Home      الرئيسية   

 Articles   مقالات

 Interviews    مقابلات

 Chaldean Society مجتمعنا الكلداني

 من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

kaldu.org  كلدو

    Contact Us اتصلوا بنا  

  Links  دليل

       August 18,  2009
 


الشاعر الساخر أحمد الصافي النجفي  

قال الصافي صادرات بلدتي مشائخ وواردات بلـدتي جنائز

حورب لمحاولته السماح بالتصفيق في الندوات الادبية في النجف 

 فشل فآثر التشرد لكنه كان نجم زمانه

لم يقم للصافي مهرجان فقال

(كان ذاك السلام لـي مهرجاناً مهرجاني على الرصيف يُقـام)

حياة (الشاعر أحمد الصافي النجفي) (1897- 1977)، كما أرخها الشاعر والأكاديمي النجفي ألآخر (إبراهيم العاتي) ولا ادري كيف يكون (العاني) نجفيا. (الشاعر أحمد الصافي النجفي) عانى في حياته ألوانا من المفارقات، بين غربة بعضها اختياري وبعضها جبري، عاش (الصافي النجفي) بين شقاء اضفاه على نفسه، خشيةً ان يحرم من البقاء في دمشق حيث كان يعيش في غرفة بالية، ليس بينها وبين القبر من فارق غير أنها فوق الأرض. رفض أكثر من مرة راتباً جارياً من العراق، أو من أهل اليسار، بعد ضغط السنين، وإلحاح المرض المزمن استجاب لطلب سفير العراق ببيروت (ناصر الحاني)، أوائل الستينات قبل راتباً غير مشروط بتطويق حريته أو تحديد أسلوب حياته. (أحمد بن علي بن صافي النجفي) ولد عام 1897 اي قبل القرن العشرين في النجف في أسرة دينية كان والده (علي الصافي) قد ورث فقه الدين عن أجداده، أما جدّه لأُمه فهو (الإمام الشيخ محمد حسين الكاظمي) أكبر فقهاء عصره له عدد من المؤلفات الدينية. تعلم(أحمد الصَافي النجفي) بعض اجزاء القرآن على (شيخة)، ثم تعلم الكتابة وأكمل قراءة القرآن في (مدرسة الملا) اي في (الملا) كما نقول نحن العراقيين. كان رغم صغر عمره ينوب عن المعلم في تدريس الخط للتلاميذ. توفي والده بالكوليرا التي عمت العراق عام 1907 كان أحمد في العاشرة من عمره فتسلم شقيقه الأكبر (محمد رضى) إعالة العائلة. بعد تخرجه من (الملا) اتقن الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان وأصول الفقه من كبار المعلمين منهم المجتهد الأكبر ( السيد أبو الحسن الأصفهاني) لثماني اعوام فأتقن هذه العلوم. كان(أحمد الصَافي النجفي) ضعيف البنية أرهقته الدراسات فأصيب ببعض انواع العصاب اي الانهيار العصبي الشديد فأشار الأطباء عليه التوقف عن متابعة الدروس فاتجه إلى المطالعة في الأدب القديم والصحف والمجلات فاكتسب معلومات ثقافية واسعة. أخذ ينشر مقالاته في مجلة (المقتطف) و (الهلال) مجلتان صغيرتان الحجم مصورتان جامعتان تنشران مقالات لا تنشرها صحف ذاك الزمن تصدران في مصر، الكثير منها مما يحدث في اوربا، كانتان تثقافيتان يجد القراء فيهما كل ما هو جديد ذاك الزمن للانجازات العلمية الحادثة في اوربا. كانت المجلتان  ليس لهما ضريب كانتا تصلان العراق حتى البصرة. لم يكن بوسعي شرائهما فكنت اقرأهما في المكتبة العامة في البصرة، كانتا تنشران في مصر من دار (الهلال), مؤسسها (جرجي زيدان) اللبناني الاصل. اما (المقتطف) فكان يصدرها فريق من المثقفين وهي اول واوحد مجلة علمية كانت تصدر في العالم وهي المجلة الوحيدة التي عرفت العالم العربي بـ (نظرية التطور) لـ (جارلس داروين) كانت تصدر من مصر، كنت ذلك في الثانوية اتابعها في المكتبة منحتني الكثير من العلوم كان يحررها مجموعة من مثقفي ذاك الزمان اللبنانيين الاصل في العام خاصة كانت فريدة زمانها.

صدرت كتب عديدة عن حياة (أحمد الصَافي النجفي) وشعره النير بالاظافة لما أرخه الشاعر والأكاديمي النجفي الآخر (الدكتور إبراهيم العاتي) في كتابه (أحمد الصَافي النجفي.. غربة الروح ووهج الإبداع)، الصادر عن دار العلم للطباعة والنشر، بيروت 2007، سجل (العاتي) رصداً دقيقاً مكثفاً لحياة وشعر (أحمد الصَافي النجفي)، أحد أبرز شعراء العربية المعاصرين، من الذين اختلط شعرهم بحياتهم، وكان بدايتهم ونهايتهم. قبل هذا، حظا (أحمد الصَافي النجفي) بأكثر من ترجمة حياته فلم تغيبه الغربته عن مؤرخي الأدب العراقيين، فحفل كتاب (شعراء الغري) للكاتب النجفي (علي الخاقاني) توفي عام  1979 عرفته في بغداد يوم تأسست جمعية الصحفيين التي رأسها (محمد مهدي الجواهري) في عهد (عبد الكريم قاسم)، (علي الخاقاني) في كتابة ترجم حياة (أحمد الصَافي النجفي) في عرضه واحد من  (شعراء الغري) اي النجف كانت وافية. اما كتاب (إبراهيم العاتي) في تأليفه اعتمد ترجمات عدد من الأدباء ومؤلفين عربا وعراقيين مما أثار اهتمامهم بـ (أحمد الصَافي النجفي). (إبراهيم عبد الستار) في طبعة (عبقرية الصافي) عن طرابلس- لبنان 1974، و (إبراهيم الكيلاني) في كتابه (الشاعر أحمد الصافي النجفي) من دمشق 1980، و (عبد اللطيف شرارة) في كتابه (الصافي) طبعة بيروت 1981، والطبيب الأديب (عبد السلام العجيلي) في (وجوه الراحلين) طبعة دمشق 1982، و (سلمان هادي طعمة) في (أحمد الصافي شاعر العصر) طبعة بغداد 1985. كان لمسقط رأس الشاعر النجف أو الغري خاصة قد لا تتكرر في المدن الدينية الأخرى لانها محافظة متزمتة متشددة اشد المحافظة والتزمت والتشدد على التقاليد، رسخت في المتوارث لكنها أخذت قدسيتها من واقع المدينة، والرغبة في المحافظة على تراثها. إلى جانب ذلك البعض في النجف المدينة تواقون للانفتاح، واستيعاب الجديد، لكن وفق التقليد المتوافر والظروف. في وقت عُدى التصفيق في الأماسي الأدبية، أو الاحتفالات التكريمية، وما أكثرها بالنجف، من المحرمات. ليس غريباً أن يكون (أحمد الصَافي النجفي) كبش الفداء،  من الثائرين على تحريم التصفيق، رغم عدم أهمية الممارسة إلا أن منعها يتبعه ممنوعات أخرى، يكرس الشعور بالضغط والكبت. من مثل هذا الإجراء المتوارث.



في عام 1920 أصدر الحاكم الإنكليزي أمراً بإلقاء القبض (أحمد الصَافي النجفي) لكونه من المحرضين على ثورة العشرين فاضطر إلى مغادرة العراق إلى إيران واستقر بولاية شيراز هناك تعلم اللغة الفارسية وعمل مدرساً للآداب العربية في ثلاث مدارس. تابع نشر مقالاته في الصحف والمجلات فلفت الأنظار إليه وانتخب عضواً في النادي الأدبي وبعدها عيّن عضواً في لجنة التأليف والترجمة، ثم كلفته وزارة المعارف في ايران ترجمة كتاب في (علم النفس) لمؤلفيه (علي الجارم) و (أحمد أمين) من العربية إلى الفارسية للتدرّس في دار المعلمين بطهران فترجمه بدقة الى الفارسية، ثم ترجم (رباعيات الخيام) من الفارسية إلى العربية اذ تعتبر أفضل ترجمة لأنه نقلها عن الأصل الفارسي. طبعت للمرة الأولى في طهران. قضى ثماني سنوات في طهران ثم عاد إلى العراق بطلب الحكومة العراقية وأصدقائه ليخدم العراق فعيّن قاضياً في مدينة الناصرية شغلها لثلاث سنوات. في عام 1930 ذهب إلى سورية للاستشفاء. كان يتنقل بين دمشق وبيروت متابعاً رسالته الأدبية. عندما اندلعت الحرب بين الحلفاء والمحور عام 1941 أدخل الصافي النجفي السجن بأمر السلطات الإنكليزية، مكث في التوقيف أربعين يوماً تحت إدارة الأمن العام الفرنسي ثم أفرج عنه ونظم في السجن ديوانه (حصاد السجن) هذه بعض الأبيات االمنظومة في السجن:  (لئن أسجن فما الأقفاص إلا لليث الغاب أو للعندليب) ثم (ألا يا بلبلاً سجنوك ظلماً  فنحت لفرقة الغصن الرطيب). أمضى الصافي 36 عاماً متنقلاً بين سورية ولبنان كانت المقاهي ضالته  في دمشق كان يرتاد مقاهى (الهافانا) و (الكمال) و (الروضة) لانها كانت ملتقى الشعراء والأدباء والصحفيين. كان (أحمد الصَافي النجفي) قليل الدخل فاتخذ غرفة قديمة في (مدرسة الخياطين) كان من أصدقائه بدمشق (الدكتور عبد السلام العجيلي) و (فخري البارودي) و (بدوي الجبل) و (محمد الحريري) و (أحمد الجندي) و (عمر أبو ريشة) و (سعيد الجزائري). من أصدقائه في لبنان( الشاعر القروي) و (ميخائيل نعيمة) و (مارون عبود) وغيرهم. في إقامته في لبنان كان يرتاد (مقهى الحاج داود) و (مقهى البحرين) و (مقهى فاروق) في الليل كان يأوي إلى غرفة متواضعة قرب مستشفى (أوتيل ديو). كان في جميع هذه المقاهي يدخن النركيلة وهي ممارسة شائعة في العراق ولبنان وسوريا وخاصة في مصر اذ كانت مواضعا للحشاشين.

(أحمد الصَافي النجفي) تمرد منع التصفيق في تقاليد المناسبات في النجف واستنكاره الزعامة الدينية، قيل أنه اتفق مع صديقه (صالح الجعفري كاشف الغطاء) ت 1979، وهو متمرد آخر وفق ما جائت به قصائده، أن يبادر إلى التصفيق بعد قول (الجعفري) شعرا (فحيوا بالسلام مصفقينا)، حدث أن صفق لـ  (أحمد الصَافي النجفي) تبعه الشباب بالتصفيق، فشكاه القوم عند أخيه والقيم على أمره، عدّت تلك من البدع والضلال. مما سبب انحسار النجف عن النشاط الأدبي والفكري والفلسفي، من ضيقه بالتقاليد ووراثة القديم قال: (إن الغري بلدة تليق أن  تقطنها الشيوخ والعجائز) ثم (فصادرات بلدتي مشائخ  وواردات بلـدتي جنائز). الجدير بالذكر أن حوزة النجف الدينية  يمتد تاريخها إلى القرن الخامس الهجري. تخرج سنوياً المئات من فقهاء الدين، فيها أيضاً مقبرة عظيمة، هي مقبرة (السلام) حيث مرقد ضريح (الإمام علي بن أبي طالب) تستقبل الآلاف من الجنائز في الشهر. كانت مهنة ناعشة للمغسلين وحفاري القبور ومقاولي ارسال الجنائز من انحاء العالم الشيعي ووكلاء استلام الجنائز النجفيين. بعض الجنائز كانت تأتي من الهند والباكستان. كان احد زملائي في المدرسة الابتدائية والده الايراني وكيلا لاستلام الجنائز من الهند ثم ارسالها الى النجف. كان قيما على اقامة القرايات في الشارع وتولى قيام السبايات في الشوارع في عاشوراء. كان (أحمد الصَافي النجفي) معروفا بالنقيضين بالظرف وبالجد، هواجس الهيام والاهتمال بالشعراء الأقدمين والمعاصرين، احب واجل (أبو العلاء المعري) فيلسوف المعرة بشكل خاص لتوافقه الروحي اذ كان (أحمد الصَافي النجفي) يحمل تطلعات فلسفية قال في شعره (مقامي بين فلسفة وشـعر فأيهما أتـابع لست أدري) ثم (فلي روح بظرف أبي نواس ولكن فـي وقاري كالمعري). (أحمد الصَافي النجفي) عشق (أبو الطيب المتنبي) ايضا، الواقع من لم يعشق (المتنبي) فهو ليس (عاشق شعر)، (المتنبي) قال (وما الشعر الا من رواة قصائدي اذا قلت شعرا اصبج الدهر منشدا). في اقامة (أحمد الصَافي النجفي) في إيران في العشرينات، درس وهام بشعر وأدب (عمر الخيام) وشعراء إيران الفلاسفة كـ (الفردوسي) حيث انتهل من الشعر الفارسي باللغة الفارسية التي اتقنها. 00

(أحمد الصَافي النجفي) وقف موقفا مغايرا من الشاعر أحمد شوقي ت 1932، اذ لم يكن مرتاحا منه لانه كان يطلق عليه لقب أمير الشعراء. اذ ليس في الشعر امارات او سلاطين. كان الصافي يعطي الإمارة ان كانت هناك امارة ـ (إيليا أبو ماضي) ت 1957 بقوله: (سألتـني الشعراء أيـن أميرهم  فأجبـت إيليـا بقـول مطلق) ثم (قالوا وأنت! فقلت ذاك أميركم  فأنا الأمير لأمة لم تخلق). (أحمد الصَافي النجفي) يخلع الإمارة من (شوقي) لأنه كان في حصر شعره في العزيز (الخديوي توفيق) في عصر الخديويين في مصر. إثر ذلك قال (أحمد الصَافي النجفي) في شعره (وأميـر رام أن أمدحه  قلت احتاج لمن يمدحني) ثم (إن لي فوق معاليك عُلاً    كنت لو تفهما تفهمني). (أحمد الصَافي النجفي) كان منفعلا مما يقولة الشاعر (نزار قباني) الذي  التقي بـ (الصافي) في مقاهي دمشق. نقل (إبراهيم العاتي) عن (الصافي) قوله في (قباني)، أنه لم يقل الحقيقة في بيته التالي (وشعري ما اشتراه الملوك والأمراء)، فقال (الصافي) أليس هو القائل لأحد الرؤساء (ليتني أستطيع أن أصنع من أجفاني حمائلاً لسيفك)؟. اشمأز الصافي من قول نزار مع أنه قال متغزلاً (فصلت من جلد النساء عباءة..وبنيت أهراماً من الحلمات). الحقيقة ان هذا البيت يثير الاشمئزاز والتقزز اذ كيف يبني أهراماً من حلمات النساء هل يذبح مليون امرأة . (أحمد الصَافي النجفي) أحب معروف (الرصافي) و (بدوي الجبل) و (العقاد) وغيرهم من معاصريه، واحب زواره في مقاهي دمشق وبيروت. عاش الصافي النجفي حياة الفقر اذ لم يمدح امير الكويت ولا ملك السعودية للحصول على الدولارات المنفوطة كانت ايامه  بائسة بين غرفة بائسة بسوق الحميدية بدمشق مساءً وبالمقاهي نهاراً. في الغرفة كان يتدفأ برؤية المصباح، في المقهى يلتحف بالجرائد حول صدره إن مسه البرد، وهي قراطيسه أيضاً، كان يدون قصائده على ورقها، كان يحرر ما كتبه على حواشي الجريدة أو أغلفة عُلب السكائر، ثم يحررها بعد عودته إلى غرفته في دفاتر أشعاره. كان حضوره أو تردده على المقهى يأتي بالرزق على صاحب المقهى. نقل (العاتي) عن ما كتبه (فؤاد الشايب) عام 1943: أن صاحب مقهى انقطع عنه الصافي إلى مقهى آخر، فأتاه باكياً متوسلاً: (قل ماذا تريد... مر بما تشاء وعد إلى المقهى، الله يستر عرضك، أنا وأولادي تحت أمرك، وإذا أردت أن لا يتناول أحد مجالسيك مشروباً فاغمزني عليه). اذ كان حضور (أحمد الصَافي النجفي) في المقهى ينتج عنه حضور الشعراء والأدباء الذين يجالسوه لوقت أطول، على هذا يحسب صاحب المقهى رزقه. ممن زاروه فيها (بدر شاكر السياب)، الذي كتب عنه مقالاً بعد عودته إلى العراق في مجلة (أهل النفط) البغدادية.  من أعجب العجب إنه لم يقم (أحمد الصَافي النجفي) اي مهرجان تكريمي في حياته، رغم كثرة المعجبين وعظم مراتبهم، بل ولا أمسية تكريمية في حياته، تحايل عليه الكثيرون، لكن بلا طائل، لأنه لم يألف المجاملة. همس بأذنه أحد المعجبين، من الذين لا يعرفهم، قائلاً (أنت الطائر المحكي والآخر الصدى) فاعتبر هذا مهرجانه، لخلوه من المجاملة والمحاباة وما إليهما، وعندها قال: (جاء مَنْ لم أعرفه، قال سـلام قلت مََنْ؟ قال (مَنْ بشعرك هاموا) ثم (كان ذاك السلام لـي مهرجاناً مهرجاني على الرصيف يُقـام) هام (أحمد الصَافي النجفي) حباً كبيراً بدمشق ونظم فيها القصيدة التالية: (أتيت جلق مجتازاً على عجل فأعجبتني حتى اخترتها وطنا) ثم (يكاد ينسى غريب الدار موطنه  في ربعها، ويعاف الأهل والسكنا).

كشف مؤلف كتاب حياة الشاعر (أحمد الصَافي النجفي) وأسلوب عيشه وأخلاقه وشجونه، من شعره، يرى فيه شاعراً صادقاً، لا علاقة له، كما يبدو، بما شاع حول العديد من كبار الشعراء بأن شعرهم غيّر حياتهم، لم يمارس العشق ويظهر في شعره عاشقاً، وصف (أحمد الصَافي النجفي) عوزه وغربته وغرفته، وعلى حد قول مؤلف الكتاب (داخله مفقود والخارج منه مولود). لذا عُرف(أحمد الصَافي النجفي) بشاعر المعاني. (إن أول تلك المميزات وأهمها هي البساطة في طرح الأفكار، وتناول الأشياء، والمعالجة الفنية للموضوعات، وهو يعبر عن ذلك أصدق تعبير). اختار العروبة واظهر اعتداده بها، ليس عقيدة او حزبية، (أحمد الصَافي النجفي) بقي يعنمر الكوفية والعقال والدشداشة لباسا عربيا من الصنف البسيط. ليست ككوفيات وعقل السعوديين ودشاديشهم المستوردة من هونك كونك، عزف المؤلف عن وصف ملابس الصافي بالرثة تجنبا لاي مس بالمشاعر. مات (أحمد الصَافي النجفي) كما مات (الجاحظ) و (أبو العلاء المعري) أعزبَا ربما لم يمس امرأة. لم يرث أحداً ولم يرثه أحد، أحب فتاة نجفية لم يقترنها، عاش ومات مستأنساً بالخيال. في لبنان شهد (أحمد الصَافي النجفي) الأحداث الدامية فكان يسير في جوار الحيطان والمباني المتهدمة خوفاً من الرصاص. اشتد إطلاق الرصاص عشوائياً في منتصف كانون الثاني 1976 فآوى إلى غرفته القريبة من مستشفى (أوتيل ديو) مكث خمسة أيام دون طعام وأصيب جدار غرفته بخمس رصاصات. عند توقف إطلاق الرصاص خرج ليفتش عن رغيف خبز يسد به جوعه، سار قليلاً عن منزله فأحس بحرارة تسري في جسمه ظنّ في بادئ أن حمّى شديدة قد انتابته إلا أنه لم يتمالك نفسه فسقط أرضاً عند باب جاره وإذا به مصاب بعدة رصاصات. اتصل جاره بالسفارة العراقية وأعلمها بما جرى فأرسلت له سيارة إسعاف ونقلته إلى مستشفى المقاصد لإسعافه وبعدها نقل الصافي إلى بغداد في 1976 وأدخل مدينة الطب للمعالجة وقال في هذا الحادث هذين البيتين: (بين الرصاص نفدت ضمن معارك فبرغم أنف الموت ها أنا سالم) بقي (أحمد الصَافي النجفي) عليلا تحت المعالجة إلى أن وافته المنية يوم 27 - 7 - 1977 بعد وفاته أقامت له وزارة الإعلام ووزارة الثقافة والفنون مهرجاناً تأبينياً شارك فيه كبار الشخصيات الأدبية والشعرية في العراق والوطن العربي ومما جاء في كلمة سعيد فرحا (ومهما تكن آراء النقاد في شعر أحمد الصافي النجفي، فهو بحق ظاهرة قوية منفردة في شعرنا العربي، له شخصيته التي لم تتأثر بأحد، وله قوته اللغوية والشعرية الخاصة وملأ مكانه بجدارة في أدبنا العربي الحديث. عاش فارساً رحالة ومات شهيد أحداث أمته التي أحب صحاريها وجبالها الخضراء الشامخة). دواوينه الشعرية هي (الأمواج) 1932 ـ (أشعة ملعونة) 1938 ـ  (الأغوار) 1944 ـ (إيثار) 1946 ـ (ألحان اللهيب) 1948 ـ (الهواجس) 1949 ـ (شرر) 1952 ـ (الشلال) ـ  (حصاد السجن) ـ (اللفحات) (هزل وجد) ـ (شباب السبعين نثرا).

النجف في تاريخها المتقارب اولدت شاعران لامعان، الشاعر (محمد سعيد الحبوبي النجفي) شاعر الحب والهيام وبنت الدنان حيث قال (اسقني كأسا وخذ كأسا اليك فلذيذ العيش ان نشتركا) كانه اعاد عصر الشاعر ابو نؤاس الذي قال (اترك الربع وسلمى جانبا واحتسي كرخية مثل القبس) و (قصتي اعظم قصة صارت الظبية لصة خبأته في مكان للخليفة فيه حصة) الفارق بين الشاعر (ابو نؤاس) والشاعر (محمد سعيد الحبوبي) كان الشاعر (ابو نؤاس) يعيش حياة المجون في عصر عباسي منطلق اما الشاعرمحمد سعيد الحبوبي) فقد كان معمما سليل ائمة لكنه انطلق خارج التقليد فاحسن التشبيب بالملاح من النساء وكؤوس الراح في الليالي حتى الصباح في سراديب النجف. رغم انه عاش عصر العراق المعثمن ثم الملكية. الشاعر اللامع الثاني الذي اولدنه النجف (أحمد الصَافي النجفي) عام 1897 عاش وعاصر العديد من الاحداث بعضها حسن واغلبها سيئ التي مر بها العراق حيث رحل عام  1977 الذي قال (إن الغري بلدة تليق أن  تقطنها الشيوخ والعجائز) ثم (فصادرات بلدتي مشائخ  وواردات بلـدتي جنائز). مات (أحمد الصَافي النجفي) مخلدا كاقرانه (معروف الرصافي) و (بدوي الجبل) و (جبران خليل جبران) و (ميخائيل نعيمة) و (ايليا ابو ماضي) مخلدون في تاريخ الشعر العربي الحديث. تحية لـ (نزار قباني) الذي قال (انكحوا جواريكم كما تشاؤون) فهي انزلاقة بعضها سيئ اكثرها حسن.

توما شماني

عضو اتحاد المؤرخين العرب

 

 

******************************************