Home      الرئيسية

 Articles مقالات

 Interviews    مقابلات

 Chaldean Society مجتمعنا الكلداني

 من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

kaldu.org  كلدو

    Contact Us اتصلوا بنا  

 June 16, 2008
 

على طريق الجلجلة
الحلقة الاولى

بقلم : حبيب حنونا

حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن الكلدوأشوريين بكل تسمياتهم (أشوريون، كلدان، سريان) هم سكان بلاد ما بين النهرين الأصليين ، فهم ورثة السومريين والبابليين والأشوريين والكلدان الذين سادوا بلاد ما بين النهرين في حقب التاريخ المختلفة ، تمتدد جذورهم في أعماق التاريخ في هذه البقعة المباركة التي بأعتراف علماء التاريخ والأعراق انها كانت مهد الحضارة الأنسانية الأولى ، التي على ارضها وضع اجدادهم اللبنة الأولى للمعرفة الأنسانية بكل حقولها، فهم ليسوا غرباء ، بل هم  أصلاء، ليس لهم أي انتماء اخر، سوى موطن ابائهم واجدادهم، فهم أبناء العراق، ابناء الرافدين دجلة والفرات، لم يأتوا لا من الشرق ولا من الغرب، اذن لماذا يضطهدون في بلدهم التاريخي، بلد ابائهم واجدادهم ؟

لقد اختلفت الذرائع والحجج بأختلاف القائمين على تلك الأضطهادات وبأختلاف الحقب التاريخية والظروف السياسية والدولية منذ فجر المسيحية في ارض الرافدين وحتى يومنا هذا ، الا انها جميعها تشترك بهدف واحد، ألا وهو أجتثاثهم من جذورهم ، كونهم مسيحيون ، ليس الا . فلقد تعرضوا الى فصول عدة من الأضطهادات، وسيقوا في طريق الجلجلة  لأجتثاثهم وتصفيتهم ، كما سيق السيد المسيح في طريق الألام الى الجلجلة يوم الجمعة العظيمة قبل ألفي عام ، الا ان اتباعه استمرت جلجلتهم ألفي عام حتى يومنا هذا .

 ليس بالأمكان في هذه العجالة أو بهذه المقالة ، أن نعطي الموضوع حقه ، فهو واسع ومتشعب بتشعب واختلاف الحقب التاريخية ، الا اننا نقف عند أقسى  مراحل مسيرة الأضطهاد التي سيق فيها مسيحيو بين النهرين على طريق الجلجلة. 

مرحلة الفرس
لقد اعتنق الكلدوأشوريون في بلاد ما بين النهرين الديانة المسيحية منذ اواسط القرن الأول للميلاد على يد رسل السيد المسيح – له المجد - ، توما وأدي وأجاي وماري، يقول يوسف السمعاني في كتابه "المكتبة الشرقية" ان (هيلانة) وابنها (عزات) ملك أمارة حدياب التي قاعدتها (حزة) بالقرب من (أربيل) اعتنقا الديانة المسيحية في أواسط القرن الأول للميلاد وكان هذا عاملا مساعدا في انتشار المسيحية خلال مسيرتها الأولى . وكان انتشارها يسير سيرا حسنا حتى عام (90 م) أذ اضرم الفرثيون بقيادة كسرى نار الأضطهاد على المسيحيين وأذاقهم عذابات كثيرة ، وكان هذا الأضطهاد الأول، ولكن رغم هذا لم تتعثر مسيرة كنيسة المشرق ، بل انتشرت انتشارا واسعا في كل الأرجاء حتى وصلت الى اقاصي الهند ، واستنادا الى بعض المستندات التاريخية ان المطران داود مطران البصرة قد زار مقاطعة كيرالا عام 296 م وأن المطران يوحنا الرهاوي كان ثالث اساقفة الهند المعين من قبل بطريرك كنيسة المشرق عام 354 م ، وبحلول القرن الرابع للميلاد  كانت المسيحية هي الغالبة بين سكان بلاد ما بين النهرين، وقد كانت البلاد أنذاك تحت حكم الفرس، والذين كانوا يدينون بالديانات المجوسية او الزرادشتية، لم يروق لهم انتشار المسيحية ، فشن شابور الثاني (379-339) اضطهادا ضد معتنقيها ، وهو المعروف بالأضطهاد الأربعيني ، فقد دام اربعون عاما، وكانت الذريعة والتهمة التي التصقت بالمسيحيين ، هي موالاتهم وتعاطفهم مع الرومان، حيث كان الفرس في صراع وحرب مريرة مع الرومان، ولم يكن للمسيحيين في تلك الحرب لا ناقة ولا جمل فيها. وكانت الذريعة الأخرى هي ممانعة الجاثليق مار شمعون برصباعي دفع الجزية الباهظة التي سنها شابور جزافا بحق المسيحيين ، فاستشاط شابور غضبا وعول على اجتثاث المسيحية من مملكته، فدمر كنيسة المدائن ، وأمر بألقاء القبض على الجاثليق مار شمعون وعلى اربعة اساقفة وتسعة وتسعين اكليروسا، وسيقوا الى ليدان بالأهواز ، حيث زجوا في السجن، وصباح الجمعة العظيمة عام 341م ساقهم الجند خارج المدينة حيث عمل السيف في رقابهم جميعا. وفي نفس العام استشهد مار ميلس اسقف شوشان، وفي العام التالي قتل شابور 128 من نبلاء الشعب المسيحي في كركوك، وفي 6 نيسان 345 ألقى القبض على الجاثليق بربعشمين – وهوابن أخت مار شمعون – ومعه سبعة عشر من كهنته، وتم قتلهم جميعا. وقد بلغ عدد الشهداء المسيحيين خلال اربعين عاما (339- 379) ما يزيد على ثلاثمائة ألف في بابل وألأهواز وكركوك وحدياب واربيل وما جاورها.

ولم يقتصر الأضطهاد على عهد شابور، انما حدثت اضطهادات أخرى في عهد العديد من ملوك الفرس وتحديدا عهود أردشير الأول وبهرام الرابع، الذي في عهد هذا الأخير في 27 تشرين الثاني عام 427 م استشهد مار عبدا الأسقف ورفاقه الأربعمائة والعشرون ومار يعقوب المقطع وهرمز وطاطاق الحديابي، واستشهد بعدهم اساقفة وجماهير من المسيحيين أناف عددهم على المائة والثلاثين ألفا ، أما يزدجرد الثاني فقد أجرى عام   448 م  مجزرة رهيبة في كركوك بحق المسيحيين ، راح ضحيتها الألاف ومعهم عشرة اساقفة ، حزت رقابهم على تلة تعرف لحد اليوم بالتل الأحمر نسبة للدم الذي سفح على ذلك التل ،   وكذلك تجرع المسيحيون من اضطهادات قام بها بيروز وخسروا (531- 579 م) ، أي أن المسيحيين عانوا من اضطهاد الفرس مدة قرنين من الزمان، تخللتها فترات متقطعة من حسن المعاملة على عهد بعض الأكاسرة ، وخاصة منتصف القرن الخامس الى بدايات القرن السادس الميلادي ، حيث استطاعت كنيسة المشرق خلالها من استرداد انفاسها واستعادة بعض من عافيتها ، لا بل حتى من اتساع انتشارها شرقا حتى وصلت أقاصي الصين. 

مرحلة الخلفاء
عندما قدم العرب الى العراق في القرن السابع الميلادي ، ودحروا الفرس في معركة القادسية ، استبشر المسيحييون خيرا ، لأن الفرس كانوا أذاقوا المسيحيين مر العذاب والهوان . ولهذا تعاون المسيحييون مع العرب خير تعاون ، ومن الجدير بالأشارة ان التغالبة – وهم قبائل مسيحية عربية – ساندت العرب في معركتهم مع الفرس ، وأن الذي قتل قائد الجيش الفارسي كان تغلبيا . وقد قدم المسيحييون للعرب كل وسائل الدعم الثقافي وخاصة في مجالات العلم والمعرفة والطب والترجمة والتأليف ، فكانوا خير عون للعرب ، اذ كان المسيحييون يشكلون عصب الثقافة في بلاد ما بين النهرين ، ولهذا عاملهم العرب بالحسنى والتسامح في بادئ الأمر، فأنتعشت أمورهم وأنتشرت كنائسهم وديارهم ، وتبوأ العديد منهم مراكز ثقافية متقدمة . الا أن العلاقة بين العرب والمسيحيين  لم تستمر على وتيرة واحدة ، بل شابتها بعض الأضطرابات ، وتقلبت ما بين الحلو والمر ، اذ تعرضوا للأضطهاد أبان عهد بعض الخلفاء .  

فقد تم في عهد الخليفة عبد الملك (686-701) فرض الجزية عليهم وتطبيق قوانين الذمة لأول مرة ، تلك القوانين المجحفة التي حدت من نشاطهم وانتقصت من كرامتهم، ومن بين تلك القوانين: ( يمنع على المسيحيين الخروج والتسوق ايام الجمع، منعهم من ركوب الخيل ويسمح لهم بركوب الحمير فقط ، يمنع الرجال والنساء من ارتداء الملابس الحريرية، على المسيحي وضع علامة على صدره تميزه عن غيره ، وضع علامة خشبية على أبواب دورهم ، يمنع دق النواقيس ، يمنع أجراء المراسيم الدينية في العلن ، عدم السماح لأولادهم الألتحاق بمدارس المسلمين فرض ضرائب باهضة، تدمير مقابرهم وبعض الأديرة والكنائس) ، فأضطر الكثيرون منهم على اعتناق الأسلام تخلصا من الجزية ، أما المتمكنون ماديا فقد بقوا في ديارهم وعاشوا مع العرب في ظل القوانين التي سنت لهم ، كما أضطر الأخرون للهرب واللجوء الى القرى الشمالية والمناطق القصية ، حيث استقر العديد منهم في منطقة الخابور. ، وكذلك فعل الحجاج بن يوسف الثقفي أثناء ولايته للعراق في حدود عام 700م فقد قام هو الآخر باضطهاد المسيحيين . 

كانت أحوال المسيحيين في عهد الخليفة المهدي (775 – 785 م ) تسير سيرا حسنا ، فقد كان هذا الخليفة محبا للعلم والعلماء ورائدا في الحوار مع المسيحيين وخاصة مع البطريرك طيماثاوس  ولكن عندما اندلعت الحرب بين العرب والروم عام 780 م بدأ يشك في ولاء المسيحيين ويتهمهم بالتعاطف والموالاة للروم ، فأمر بتدمير بعض الكنائس  (Suha Rassam: “ Christianity in Iraq” Herefordshire, 2006, p. 87 ) ، ولهذا نرى ان معاملة بعض الخلفاء مع المسيحيين، كانت تتأثر بالظروف السياسية والصراعات الدولية ، ولكن الشخصيات المسيحية التي كانت تتولى مناصب ثقافية وعلمية بارزة في البلاط العباسي ،  ساعدت في كثير من الأحيان  دون تتطبيق قوانين الذمة.

فعلى سبيل المثال عندما أمر الخليفة هرون الرشيد ( 786 – 809 م ) بتدمير الكنائس وتطبيق قوانين الذمة ، دخل عليه طبيبه الخاص جبرائيل بن بختيشوع الى البلاط مرتديا الزي الخاص بأهل الذمة ، وهو زي حقير ،  اعترض عليه الخليفة هرون الرشيد " ليس لائقا بك أن تردي هذا الزي " ، فرد عليه الطبيب " ولكنني مسيحي  من أهل الذمة " ، مما اضطر الخليفة ان يلغي تلك القوانين اكراما لطبيبه  ، ويقول أوبري فاين في كتابه الكنيسة النسطورية: " ان في عهد الخليفة المأمون (813 – 833م) حدثت هجرة جماعية كبرى من سكان مدينة بغداد ، استقرت في منطقة سنوب (Senope) على البحر الأسود ، وقد استقبلهم الأمبراطور البيزنطي توفليس بكل حفاوة وتكريم وسهل أمرهم وسن قوانين يجيز للرومان الزواج منهم".

ولكن قمة الأضطهادات كانت في عهد المتوكل (847 – 861 م ) . فقد تم سجن البطريرك مار أدي، وتم بأمر من الخليفة قتل الطبيب والفيلسوف المشهور حنين بن اسحق عام 873م ،  وطبق بحق المسيحيين تلك القوانين التي اتسمت بالتعسف والأهانة والأنتقاص من كرامة الأنسان ،  مما دفع بالكثير من المسيحيين  لعدم قناعتهم العيش في ظل ظروف التعسف والأضطهاد والأجحاف الهرب والألتجاء المناطق التي كانت خاضعة للروم في سوريا وتركيا مثل مناطق دياربكر ونصيبين والرها وغيرها  ، ويتحدث ابن النديم (المتوفي عام 900 م) في كتابه الفهرست – المقالة التاسعة عن سكان مدينة حاران التي تقع على أحد روافد الفرات في تركيا واصفا اياهم بالكلدانيين .

مرحلة التتار والمغول

في عام 1258م سقطت الدولة العباسية على يد التتر بعد أن احتل هولاكو مدينة بغداد وأباد من سكانها خلقا كثيرا، اما المسيحييون القاطنون فيها والذين سلموا من المذابح ، فقد أمر هولاكو بأن يجمعوا في منطقة واحدة وأن لا يمسوا بأذى اكراما لزوجته دقوز خاتون ووالدته سركوتي اللتين كانتا تدينان بالمسيحية ولهذا تنعم المسيحييون بنوع من الأستقرار النسبي في عهد هولاكو، وقد أكرم هولاكو الجاثليق مكيخا (1257-1265م) بأن أهداه قصر الخليفة المستعصم (الدويدار) ليكون مقر للجاثليقية في بغداد.

وفي عام 1236 م هاجم التتار بلدة كرمليس ، وأجروا فيها مذبحة مروعة لمدة اربعة أيام  وهي المعروفة في التاريخ بمقتل كرمليس – قطلا د كرملش– راح ضحيتها أعداد كبيرة من سكان البلدة ، حسبما ذكرها المؤرخ المعروف المفريان غريغوريوس ابو الفرج ابن العبري ، ولم يسلم من سكانها الا من فر بعيدا ، كما تم تدمير وحرق معظم بيوتها وكنائسها ، كما تعرضت قرية تللسقف الى هجوم تتري في نفس الفترة . وفي عام 1261م هاجمت عساكر الملك صالح اسماعيل منطقة سهل نينوى مما أضطر سكان كرمليس ، بغديدا ، برطلة ، بدنة ، باصخرا ، الفرار نحو مدينة اربيل نفاذا بجلدهم ، وترك بيوتهم ، وقد استغلت القبائل الكردية المهاجرة من جبال تركيا هذا الفراغ، وقامت باستيطان بعض القرى المسيحية المنتشرة في سهل نينوى وذلك بدعم من الملك صالح اسماعيل، كما تم الأعتداء على دير الراهبات في بغديدا وقتل جميع الراهبات  (ابن العبري "مختصر تاريخ الدول" ص 492-497 ). وفي عام 1285م تم اعدام عيسى ابن المقدس حاكم أربيل المسيحي بتعليقه من رجله وحرقه حيا . واستنادا الى ابن العبري في كتابه "التاريخ المدني" (ص 516) أن في عام 1288م حدثت معركة بين التتار والأكراد بالقرب من بلدة بغديدا ، وفي نهايتها قام الأكراد بأعتقال 12 شابا من أجمل شباب بغديدا وقتلهم جميعا .

كان معظم ملوك المغول من المسيحيين أو المتعاطفين معهم ولكن انقلابا تراجيديا حدث عندما تولى السلطان (غازان المغولي) (1295-1303م) الحكم في بغداد، فخيم على المسيحيين القاطنين فيها وما حولها كابوسا لم يسبق لها مثيلا، فقد كان يحقد حقدا شديدا على أهل الذمة قاطبة ، فصمم هذا الخان أن يقتلع جذور المسيحية في مملكته من اساسها، فأصدر (نوروز) عامله، امرا يقضي: " (بأن جميع الكنائس يجب أن تهدم وتزال من اساساها، الأحتفالات الدينية يجب أن تتوقف ، لا صلوات ولا أصوات نواقيس ، جميع رؤسائهم وكهنتهم يجب ان يقتلوا). يقول الأب أنستاس ماري الكرملي في كتابه (الفوز بالمراد في تاريخ بغداد): "(ان المحن التي عاناها المسيحيون في عهد هذا السلطان لا يفي القلم بوصفها، فقد نبش القبور وهدم الكنائس والمعابد وألقى القبض على الجاثليق– يهبالاها المغولي الأصل– وأودعه السجن ولم يطلق سراحه الا بعد أن دفع غرامة باهضة، فأضطر الجاثليق بعدها أن ينقل كرسي الجثلقة الى مدينة مراغا) " .

وفي عام 1297م أغار علاء الدين ابن جاجا المغولي على منطقة عمادية، أسر 12000 من المسيحيين وأحرق كنائس المنطقة. وقد حذا الخان المغولي (خربندا خان) حذو سلفه غازان خان ، اذ أصدر أمرا عام 1306م يقضي: (على كافة المسيحيين القاطنين في البلاد أما أن يعلنوا اسلامهم أو أن يدفعوا الخراج ، ويطمغوا في وجوههم علامة مميزة، تقتلع لحاياهم، توضع علامة سوداء على أكتافهم ...)، واستنادا الى مخطوطة كتبها الراهب يوحنا: "(أن المسيحيين تحملوا تلك الأهانات ، دفعوا الضرائب وبقوا على دينهم، وعندما رأى خربندا أن هذا لم يجد نفعا مع المسيحيين، أصدر أمرا بخصيهم، وأن تقلع احدى عيونهم في حالة عدم قبولهم الأسلام)". ونتيجة لتلك القوانين المجحفة والهمجية تشتت كبار القوم وغالبية الشعب المسيحي في قرى وجبال تركيا وايران ، وكادت بغداد والمدائن وكشكر – واسط– ومدن أخرى تخلو من المسيحيين. وفي عام 1324م تم الأعتداء على بلدة بغديدا وتدمير اربعة من كنائسها .

أما كارثة الكوارث، فكانت على يد تيمورلنك يوم أحتل بغداد عام 1400م وعمل السيف في رقاب اهلها دون تمييز، يقول رافائيل بابو اسحق في كتابه (تاريخ نصارى العراق) ص 112-113 :" (أما النصارى فكانت حالتهم يرثى لها، فقد تبدد جمعهم وهربوا لاجئين الى القرى والجبال النائية خوفا من القتل والذبح .... ) ". ويقول بطرس نصري في كتابه (ذخيرة الأذهان) ج2 ص 78 و200: "(أن النصارى قد تجرعوا غصص الألام وتشتتوا في انحاء البلاد، قتل منهم الكثير وهاجر منهم الكثير ...) ".

أما أوبري فاين يقول في كتابه " الكنيسة النسطورية"  (The Nestorian Church): " (أن مقاطعة نصيبين – جنوب تركيا – قد توسعت وأصبحت معقلا من معاقل المسيحية بجانب أبرشيات الموصل والتي عاشت فيها الكنيسة الى الأن بسبب من تبقى هنالك من المهاجرين الذين هربوا من غزوات المغول ومذابح تيمورلنك ، لأن تلك المنطقة كانت أبعد نسبيا عن المدن التي أستهدفها المغول، لأن الكثيرين من اللاجئين المسيحيين قدموا الى المناطق الجبلية من مناطق أخرى لكي يكونوا بعيدين عن الزوبعة المغولية) ". وجاء في كتاب (نزهة المشتاق في تاريخ يهود بغداد) ليوسف غنيمة ص 151-152: " (هجر النساطرة بغداد والبصرة وكل مدن العراق ما عدا الموصل وتوابعها، والتجأوا الى قمم كردستان وبلاد فارس ...) ". وجاء في كتاب (تقويم قديم للكنيسة الكلدانية النسطورية) نشره المطران بطرس عزيز عام 1917م: " (قبل الهجرة الكبرى في القرن الخامس عشر، كان في بغداد وضواحيها ستة عشر ألف بيت مسيحي، يدير شؤونها مطرابوليط واحد وسبعة أساقفة وخمسمائة كاهن، أما في نهاية القرن السابع عشر خلت بغداد من المسيحيين الا من نزر قليل .... ) ". وهذا يدل دلالة قاطعة أن هجرة واسعة وأضطهادات جسيمة حدثت في بغداد وضواحيها خلال حكم تيمورلنك وما بعده. 

مرحلة ألأتراك العثمانيين

في عام 1534م احتل السلطان سليمان القانوني مدينة بغداد ، وبذلك أصبحت بلاد الرافدين بأسرها تحت الحكم العثماني الذي أستمر قرابة أربعة قرون . عاش المسيحيون في ظل الحكم العثماني في اربع مناطق رئيسية:

1-     ولاية الموصل (التي كانت تشمل أنذاك محافظة نينوى ، محافظة أربيل ، محافظة التأميم ، محافظة السليمانية ، ودهوك التي  كانت جزءا من محافظة الموصل - ثم اصبحت لاحقا محافظة)  أضافة الى مدن ديار بكر، ماردين وأورفا ومدن عديدة اخرى .

2-    أقليم هكاري ضمن ولاية (وان) جنوب شرقي تركيا ، وقد عاش الأشوريون في هذا الأقليم ضمن مجاميع عشائرية كبيرة ومتماسكة ، تمتع العديد منها بما يشبه الأستقلال في ممالك خاصة بهم ، وهي تياري العليا وتياري السفلى وتخوما وجيلو وباز ، وقد قدر عدد الأشوريين في أقليم هكاري والمدن التركية الأخرى قبيل الحرب العالمية الأولى بنحو ما بين سبعمائة وخمسين ألفا وتسعمائة ألف نسمة.

3-    ولايتي بغداد والبصرة

4-    سوريا الكبرى: ولاية حلب وجبل لبنان.

5-    أيران: مدينة أورمية والمناطق المحيطة بها (أرديشاي، كاويلان ، أدا وغيبوتا ، ومدن أخرى).

لقد تعرض المسيحيون بكافة انتماءاتهم القومية (ألأرمن والكلدوأشوريون)  او المذهبية (الكاثوليك، ألأرثوذكس) الى أبشع أنواع الأضطهاد والجور والتعسف وحملات الأبادة التي أتسمت العديد منها بالشمولية والأبادة الجماعية من لدن السلطات العثمانية والمتحالفين معهم منذ أواسط القرن التاسع عشر.

ففي عام 1832م جرد اسماعيل باشا أمير العمادية حملة كبرى على كافة قرى نينوى المسيحية، راح ضحيتها الألاف، ففي بلدة ألقوش وحدها – على سبيل المثال – قتل من سكانها ما يزيد على أربعمائة شخص . أما بدر خان فقد قام بحملات ابادة شاملة في مناطق تياري بأقليم هكاري في الفترة من 1843 الى 1847م راح ضحيتها ما يزيد على 20000 أشوري وأزال من الوجود عشرات القرى والبلدات المسيحية بوحشية لايمكن لأي مؤرخ أن يعطي حقها من الوصف مهما بلغ من البلاغة. يقول هنري لايارد في كتابه (البحث عن نينوى) الذي زار قرية منيانيش ، احدى المناطق المنكوبة : "(أن القرية ابيدت بكاملها عن بكرة أبيها) " ويستطرد في مكان أخر ، "أن بدرخان اقترف أحدى أكبر المذابح المرعبة في اشيتا وليزان" . كما افتعلت السلطات العثمانية مذابحا في كل من أورفا وديار بكر وماردين في الفترة 1895-1898م.

أن المذابح التي أقترفها الأتراك بحق المسيحيين قبيل وأثناء الحرب العالمية الأولى ، بدأت اثر الأنقلاب الذي حدث في الدولة العثمانية عام 1908م، اذ أعلن الأنقلابيون (حزب تركيا الفتاة) حينذاك، سياسة التتريك وأضطهاد القوميات الأخرى، وتنظيف – على حد قولهم – تركيا من كافة الأقوام التي لا تمت بصلة بالأتراك ، وحل المسألة القومية في تركيا عن طريق الأبادة الجسدية لكافة الشعوب المسيحية ، أو تهجينها بالقوة ومنعهم التحدث بلغتهم القومية . يقول المؤرخ الأرمني  فرنسيسيان في كتابه (مذابح الأرمن)  ص 364 : " ( فقد صرح الدكتور ناظم، أحد أقطاب الثورة، نريد أن يعيش على الأرض التركية ، التركي فقط، فليغيب جميع العناصر الغير التركية من أية قومية أو دين ، يجب تنظيف بلادنا من العناصر الغير تركية) ". تلك كانت سياستهم، اغتصاب الأرض وابادة الأنسان .

في كانون الأول عام 1914م ، تحالفت تركيا مع ألمانيا في حربها ضد انكلترا وفرنسا وروسيا ، واخضعت جميع رعاياها الى الخدمة العسكرية وبضمنهم المسيحيون بجميع طوائفهم ، وقام المسيحيون بواجبهم الوطني خير قيام ، وأبدوا شجاعة  نادرة تعبرعن ولائهم ومحبتهم لوطنهم ، حالهم حال غيرهم من الأتراك ،  وقد كانوا يشكلون الشريحة الأكثر حيوية والأكثر انفتاحا وتقدما حضاريا بين كافة شعوب الأمبراطورية العثمانية ، وكان بامكانهم ان يكونوا سندا في بناء الدولة على اسس حضارية وتقدمية ،  الا ان النفوس المريضة التي كانت تقود الدولة العثمانية في بداية الحرب، بدأت بتطبيق ما أعلنه الأنقلابيون عام 1908م وهو "الخلاص من المسيحيين"  وخصوصا الأرمن ورعايا كنيسة المشرق من الكلدان والسريان والأشوريين ، فاستغلت ظروف الحرب لتنفيذ مآربها ، فبدأت بتأليب السكان الأتراك ضد المسيحيين في خطط مدروسة لأجتثاثهم ، تعتمد  بالدرجة الأساس على النعرة الدينية ، ملصقة بهم صفة الكفر، ومتهمة اياهم بالتواطئ وعدم الولاء ، واشاعت موجة من الكراهية لهم بين عامة الناس ، مما جعل المسيحي في نظر المتزمتين دينيا أو قوميا، عنصرا غير مرغوب فيه، لا بل يستوجب استئصاله.

وقد تركزت موجة الأضطهاد في بادئ الأمر على الأرمن بالدرجة الأساس ، التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة ملايين شخص من الأطفال والنساء والشيوخ ورجال الدين ، من بينهم بطريركهم المسن الذي شنق وعمره 84 عاما، وأزيلت من الوجود أكثر من أربعة ألاف قرية أرمنية في عموم تركيا ، اما بالنسبة للأشوريين فقد بدأت اولى الأضطهادات والمجازر بحقهم في ولاية ديار بكر وتحديدا في مدينة ماردين وما حولها ، فقد اعطى وزير الداخلية التركي أوامره الى محافظ ماردين في برقية من دياربكر: "اذبح جميع الكلاب عندك" بما معناه اذبح جميع المسيحيين . يقول شاهد عيان (الأب جاك ريتوري) في كتابه (المسيحيون بين أنياب الوحوش) : " ولاية ديار بكر ومدينة ماردين بنوع خاص ، كانتا من أهم المواقع لمراقبة الحدث الرهيب الذي لا يصدقه عقل من لم يراه بأم عينه ، ابادة جماعية لخيرة رعايا الأمبراطورية التركية في ظروف كانت بأمس الحاجة الى جهودهم الخلاقة ، لا أعتقد أن في أي أقليم أخر من اقاليم الأمبراطورية جرت مذابح وحشية كما حدثت في ديار بكر، وبهذا التآمر الجهنمي أصبح هذا الأقليم مقبرة لأكبر عدد من المسيحيين " . ويستطرد فيقول: " ما شاهدته من فضائع وأهوال بأمر من رجال يدعّون التمدن ، ارتكبها مسوخ مقنعون بوجوه أدمية ، والأعجاب الذي تملكني بشجاعة ومآثر أخوتي المسيحيين البائسين في تلك الأوقات العصيبة ، والموت والعذابات والمعانات، اوحت الى بفكرة الحفاظ على تلك الذكريات المؤلمة".

لقد كان أول الضحايا في الأجتثاث المسيحي في بلاد ما بين النهرين هو الأب حنا شيحا ، كاهن خورنة نصيبين الكلدانية ، وخمسون فردا من عائلته (أل شيحا) الذين كانوا يقطنون ما بين ماردين ونصيبين فقد تم ذبحهم جميعا .

أن المجازر التي اقترفها الأتراك بحق المسيحيين في العقد الثاني من القرن العشرين ، قد يعجز أي كاتب مهما بلغ من البلاغة ان يصفها بتفاصيلها ، لبشاعتها والوسائل الدنيئة والأجرامية التي بها تمت تنفيذها ، من قطع للرؤوس بالسيف ، وحرق الناس أحياء ، أو تهشيم الرؤوس بالحجارة والفؤوس ، رمي الناس في الوديان من مرتفعات عالية ، رمي النساء والأطفال في الأنهار، عمليات الشنق ، عمليات الخنق ، بقر بطون الحوامل ، اغتصاب النساء ثم بيعهم كعبيد في أسواق النخاسة. لم يتركوا الأتراك وسيلة للتعذيب الا وأستخدموها تمهيدا للقتل، من الجلد والتعليق بالسقف والحرق وغرس المسامير الحديدية في الأجساد ، قلع الأظافر ، خلع الأسنان ، تقطيع الأطراف ثم الأجهاز على الضحية . ان من يطلع ويقرأ الوثائق التاريخية حول هذه المجازر، يدرك تماما، ان مقترفوها ليسوا من صنف البشر، انما وحوش ليس الا.

 ومما يؤسف له ان جميع هذه المجازر حدثت تحت مرأى ومسمع الألمان حلفاء الأتراك الذين لم يحركوا ساكنا لمنع وقوعها، لا بل أن البعض منها حدثت بمباركة منهم.

لقد راح ضحية الأضطهادات في الفترة (1914 – 1918) ما يزيد على ثلاثة ملايين أرمني، و ما بين 375000 ونصف مليون شخص من الكلدوأشوريين بكل تسمياتهم (الأشوريون، الكلدان، السريان الكاثوليك والأرثودكس) ، وتشير بعض التقديرات الى ان العدد هو اكثر بكثير من ذلك ،  ليصل الى ثلاثة أرباع المليون . وكان الأتراك يركزون كل جهدهم على تصفية القيادات المدنية والدينية ، فقاموا بتصفية عشرات الأساقفة والمطارين من بينهم ثلاثة اساقفة من الكنيسة الكلدانية (من بينهم العلامة المطران أدي شير) واسقفان من السريان الأرثودكس ، مئات الكهنة من كهنة كنيسة المشرق الأشورية ، ثلاثون كاهنا من الكنيسة الكلدانية ، تسعة وعشرون كاهنا من السريان الكاثوليك ، 156 كاهنا من السريان الأرثودكس ، وفي نهاية المطاف تم اغتيال البطريرك الشهيد مار بنيامين شمعون بطريرك كنيسة المشرق الذي اغتاله سمكو الشكاكي في الثالث من اذار 1918م .  

 شملت رقعة الأضطهادات مدن ولاية دياربكر، وأقليم هكاري (في ولاية وان) الذي كان غالبيته من الأشوريين، ومدن الجزيرة وعشرات القرى المنتشرة في جنوب شرقي تركيا . لقد كانت هذه المرحلة من أقسى المراحل التي قصمت ظهر الأمة ، فأصابتها في الصميم ، وبددت شملها ، فتبعثر ابناؤها في جميع الأصقاع .

الحلقة الاولى                                                  الحلقة الثانية                                                 الحلقة الثالثة

جميع حقوق النشر محفوظة لصاحب المقال -  2008

 

*******************************************