Home      الرئيسية   

 Articles   مقالات

Historic Documents وثائق

  Donation for kaldu.TV  تبرعات للقناة الكلدانية

من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

Interviews   مقابلات

kaldu.org  كلدو

  Contact Us اتصلوا بنا

  Links  دليل

           August 09, 2011

 

 

التفسير المسيحي للكتاب المقدس في ضوء تعليم الكنيسة

 

أ‌. د. لويس حزبون
استاذ الكتاب المقدس وتاريخ الخلاص في المعهد الاكليريكي

مقدمة :

الكتاب المقدس هو كلمة الله وكتابه لشعبه. "تكلم الله فيه على لسان البشر، وعلى طريقة البشر، ولأجل البشر" لكل الازمنة المتعاقبة ليعلن لهم عن نفسه ويكشف لهم معنى حياتهم. وكتب العلامة توما الأكويني ما لاحظه فقال:" في الكتاب المقدس، تُنقل الينا الأمور الإلهية بحسب الطريقة التي اعتاد الناس ان يفهموها". ” ولمّا كان الله يتكلم في الكتاب المقدس بواسطة البشر وعلى طريقتهم وجب على شارح هذا الكتاب، أن ينتبه إلى ما كان في نيّة الكتّاب الملهمين والى ما اراد الله أن يظهره بكلامهم. فلا نستطيع بالتالي الاستغناء عن المفسرين كي نستخلص نية الكتاب الالهيين. نحن بحاجة الى النظر الى احوال عصرهم والى ثقافتهم، والى "الاساليب الادبية" المتبعة اذ ذاك، والى طرائق التفكير والكلام ورواية الاخبار الشائعة لذلك الزمن. "قيمة الكتاب المقدس لا تستمد من قراءته، بل من فهمه". ويعلن المجمع الفاتيكاني أن هناك نظامين للتفسير: نظام الإيمان ونظام العقل. ومن هنا نطرح الاسئلة التالية:

السؤال الاول : ما هو دور العقل في تفسير الكتاب المقدس ؟

بما ان الكتاب المقدس يُعبر عن الحقيقة في نصوص متفاوتة تاريخيا فدور العقل يقوم بالتمييز بين الفنون الكتابية المختلفة، والمعاني المختلفة وبين العلم والحقيقة الدينية وبين التاريخ والحقيقة الدينية:

1. التمييز بين الفنون الادبية:
الفن الأدبي : هو طريقة في التعبير. وتختلف الفنون الأدبية باختلاف الأزمنة والأمكنة. كل امة لها تاريخها وقوانينها واحتفالاتها ورواياتها وملامحها وقصائدها وأغانيها. فلا بد لنا أن نتساءل إلى أي أسلوب أدبي ينتمي النص الكتابي الذي نقرؤه، وبالتالي ما الحقيقة التي يريد أن ينقلها للقرّاء. لذا يوصي المجمع: "بالتعرف على أنواع الأساليب الأدبية، لاستنباط نيّة كاتبي الأسفار المقدسة". فالشعب الإسرائيلي انشأ أدباً كاملاً بمختلف فنونه كي يثبت وجوده. واهم الأساليب الكتابية التي استخدمها هي:

• الاسلوب التاريخي: وهو يشمل الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، ويشوع، والقضاة، سفر الملوك والاخبار وعزرا ونحميا، ومن العهد الجديد أعمال الرسل.
• الاسلوب النبوي: ويشمل إسفار أشعيا، أرميا، وسائر الأنبياء .
• الاسلوب الشعري والمزامير: عبارة عن أناشيد وصلوات وضعت في أزمنة مختلفة تُعبّر عن مشاعر الشعب وإيمانه. وضعت على أسلوب الترادف أي كثيراً ما يتناول شطر البيت الثاني الفكرة نفسها التي عبّر عنها في الشطر الأول، ولكن بعبارات تتكامل أو تتناقض. مثلا المزمور الأول: "طوبى لِمَن لم يَسلُكْ وَفْقَ مَشورةِ الآثمين * ولم يتَوقَّفْ في سُبُل الخاطئين (مزمور 1: 1).
• الاسلوب الروائي: يذكّر بالماضي ويصوّر عقلية مشتركة بين الجميع لتوعية الفرد انه ينتمي إلى الجماعة نفسها. فمثلا رواية عبور البحر الاحمر (خروج 13/17- 14/31)
• الملحمة: تروي الماضي لإثارة الحمية والإشادة بالأبطال باستخدام زخرفة التفاصيل كما نشاهدها في ملحمة المكابيّين.
• الاسلوب الليتورجي والاحتفالات والرتب: يعبر عن الافعال الدينية للجماعة، ويزيد من تماسكها ، كما يظهر صله الإنسان بالله. فعلى سبيل المثال الاحتفال بعيد الفصح وعيد الفطير (الخروج 12/1- 13/16).
• الاسلوب الرؤوى: يدعو الى الايمان بالله ويسند رجاء الشعب في ساعة المآسي باستعمال لغة وصور لها معاني رمزية. مثال على ذلك رؤيا دانيال في العهد القديم ورؤيا القديس يوحنا في العهد الجديد.

2. التمييز بين المعاني المختلفة:
استناداً على أنواع الأساليب الأدبية المستعملة في ذلك الحين، ينبغي للمفسّر أن يبحث عن المعنى الذي كان الكاتب الملهم يريد أن يعبر عنه، والذي عبّر عنه فعلاً في ظروف محدّدة حسب أوضاع عصره ومستوى ثقافته. ومن هنا " يمكن تمييز ثلاثة معان للكتاب المقدس: المعنى الحرفي، والمعنى الروحي والمعنى الالهي .

(ا) المعنى الحرفي: المعنى الحرفي لا يعني "حرفية النص" بل المعنى الاول الذي الذي تدلّ عليه نص الكتاب عند تحريره، وفحواه بيان معاني الكلمات بمبناها ومعناها. وبعبارة اخرى هو تحديد المعنى الدقيق للنصوص، كما وضعها مؤلفوها في الاصل. وهذا يتطلب تحديد النوع الادبي للنصوص. ولذا يطلق عليه احيانا المعنى اللفظي او الاول أوالتاريخي، لأنّه "يعلم ما يحدث وما حدث". مثلاً: "مِن مِصرَ دَعَوتُ آبْني" (هوشع 11/1) اي خروج العبرانيين من مصر. هذا هو المعنى الواقعي التاريخي. ان البحت عن المعنى الحرفي للكتاب المقدس اساس للتفسير الروحي. كما يقول القديس توما الاكويني:" وجميع معاني الكتاب المقدس تجد تأييدها في المعنى الحرفي".

(ب) المعنى الروحي: ليس للكتاب المقدس معنى حرفي فحسب، انما ايضا معنى روحي. هي الدلالات التي اكتشفها شعب الله حين جدّد قراءته والتي نكتشفها نحن أيضاً بفضل قراءتنا الشخصية. والمعنى الروحي يميّز ثلاثة معاني على التوالي : المعنى المجازي، والمعنى الادبي، والمعنى التفسيري.

1) المعنى المجازي: وراء المعنى الحرفي هنالك الحقيقة العميقة الموحى بها اي السيد المسيح. وبعبارة أخرى نستطيع الحصول على معنى اعمق للأحداث اذا وجدنا مدلولها في المسيح. لذا يمكن ان نسمّيه المعنى الرمزي لأنه يشيرالى ما يجب إن نؤمن به ، وايضا المعنى الظلي على حد تعبير بولس الرسول لأنه ظل الحقيقة الكاملة التي ستأتي في المستقبل، وهي مرسومة ألآن كظل. والمثل الكلاسيكي لهذا المعنى هو ما جاء في رسالة قورنتس:" فلا أُريدُ أَن تَجهَلوا، أَيُّها الإِخوَة، أَنَّ آباءَنا كانوا كُلُّهُم تَحتَ الغَمام، وكُلُّهُم جازوا في البَحْر، وكُلُّهمُ اعتَمَدوا في موسى في الغَمامِ وفي البَحْر، كُلُّهُم أَكَلوا طَعامًا رُوحِيًّا واحِدًا، كُلُّهُم شَرِبوا شَرابًا رُوحِيًّا واحِدًا، فقَد كانوا يَشرَبونَ مِن صَخرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَتبَعُهم، وهذه الصَّخرَةُ هي المسيح"(1 قورنتس 10/1-4). وهكذا فاجتياز البحر الاحمر اشارة الى انتصار المسيح، ومن ثم الى المعمودية . فالرمز في العهد القديم ليس سوى "ظل" او "صورة" . أما في العهد الجديد فاننا نجد الحقيقة نفسها، لأنه مكان الانجازات الالهية. في العهد الجديد ما عدنا في عالم الرموز، بل في عالم الحقيقة، ولكن تحت علامة الصليب. في العهد الجديد دُشّن الملكوت، لكنه لم يتحقق كلياً.

2) المعنى الاخلاقي: يعني ان الاحداث الواردة في الكتاب المقدس كتبت "لموعظتنا" أي للدلالة على السلوك الواجب القيام به وبالتالي الى الاستقامة في العمل. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول عن الكتاب المقدس:" وكُتِبَ تَنبيهًا لَنا نَحنُ الَّذينَ بَلَغوا مُنتَهى الأَزمِنَة". (1قورنتس 10/11 ). ويطلق البعض الآخر عليه المعنى التطبيقي لأنه "يشير الى إلى ما يجب عمله." ، ويعني أن نأخذ المعنى الاول ونطبّقه على حالة من أحوال الحياة الاجتماعية أو الروحية لم تكن مقصودة من طرف الكاتب الاصلي. وبعبارة اخرى هو المعنى كما يريده الله اليوم للجماعة المسيحية الملتئمة في مكان وزمان محددين. وهذا التطبيق على اوضاع المؤمنين يتطلب من الكاهن اطلاعا على أحوال شعبه وأن يتأمل في الكلمة ليفهم معناها الراهن. في قصة لوط وسدوم وجبل صوعر قصد وتصميم الهي (تكوين 19). فلوط يحمل معنى أعلى منه وقد يكون غير واع له. فقول القديس اندراوس الكريتي:"تأملي يا نفس ، مثل لوط، واتركي سدوم ، العالم غير الطاهر ، واهربي إلى جبل النقاوة" . ان هذا المعنى الروحي ينطبق على عمل الروح القدس فينا. وهناك مثال آخر:" مِن مِصرَ دَعَوتُ آبْني" (هوشع 11/1) عبارة عناها النبي هوشع في المعنى الحرفي وفسرها انجيل متى (2/51) في المعنى الظلي. ويمكن أن تطبق بالمعنى الاخلاقي وهو أن الله يدعو الناس الى العبورمن عبودية الخطيئة إلى حرية الروح والحق . أنا ابن الله مخلوق على صورته ومثاله، قد دعاني الله من مصر (عبودية الخطيئة) إلى ارض الميعاد(الحرية).

3) المعنى التفسيري: انطلاقاً من المعنى الحرفي والمجازي والاخلاقي تقودنا الامور والاحداث في الكتاب المقدس الى وطننا السماوي . يشير المعنى التفسيري إلى اكتمال النص النهائي اعني الى ما يجب أن نصبو ونتوق اليه . ولذا يطلق عليه البعض المعنى الأخروي، لأنه "يعلم الاتّجاه الاخير للحياة". صحيح ان الحدث الالهي حصل في الماضي ودخل التاريخ ، لكن المرحلة الاخيرة لم تتم بعد. والتاريخ المقدس لم ينته الى الآن. وعلى سبيل المثال أن الكنيسة هي علامة لأورشليم السماوية (رؤية 21/1-22: 5 ).

(ج) المعنى الالهي الكامل: هو معنى اعمق من الذي اراده الكاتب البشري. وهنالك مثالان على ذلك: الاول من انجيل متى1: 23. يعطي متى معنى الهيا كاملا لنبؤة اشعيا 7: 14 عن الصبية (العلمة) التي ستحبل مستندا الى الترجمة السبعينية: العذراء تحبل". والمثل الثاني هو المعنى الذي يعطيه احد المجامع المسكونية لنص كتابي. مثال على ذلك تحديد المجمع التريدنتيني – ترنت(1542-1563) للخطيئة الاصلية. يؤكد المجمع معنى الهيا لتعليم بولس في رسالة رومة 5: 12- 21 ، حول نتائج خطيئة آدم على البشرية .

3. التمييز بين التاريخ والحقيقة:
 

ليس الكتاب المقدس كتاب تاريخ، انما الحوادث التاريخية هي إطار للحقيقة الدينية. يسرد الكتاب المقدس التاريخ في ضوء تاريخ الخلاص، تاريخ أعمال الله وعظائمه. ولمّا كان الكتاب الملهمون ساميين فانهم يسردون التاريخ لا بموجب قواعدنا العصرية، بل وفق الطرق السامية الشرقية القديمة القائمة على جمع الذكريات. فلا عجب أن نجد أموراً لا تتوخّى الواقع التاريخي كأرقام غريبة، وروايات مزدوجة، ووصف خروج الشعب من مصر باسلوب ملحمي.
ومن هنا مبدأ: آمنْ لتفهم وافهمْ لتؤمن، كما ورد على لسان القديس ثيوفيلوس الانطاكي :"ليمتلئ قلبك بالإيمان ومخافة الله، وحينئذٍ تفهم". هذا شأن الكتاب المقدس. فلأن مؤلفه بشري يمكنني أن ابحث فيه، سواء أكنت مؤمنا أم لا. لكن لا استطيع أن أدرك المعنى الحقيقي الذي قصده الكاتب المقدس بالهام الروح القدس الا اذا كنت مؤمنا. وبعبارة اخرى لن افهمه حق الفهم ما لم أشاركه في البحث، وما لم اسر معه في الإيمان الواحد والمحبة. قال احد الأدباء: “كيف أفهم ما لا أحب".

4. التمييز بين العلم والحقيقة:
ليس الكتاب المقدس كتاباً علمياً ولا يستخدم الكتّاب الملهمون العلم إلا كإطار للحقيقة الدينية. ولما كان الكتّاب الملهمين بأجمعهم ساميين اي شرقيين ، ما عدا لوقا ، فأنهم يذكرون الأشياء بحسب مظهرها في عقلية زمانهم. فهم يرون الله في كل شيء وينسبون اليه كل شيء. لذا يروون أمورا لا توافق مفهومنا العلمي الحالي. ولعلّ ما يلفت النظر إلى ذلك رواية الخلق. أنها رواية صحيحة ولكن يجب أن لا تفهم فهماً مادياً وحرفياً. أي علينا تفسيرها بالمعنى الرمزي.
أن العلم لا يستطيع مناقضة الكتاب المقدس ،لانّ الخالق هو مصدر العلم والوحي. ومن ناحية أخرى ان حقيقة الوحي تبحث في اللامنظور، في حين أن الحقيقة العلمية تبحث في الكون المنظور. ومهمة العلم هو عرض كيف ومتى؟ ولا يجيب على اسئلة: من أين ولماذا؟. فعلى سبيل المثال الكتاب المقدس وحده يستطيع أن يجيب على الاسئلة التالية: من خلق العالم ؟ ومن أين اتى الانسان وما هو مصيره؟ من اين يأتي الشر؟ والالم؟ والخطيئة ؟ والموت ؟
فلا يحق للمؤمن أن ينكر ما توصل إليه العلماء استناداً إلى الدين، ولا يحق للعلماء إنكار معطيات الدين استناداً إلى العلم. فعلى سبيل المثال يعلم الكتاب المقدس ان الله هو الذي خلق الكون وجميع الكائنات وما يرى وما لا يرى. وأما العلم فيقول أن الكون بدأ بانفجار عظيم قبل 51 مليار سنة. لا تناقض بين التاكيدين لان المهم ان الكون هو نتيجة قرار الخالق بغض النظر ان كان الخلق مباشرا او غير مباشر. وتثير اكتشافات العلوم والأبحاث الأخيرة بما فيها التاريخية والفلسفية مشاكل جديدة تتطلب من اللاهوتيين أنفسهم أبحاثا جديدة. وعليه فان اللاهوتيين مدعوون للبحث دون توقف لإيصال وديعة الإيمان بطريقة أفضل. فحقائق الإيمان شيء والتعبير عنها شيء آخر.

السؤال الثاني: ما هو دور الروح القدس في تفسير الكتاب المقدس؟

"ان صاحب الكتاب هو الروح القدس. فهو الذي كتبه، وهو الذي أملاه، وهو الذي ألهَمَ العمل" ، لذا لفهم الكتاب المقدس الذي يحتوي على حقائق تفوق إدراك العقل البشري يحتاج الانسان إلى معونة الروح القدس الذي يحرك القلب ويفتح بصائر العقل . بالإيمان يفوّض الإنسان أمره إلى تدبير الله بكامل حريته، فيخضع له تماماً عقله وإرادته، ويقبل عن رضى الحقائق التي يكشفها له. "إن الله، منبع الوحي، الجدير بالطاعة والإيمان" (رومة 16/26). ومن هنا ننطلق الى المبدأ الثاني ان الروح القدس هو مفسّر الكتاب المقدس.

إن المؤمن الذي يعترف بان الكتاب المقدس هو كلمة الله، يعترف بأنه ملهم ويرى فيه عمل الروح القدس. " فكل ما كُتب فيه هو من وحي الله" ( 2 طيموتاوس 3/16). فالوحي عبارة عن كشف الله عن ذاته أو عن مشيئته أو عن حقيقة دينية، وليس بوسع الإنسان أن يصل إلى هذه الحقائق من ذاته. " فأطلعنا على سر مشيئته" (أفسس 1/9) الذي به يتعرف البشر على الآب في الروح القدس، بالمسيح الكلمة ويصيرون شركاء في الطبيعة الإلهية (أفسس 2/18). واذ كان الكتاب المقدس كتاب وحي كان هنالك مبدأ اخر للتفسير الصحيح، وقد يبقى بدونه الكتاب حرفا ميتا: "يجب ان يقرأ الكتاب المقدس ويفسر في نور الروح نفسه الذي جعله يُدوّن". قال يسوع لتلاميذه: "متى جاء هو، اي روح الحق أرشدكم الى الحق كله" (يوحنا 16/13). "ما يأتي من الروح لا يفهم فهما كاملا الا بفعل الروح". ويُفسر الكتاب المقدس في نور الروح القدس من خلال وحدة مضمونه ووايمان الكنيسة وتقليدها الحي:

1) وحدة المضمون: مهما اختلفت الاسفار التي يتألف منها الكتاب المقدس فهو واحد في مضمونه بسبب وحدة قصد الله الذي مركزه المسيح يسوع . فكل التوراة صورة وظل لما سيأتي. فعلى سبيل المثال يقول هوشع النبي "مِن مِصرَ دَعَوتُ آبْني" (11/1). فمعنى هذه الجملة حرفياً أو تاريخياً هو دعوت العبرانيين من مصر . لم يكن هوشع يعرف ما هي هذه النبوءة وكيف تتحقق، لكن متى الإنجيلي رأى بعون الروح القدس تحقيق هذه الآية نفسها في المسيح، الابن الحقيقي. فالشعب المختار هو رسم وظل للمسيح. ومن هنا تأتي أهمية تفسير الكتاب بالكتاب، فكل ما جرى في العهد القديم هو حقيقي لكنه ظل المسيح. وهذا ما أكده يسوع عندما قال لمعاصريه "تتصفحون الكتب تحسبون أن لكم فيها الحياة الأبدية. فهي التي تشهد لي.(يوحنا 28/9). الأسفار المقدسة كلها تشهد ليسوع وتتم فيه.

2) وفقا لإيمان الكنيسة (رومة 12: 6): أي أن حقائق الايمان مترابطة فيما بينها ولا بد لها ان تتوافق مع ايمان الكنيسة. والصفة الاساسية للكتاب هي الايمان. "كُتبت هذه الآيات لتؤمنوا بأن يسوع المسيح ابن الله" (يوحنا 20/ 31). وهذه هي النواة المركزية في التبشير الرسولي (1 قور 15 : 11).

3) تقليد الكنيسة : الكنيسة تنقل كلمة الله الحية وتفسيرالكتاب المقدس الذي هو ثمرة عمل الروح القدس.

السؤال الثالث: ما هو دور الكنسية في تفسير الكتاب المقدس؟

بما انه يجب قراءة الكتاب المقدس وتفسيره بالروح القدس، لا بد من مراعاة التقليد الحي للكنيسة جمعاء، لأنها المستودع الحقيقي الاوحد للتعليم الرسولي (kerygma). فهذا التعليم حُفظ بطريقة حية في الكنيسة، لان الروح القدس أعطي لها ويوجّهها ويرشدها. انها "عمود الحق وركنه" (ا طيموتاوس 3/ 15)، ولقد انارها روح الحق لتحفظ كلمة الله والتقليد المقدس بأمانة وتعرضها وتنشرها. فتقليد الايمان الرسولي في الكنيسة هو دليل ضروري لفهم الكتاب والضمانة الاساسية للتفسير الصحيح.

بهذا المعنى يجب ان نفسّر قول اوغسطينس :" لو لم يحرّكني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل" .

وكل تفسير للكتاب المقدس "يخضع أخيراً لحكم الكنيسة، التي كلفّت بمهمة حفظ كلمه الله وشرحها بانتداب من الله" . وبعبارة اخرى الكنيسة ليست سلطة خارجية مهمتها الحكم على الكتاب المقدس، بل ان تحفظ الحقيقة الالهية المودعة فيه". فكل ما يتعلق بطريقة تفسير الكتاب هو في النهاية خاضع لحكم الكنيسة التي تقوم بالمهمة والرسالة الالهية. الكتاب المقدس الّف ضمن الجماعة بهدف بنيانها، فلا نقدر ان نفصل الكنيسة عن الكتاب المقدس. الكتاب المقدس كنز مشترك لجماعة المؤمنين كلهم.

السؤال الرابع : ما هي الطريقة النموذجية لتفسير الكتاب المقدس تفسيرا مسيحياً؟

على خطى المسيح اوضحت الكنيسة، في العهد الرسولي اولا (1 كو 6:10)، ثم في تقليدها بطريقة مستمرة، وحدة التصميم الالهي في العهدين على الطريقة التس تسمى بالنموذجية. لتفسير الوقائع تفسيراً مسيحياً، ينبغي أن يُؤخذ الكتاب المقدس ككل في مضمونه ووحدته على ضوء السيد المسيح. هناك قصة كاملة تبتدئ من سفر التكوين "في البدء خلق الله السماوات والارض" (تكوين 1/1) وتنتهي بسفر الرؤيا : "تعال أيها الرب يسوع" (رؤيا 22/20). فالمسيح هو مركز الكتاب، لأنه هو البدء والنهاية وهو الذي يجعل كل شيء جديدا( رؤيا 21/5).

هذه القراءة على الطريقة النموذجية تتطلب من ناحية قراءة العهد القديم على ضوء المسيح الذي مات وقام، لان اعمال الله ابّان العهد القديم هي صور مسبقة لما حققه الله، في شخص ابنه المتجسد . " إن سر الانسان لا يفسره تفسيراً حقيقياً إلا سر الكلمة المتجسد " . ومن هنا جاء المبدأ القائل "ان العهد القديم يمتد الى العهد الجديد. ومن ناحية اخرى يتطلب العهد الجديد ان يقرأ على ضوء القديم ايضا . وكانت الكرازة المسيحية الاولى دائمة اللجوء اليه (ا كو 5/ 6-8، 10/1- 11). وفي هذا المعنى جاء قول القديس أوغسطينوس المأثور: "الجديد مختبئ في القديم، وفي الجديد يتكشف القديم" واستعمال الليتورجيا، القاعدة الاولى لتقليد الكنيسة، يؤكد هذه الطريقة النموذجية . فالكنيسة تستعمل هذه الطريقة فتقدّم ثلاث قراءات كل احد على مدار ثلاث سنوات: القراءة الاولى تتناسب دائما والقراءة الانجيلية . ومغزى ذلك ان الله هو كاتب العهدين بحيث يتحقق العهد القديم في المسيح. وما حدث في العهد القديم يتحقق في حياة المؤمنين اليوم، لان تاريخ الخلاص يستمر في الجماعة المؤمنة.

ولعل قراءة الكتاب المقدس دعوة الى تكرار ما أكتشفه اجدادنا في الايمان، اي الى قراءة كلمة الله في حياتنا وحياة العالم فنكتشف ان الله هو سيد التاريخ وخالق العالم ولكنه في الوقت نفسه الإله القريب الذي يسير خطوة خطوة مع شعبه. انه الإله الذي يريد ان يحرر الانسان ويخلصه ويعطيه العالم ليبنيه والتاريخ ليصنعه.

خلاصة:

خلاصة القول ان الكتاب المقدس هو كتاب الله لشعبه ومصدر ايمانه. إن تفسيره تفسيرا صحيحا يساعد الكهنة على الوعظ والليتورجيا والقراءة الربانية والعمل الرعوي فيطبقون الحقيقة الانجيلية على الظروف الحياتية الواقعية. هذا التفسير الصحيح يسهم في العمل المسكوني وحل كثير من الاعتراضات على صدق الاسفار المقدسة وقيمتها التاريخية. وانه يفيد أخيرا المؤمنين ليحيوا حياة تليق بالمسيحي. فالكتاب المقدس كالمرآة التي تشاهد فيها الكنيسة الله في سيرها على الارض، ومنه تنال كل شيء، الى ان تصل الى رؤيته وجها لوجه كما هو (1 يوحنا 3/2).

الكتاب المقدس هو كتاب الله اذ ليس مجرد كتاب فيه كلام عن الله، بل كتاب يتكلم فيه الله إلى الإنسان، وتتداخل فيه الكلمة البشرية والكملة الالهية . وهذا ما يثبته مؤلفوه: " ليس كلاماً فارغاً لكم، بل هو حياة لكم" (تثنية الإشتراع 32/47). ومؤلفو الكتاب المقدس هم لسان حال كلمة الله الموجهة إلى كل إنسان في كل زمان وفي كل مكان. ترشدنا هذه الكلمة الى ازلية الله، عبر الزمن ، بماضيه وحاضره ومستقبله. وعليه فالكتاب المقدس بحاجة الى الروح القدس لفهمه وتفسيره.

الكتاب المقدس هو ليس كتاب الله فقط بل كتاب شعب الله أيضاً. لأننا نسمع في الكتاب المقدس ليس فقط صدى كلمة الله إلى المؤمنين فقط بل كلامهم إلى الله أيضا. فهم يبحثون عن حياتهم ويكتشفون الطرق المؤدية إلى الله. ومن ناحية أخرى فالكتاب يدعو الناس في كل مكان وكل زمان إلى الالتحاق بشعب الله، في خطوات الآباء والأنبياء ويسوع وتلاميذه. هو كتاب شعب الله لكنه كتاب شعب لم يكتمل بعد. وعليه ، فان الكتاب المقدس بحاجة الى الكنيسة لتفسيره ولدعم الايمان وتوجيه الحياة المسيحية .

الكتاب المقدس كتاب الإيمان المسيحي ومصدره اذ فيه كل ما يختص بالإيمان والحياة الروحية. وفي هذا الصدد تقول القديسة تريزا الطفل يسوع : " الكتاب المقدس يحدثني فوق كل شيء في تأملاتي؛ فيه اجد كل ما تحتاج اليه نفسي البائسة. اني اكتشف فيه دائما اضواء جديدة، معاني خفية وعجيبة" .

واخيرا الكتاب المقدس هو كتاب بلادنا: إن معظم الكتاب المقدس كُتب بحسب عقلية بلادنا المقدسة وبيئتها. إنه يعود بنا في معظم صفحاته إلى فلسطين جغرافياً وتاريخياً. فمن أراد أن يفهم الكتاب المقدس عليه أن يقرأه في ضوء بلادنا وجغرافيتها وبيئتها. فمسؤوليتنا هي أن نكون في طليعة من يتعلم الكتب المقدسة، فهي قادرة أن تجعلنا حكماء ومركزأ هاما للحوار والتبشير بالإنجيل "فنبلغ الخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع" (2طيموتاوس 3/16).

 

 

 

 

 

 

 

 
 

******************************************