كان للظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني من جراء تشريده من ارضه وقع أثر في الضمير العربي والاسلامي تأثيرا سلبيا ما زلنا نعرفه حتى اليوم. فارتبطت عند الناس علاقة، وهي غير صحيحة، بين الغرب المستعمر والديانة المسيحية فيما المسيحية لا علاقة لها بسياسة هذا الغرب الذي صار علمانيَّا لا يستوحي الاديان في سياساته. اضف الى ذلك، الاوضاع المستجدة بين الشرق والغرب من جراء الارهاب الذي ينسب الى المسلمين من دون سبب مقبول والذي يحاول المسيحيون وسلطاتهم العليا في الشرق وفي الغرب رفض ربطه بالاسلام دون وجه حق. فالاسلام من حيث هو دين، هو سمح ويأمر بالرحمة وبحسن التعاطي بين جميع المؤمنين، والمسيحية لا علاقة عضوية لها بالاستعمار بل هي محبة وانفتاح على الجميع دون استثناء. فمن الضروري ان نثبت في عقولنا وفي قلوبنا هذه الصورة المضيئة عن الاسلام والمسيحية حتى ولو سجل التاريخ علاقات سلبية قديمة بين اتباعهما من جراء السياسات والتصرفات التي عرفتها الامبراطوريات الكبيرة منذ القرون الوسطى او بسبب حرب "الفرنجة" التي تركت وراءها آثارا سلبية ما زالت تذكر الى الآن.


- اما المعالجة لواقع الهجرة وارساء العلاقات الاخوية الفاعلة بين مواطني هذا الشرق، فان مسؤوليتهما لا تقع على فريق واحد منا، بل هي تقع علينا معا مسيحيين ومسلمين، ولو كان على كل فريق ان يقوم بخطوات تبقى من مسؤولياته الخاصة. فنؤكد اولا اننا نحن المسيحيين لسنا طارئين على ارض المشرق بل هي ارضنا اصلا كما هي ارض اخواننا ونحن نحيا عليها معا مصيرا مشتركا واحدا. ونؤكد اننا لسنا "حصان طروادة" غربي ادخل الى الشرق لالف سبب وسبب. بل نحن مسيحيون شرقيون، وان المسيحية قد انطلقت من هذا الشرق الى الغرب والى سواه. فمن الضروري السعي الى ترميم جسور الثقة بين ابناء الشعب الواحد في كل دولة من دولنا المشرقية. وهذا يمر عبر التعليم والتربية وتطوير مناهج الجامعات وعمل الهيئات المدنية على انواعها. ان هذا النوع من العمل الثقافي والحضاري قد دعا اليه صراحة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني في ارشاده الرسولي "رجاء جديد للبنان"، حين دعا المسيحيين في هذا البلد الى الاندراج في العالم العربي والى الاعتبار بان مصيرهم مرتبط بمصير اخوانهم سياسيا واجتماعيا على كل صعيد. فمن الضروري ان تعمم هذه المواقف المنفتحة وان يتبناها قادة الرأي عند الجميع فتتحول من افكار جميلة الى قوة فاعلة في واقع المنطقة وفي توجهاتها.


اما المسلمون اخواننا فاننا ننتظر منهم ان يعتبروا قضية الحضور المسيحي في الشرق قضية اسلامية بامتياز، وان يتبنوا قضية المواطنة وشراكة العيش تبنيا كاملا، لا على المستوى الرسمي وحسب بل ايضا على المستوى الشعبي في يومياته.
غير ان الوصول الى تثبيت هذا المنحى تثبيتا قويا وفاعلا يجب ان يمر عبر الالتزام المشترك بين المسلمين والمسيحيين بمصير اوطانهم وعبر الاقتناع بان النضال في سبيل مجتمعات منفتحة هو نضال مشترك لا يلقى عبؤه على كواهل جماعة واحدة. ان التجمعات العربية تسعى اليوم لتحديث بلدانها ولتطوير مجالات الحرية والديموقراطية في صفوفها. فمن غير المقبول ان يرحل المسيحيون وان يستقيلوا من العمل مع اخوانهم وصولا الى هذه الغايات. فاذا ما ارادوا ان يخدموا حضورهم في الشرق فان ذلك سيكون عبر نضالهم المشترك مع المسلمين لتقدم قضايا الانسان العربي الجديد، مسلما كان ام مسيحيا.


يجب علينا اذن ان نتبنى فعلا قضايا الحق العربي والتطور العربي فتصبح هذه قضايانا نحن بالذات. ولهذا فاننا مدعوون الى تخطي فكرة العيش المشترك التي قد تتحول الى فكرة جامدة وان نتحرك نحو العمل المشترك وصوغ المصير المشترك، فيصبح هذا العيش قضية مستقبلية اكثر مما صار اليوم ارثا ماضيا لم يعد يكفي ان نتغنى به ونستريح.


بهذه التوجهات، لن نبقى بعد اليوم على الندوات المتخصصة حول هجرة المسيحيين من الشرق، بل يجب طرحها في كل الاندية وفي الرأي العام الاسلامي والمسيحي معا فتتحول الى جزء من النظرة المشرقية العامة الى المستقبل الواحد. وما من شك في ان عند الجميع ارادات سوية ستعطي اطيب الثمار. لقد تعودنا ايها السادة ان نقول عن المسيحيين في الشرق إن مصيرهم واحد ولو تعددت طوائفهم. فاما ان نكون مسيحيين معا او لا نكون. اما المطلوب اليوم فهو ان نوسع هذه القاعدة لنقول: اما ان نكون مسيحيين يتشاركون والمسلمين في الحياة الوطنية والنضال الوطني الواحد واما لا نكون ولا يتقدم الشرق وينتصر. ولا ننس اننا كأهل رجاء وقيامة نحمل ايمانا بالتغيير وبصنع المستقبل لا يخزى، فلنكن من اهل هذا الايمان والباقي يعطى لنا ويزاد.

 

 

******************************************