Home      الرئيسية   

 Articles   مقالات

Historic Documents وثائق

  Donation for kaldu.TV  تبرعات للقناة الكلدانية

من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

Interviews   مقابلات

kaldu.org  كلدو

  Contact Us اتصلوا بنا

  Links  دليل

           August 30, 2011

 

 

صانع العجائب .. الملك الشمس نبوخذنصر الثاني (نبو كودوري أوصر)

 

ما من ملك في التاريخ القديم أكتسب شهرة نبوخذنصر الثاني فهو صاحب واحدة من عجائب الدنيا السبعة القديمة (برج بابل وأسوارها) والملك الذي حيكت عنه إسطورة الملك العائد إلى ألله في سفر دانيال بعد معاناة سبع سنين تحولت بالتوبة والصلوات إلى سبعة أشهر ، ناهيكم عن كونه ملك السبي اليهودي الذي أعاد اليهود إلى مسقط رأسهم في أرض بابل التي أنطلقت منها رسالة التوحيد في عهد أبينا إبراهيم الكلداني أبي الأنبياء / بابن أوراهم .

أما على الصعيد المادي للتاريخ فإنه الإمبراطور الذي وحد الشرق القديم ووصلت جيوشه شرقاً حتى مدن ميلاخا في الملابار وغرباً حتى مصر السفلى والساحل الليبي ، أما شمالاً فقد ضم إليه كل الشمال الرافدي العتيق بينما وصلت قواته جنوباً حتى (مكان) على ساحل البحر
الواسع / البحر العربي ، وهو صاحب آخر التشريعات القانونية الرافدية القديمة (الشريعة الكلدانية) وباني بابل العظيمة في عصرها الذهبي .

إن المعنى الدقيق لأسم نبوخذنصر الثاني الحقيقي وهو نبو كودوري أوصر - Na bi um ku dur ri u su ur - أو بحسب الإيدوكرام السومري - Ag nig du u sur - هو الإله نابو يحمي الوريث أي الأبن البكر ، ولكن كودوري تأتي بمعنى آخر وهو حجر الحدود أي الحدود مجازاً ، فيكون المعنى العام هو الإله نابو يحمي الحدود وهو لقب ملكي من غير المعقول أن يطلق على طفل رضيع بخاصة وأن أباه نبوبلاصر كان هو الملك آنذاك 64، لذلك نرجح التسمية الأولى أي الإله نابو أحمي الأبن البكر ، أما الحرف (نون) فقد دخل على أسمه من الصيغة الآرامية المستحدثة ، ينحدر نبوخذنصر عن سلالة ملكية كان جدهم الأكبر وأسمه نبوخذنصر أيضاً نبيلاً من مدينة أوروك ثم تسنم أبنه بيل أبني عرش بابل في الأعوام ٧٠٢ - ٧٠٠ ق.م ثم خلفه أبنه نبوبلاصر كحاكم إقليمي (ملك محلي) على القطر البحري قبل أن يستقل ببابل بعد وفاة قندلانو الحاكم البابلي الموالي لآشور ويتمكن من دحر الدولة الآشورية وتوحيد بلاد الرافدينضمن الإمبراطورية البابلية الحديثة / السلالة الكلدانية الإمبراطورية .

ولد نبوخذنصر في منطقة القطر البحري وعاش في مطلع حياته متنقلاً ما بين مثلث القطر البحري الشمالي أور وأريدو وميشن وبين مدينة جدهم الأكبر أوروك ثم بابل التي أستقر فيها مع أمه وأخيه نابو شُم ليشير بعد تسنم والدهما عرش الدولة البابلية .

في عام ٦٢٧ ق.م توفي قندلانو الذي قد يكون ملكاً كلدانياً محلياً حكم بابل شكلياً بأسم آشوربانيبال كما أنه قد يكون الأخ الأصغرلآشوربانيبال أو ربما كما يعتقد بعضالمؤرخين أنه آشوربانيبال ذاته الذي كان قد ملأ قلب البابليين بالحقد عام ٦٤٨ ق.م بعد حرقه لعاصمتهم ونهب مكتباتها وتنكيله بالثوار أثر ثورة البابليين عام ٦٥١ ق.م بقيادة شمشي شمو كين الأخ الأكبر لآشوربانيبال الذي إنحاز للقيم البابلية وتأثر بآلهة بابل .

ومع أن نبوبلاصر كان بصفته حاكماً على القطر البحري قد تحاشى الإصطدام بالجيش الآشوري القوي إلا أنه كان يتحين الفرصة المناسبة لتسديد ضربته ، ولذلك عندما طلب منه الأخ الأصغر لآشوربانيبال سين شار أوشكن أن يحمي الجنوب الرافدي من هجمات جيوش برابرة البحر كما يصفهم أبيدينوس وكذلك يوزبيوس نقلاً عن برحوشا فإن نبوبلاصر لم يتردد عن موافقة العاهل الآشوري وبذلك ضرب عصفورين بحجر واحد ، فقد أثبت للآشوريين بأنه الملك الشرعي للإقليم البابلي وليس الملك الشكلي قندلانو ومن ناحية أخرى ظهر بمظهر المخلص للشعب البابلي الذي وجد فيه مردوخ أبلا إيدينا جديد .

وقد تصاعد نجم نبوبلاصر بعد طرده للحاميات الآشورية وهجومه على آشور نفسها عام ٦١٥ ق.م وهي محاولة لم يكتب لها النجاح ، في هذه الفترة ظهر الميديون فهاجموا آشور عام ٦١٤ ق.م ودخلوها بعدما حطموا أسوارها وحرقوها وقتلوا منها خلقاً كثيراً بقيادة ملكهم كي إخسار ، بينما كان جيش الكلدانيين يتقدم صوب الشمال ، وهكذا عقد نبوبلاصر مع كي إخسار معاهدة صداقة وسلام على أن يخرج الميديون من إقليم الشمال الرافديي مع المنهوبات التي غنموها ، بمعنى الأرض للبابليين في مقابل الغنائم للميديين ، وكانت خطة نبوبلاصر أن يبعد خطر هؤلاء الغزاة الأقوياء عن وادي الرافدين ، وفي عام ٦١٢ ق.م دخلت جيوش الكلدانيين والميديين عاصمة الدولة الآشورية نينوى في شهر آب بعد حصار دام لمدة ثلاثة أشهر وثلاث هجمات كبيرة قادها الكلدان بذكاء لتدمير أسوار المدينة التي ما أن تداعت حتى أكتسح الميديون مدينة نينوى فخربوها تخريباً شاملاً ، ويشير النص الخاص بالمعركة عدم تورط الجيش الكلداني في تخريب نينوى حرصاً من نبوبلاصر على عدم إلحاق الأذى بمدن البلاد ، لكن جيوش الملك الميدي الكبيرة أسقطت مبادرة نبوبلاصر في الحفاظ على المدينة ، ومع سقوط نينوى عادت بلاد الرافدين موحدة تحت التاج البابلي ثانية، فتفرغ نبوبلاصر لترتيب شؤون البلاد فيما أعتمد على أبنيه نبوخذنصر ونابو شُم ليشير 65 لقيادة الجيوش الكلدانية ، وكانت أولى مهمات نبوخذنصر إعادة الغنائم التي سلبها الميديون وإعادة تماثيل الآلهة الآشورية التي أسرها جيش كي إخسار ، فتمكن نبوبلاصر من تحقيق هذه المهمة الصعبة عام ٦٠٧ ق.م رغم أن حملته التي شنها على جيوش الميديين كانت في المناطق الجبلية البعيدة ، إلا أنه تمكن من إنجازها في مدة شهرين فقط .

وفي عام ٦٠٥ ق.م توجه نبوخذنصر تحت إشراف والده الملك نبوبلاصر لمحاربة الجيوب الآشورية التي تم طردها من حران عام ٦١٠ ق.م بعدما وصلت الأنباء عن مشاركة الجيش المصري في ترتيبات لهجوم معاكس على وادي الرافدين بالتحالف مع قوات ملك المنفى آشور أوبالط الثاني الذي كان قد تمركز في مدينة إيزالا التابعة للدولة الأوراراتية ، فتمكن من إبادة الجيش الآشوري مما دعا القوات المصرية للإنسحاب .

وفي عام ٦٠٧ ق.م بقي نبوخذنصر في بابل كولي للعرش فيما قاد والده نبوبلاصر الجيش الكلداني حملة لتأكيد السلطة البابلية في بلاد حاتي / سوريا ووآسيا الصغرى ثم عاد إلى بابل بعد أن ترك حامية في مدينة كيموخو جنوب قرقميش ، لكن الجيش المصري هاجم الحامية الصغيرة وتمكن من ذبح جميع أفرادها بعد قتال طويل وذلك عام ٦٠٦ ق.م ، فأشتط غضب نبوبلاصر وتوجه بنفسه رغم كبر سنه لمحاربة الجيش المصري وتمكن من وقف زحف الجيش المصري لكنه وبسبب من حالته الصحية السيئة لم يتمكن من طردهم من قرقميش ، بل أن نتيجة معركة قورماتي كانت مخيبة للآمال فعاد إلى بابل وطلب من نبوخذنصر أن يتسلم قيادة الجيش رسمياً عام ٦٠٥ ق.م ، وهنا تقدم جيش نبوخذنصر بقيادة أميره الشاب ( ٢٥ سنة) متخذاً مسار نهر الفرات فهاجم الجيش المصري المرابط في قرقميش بصحبة قوات من المرتزقة اليونانيين ، وذلك في شهر آيار من ذلك العام فألحق بهم هزيمة ساحقة، فر المصريون أثرها إلى حماة وهنالك أكتسحهم الكلدانيون أيضاً في معركة ثأرية حامية دحر فيها الجيش المصري وأبيدت قواته إلا من طلب الصحراء ، وفي ذلك يقول دي. جي. وايسمان في كتابه الموسوم بالحوليات ص ٦٨ - ٦٩ : أما بقية الجيش المصري الذي أفلت من الهزيمة في قرقميش .. فقد هاجمهم الجيش البابلي في حماة فلم تكتب العودة لأي فرد منهم لوطنه .

وهنا تقدم الجيش البابلي حتى مدينة بيلوسيوم في مصر السفلى ملاحقاً الفرعون نيخو الثاني ٦١٠ - ٥٩٥ ق.م الذي كان قد فر من المعركة مع مجموعة من فرسان حمايته تاركاً الجيش المصري طعماً لسيوف البابليين ، وعند دلتا نهر النيل بحسب المؤرخ يوسيفوس وصلته الأنباء بوفاة والده الملك نبوبلاصر في الثامن من شهر آب ، فيما يشير البعضبأن الأخبار التي نقلت إليه كانت تشير إلى إحتضار والده ، لأن مصدر الحوليات البابلية لكل من آر. باركر ودوبيرستاين تبين أن وفاة نبوبلاصر كانت في الخامس عشر من شهر آب ، وما أن علم نبوخذنصر بخبر والده حتى سلم قيادة جيشه لخاصته وعاد مع مجموعة من حرسه الخاص إلى بابل لحضور مراسيم الدفن وتبؤ عرش بابل ، فوصلها في الأول من شهر أيلول عام ٦٠٥ ق.م وأعتلى عرش بابل بموافقة أخيه نابو شُم ليشير وترحيب من قواته وخاصة الملك الراحل نبوبلاصر ، ويعتقد أن القبر الذي عثر عليه كولدوي في الزاوية الشمالية الغربية لقصر نبوخذنصر والمختوم بطابوقه الخاص هو المكان الذي دفن فيه نبوبلاصر .

بعد ثمانية أشهر من تبؤ نبوخذنصر عرش بابل أخذ يد الإله مردوخ بمناسبة رأس السنة  الكلدانية البابلية / أكيتو ، وبذلك تبدأ سنة حكمه الرسمية الأولى وفق التقليد البابلي ، وكانت أولى مهامه أن يعيد ترتيب البيت الكلداني وإمبراطوريته التي ورثها عن أبيه نبوبلاصر ، فركز على النشاطات الإعمارية وتقوية الجيش وتنظيم إدارة البلاد كما عمل على تطوير شريعة حمورابي ورفع منها عقوبة الإعدام إلا إذا كرر المجرم فعلته بمعنى أنه منح المخطئين ما يسمى بالفرصة الثانية ومن أجل ذلك أبتكر نظام السجون كعقوبة جزائية للمتجاوزين على القانون بدلاً من عقوبة قطع الرأس في الجرائم الكبيرة ، أو إتهام الآخرين بالقتل دون سند قانوني .

بعد أن أستتبت أمور الدولة البابلية أثر مشاركة نبوخذنصر في مراسيم الأكيتو قاد الملك نبوخذنصر حملة على البلاد السورية / بلاد حاتي التي كانت تتألف من ٢٤ دويلة مدينة فأمضى ستة أشهر قدم فيها حكام الدويلات الآرامية الولاء والجزية إلا حاكم عسقلون ، فما كان من نبوخذنصر إلا أن دخلها بالقوة وأسر حاكمها وخاصته وعدد كبير من الأسرى والغنائم ثم قفل راجعاً إلى بابل في شهر شباط من العام نفسه ، وفي عام ٦٠١ ق.م قرر نبوخذنصر فتح مصر التي كانت تحث الدويلات السورية للإنتفاضعلى البابليين ، فتوجه بقواته في شهر تشرين الثاني من ذلك العام عبر البلاد السورية التي قدمت فروضالطاعة والولاء ، وعندما سمع الفرعون نيخو الثاني بمجيء نبوخذنصر على رأس جيشه جمع بدوره جيشاً كبيراً من بلاد مصر / مات مي صير العليا والسفلى والنوبة وليبيا ، وتخبرنا المصادر البابلية بأن الجيشين قد أصطدما ببعضعند الحدود المصرية وإن كلا الجيشين قد تكبدا خسائر فادحة ، أنسحب أثرها نبوخذنصر عائدأً إلى بابل ، عندئذ تمرد يهواكيم حاكم اليهودية معتقداً أن مصر ستعاضده لكن آماله سرعان ما خابت ، فقد دفعت معركة عام ٦٠١ق.م الفرعون نيخو لأن يفكر أكثر من مرة قبل أن يقدم على مجازفة من هذا النوع بخاصة وأن حدود بلاده كانت آمنة وقتذاك ، وقد سارع نبوخذنصر بنفسه لتأديب يهواكيم وفي الوقت نفسه كان قد طلب من المدن الآرامية وعلى رأسها الإيدوميون والعمونيون والموآبيون أن توفر له قوات مساعدة وتمكن عام ٥٩٨ ق.م من السيطرة على قلعة راموث نقب ثم حاصر أورشليم ودخلها وألقى القبضعلى حاكم المدينة يهواكين الذي خلف أباه يهواكيم وعين بدلاً منه صدقيا الذي وعد بالولاء لنبوخذنصر وكان أسمه الأصلي متينا ، ثم عاد نبوخذنصر وبمعيته ثلاثة آلاف أسير يهودي .

وفي السنوات التالية كانت حملات نبوخذنصر من النوع الإستعراضي إذ لم تجرؤ أية دولة على مواجهة القوات البابلية ، ولكن في عام ٥٩٥ حشد العيلاميون جيشاً كبيراً لإحتلال بابل فسارع نبوخذنصر لمواجهتهم ، وما أن سمع العيلاميون بأن الجيش البابلي على مسافة ٣٥ كم حتى أرتعبت فرائصهم وولوا هاربين من المعركة ، وفي السنة العاشرة من حكمه حدثت خيانة القائد العسكري الكبير بابا أخو إيدينا أبن النبيل البابلي نابو آخي بوليط ، فتمكن نبوخذنصر من إحتواء حركة العصيان التي يقودها ثم قبض عليه وقدمه للقضاء ، وهنا نتعلم درساً جديداً حول أخلاق هذا الملك العظيم ، إذ عفا عن المشاركين في المؤامرة وأحال قادتهم إلى مجلس الشعب ليقرروا مصيرهم ويذكر النص البابلي هذه الحادثة المستلة من كتاب د. فوزي رشيد الملك نبوخذنصر الثاني بتصرف على النحو التالي : بابا أخو إيدينا أبن نابو آخي بوليط وسليل ليمير حنث بقسمه بأسم الملك ودبر خيانته ، نبوخذنصر ، ملك بابل ، الأمير المستشار ، الراعي لرعيته أكثر الناس سعة ، الذي هو مثل الإله شمش في عدالته، الذي يرعى كل البلدان ، مثبت الحق والعدل ، مبيد الأشرار ، ألقى القبض على بابا أخو إيدينا ، فعرضه على مجلس الشعب ، نظر مجلس الشعب في قضيته ثم بغضب قالوا لا يبقى الخائن على قيد الحياة.

في السنة الرابعة من حكم صدقيا حاكم اليهودية ، قام بالتآمر على سيده وشق عصا الطاعة على بابل ، فدخل نبوخذنصر أورشليم عام ٥٨٦ ق.م فيما قبضعلى صدقيا الهارب وجاءوا به إلى ربلة قرب حمص فأنزل به نبوخذنصر عقاباً شديداً وأخذه أسيراً إلى بابل مع أربعين ألف أسير ، ويعتبر هذا السبي البابلي الثاني لليهود حيث قام قائد الجيش نابو زير إيدينا / نبوزردان بحسب سفر الملوك بتدمير هيكل سليمان ودك أسوار أورشليم ، لكن اليهودية أنتفضت عام ٥٨٢ ق.م فعمد نبوخذنصر إلى ترحيل قسم منهم إلى وادي الرافدين ، كما توجه إلى لبنان (مات لا آب نا آنو) عام ٥٧١ ق.م فعزل حاكم صور القوي الذي كان يضطهد شعبه ، ونقش ذلك على الصخرة المعروفة في وادي بريصا على نهر الكلب - Wadi Brisa Nahr El-Kalb /- التي ذكر فيها أنه رفع الظلم عن كاهل اللبنانيين وجعلهم يعيشون في أمن وطمأنينة ونصب عليهم من بينهم الحاكم بعل الثالث ، ثم قرر نبوخذنصر أن يحتل مصر فأعد العدة لذلك ، لكن النص الذي يتحدث عن حملة نبوخذنصر على مصر وصلنا مخروماً ، ومع ذلك يؤكد بعضالمؤرخين بأن هزيمة كبيرة قد ألمت بالجيش المصري بدليل وصول قوات الجيش البابلي إلى ليبيا ، وتشير المؤرخة د. حياة إبراهيم بأنه إستناداً إلى وثيقة بابلية عثر عليها مؤخراً وترد فيها أعداد من الأسرى من إغريقيين وميديين وليديين ويهود وصوريين ، علاوة على سكان مدينتي خومي وبيريندو بأن حملات نبوخذنصر قد وصلت في بلاد الأنضول حتى قلقيليا / الإسكندرونة ، مما يؤكد أن الدولة البابلية في عهد نبوخذنصر الثاني قد تحولت إلى إمبراطورية واسعة .

كان بودي أن أتناول أهم منجزات الملك الشمس نبوخذنصر الثاني المعمارية والإدارية بشيء من التفصيل ، ولكن البحث الذي أنا بصدده لا يتحمل تناول مثل هذه الجوانب الواسعة لذلك أكتفي هنا بالإشارة إلى أهم منجزات نبوخذنصر الثاني في هذا المجال ، علماً إن تكنية الملك نبوخذنصر بالثاني هي تكنية تمييزية حديثة لكي يعرف القارئ المعني بقراءة التاريخ الرافدي القديم ، بأننا عندما نذكر نبوخذنصر الأول فإننا نعني به ملك سلالة بابل الرابعة الذي حكم للفترة ١١٢٥ - ١١٠٤ ق.م ، وهذا الملك أي نبوخذنصر الأول هو الملك الرافدي الشهير الذي قام بتحرير وادي الرافدين من نير العيلاميين في المعركة التاريخية الشهيرة على نهر أولا / الكرخا .

والحقيقة التي ينبغي أن ينتبه إليها القراء إن نبوخذنصر الثاني سواء ذكر مجرداً من الترتيب أو مع صفة الثاني الحديثة ، فإنه بعيداً عن الهالة الكتابية حول شخصه ، وبرغم جميع منجزاته العسكرية التي ضاهت منجزات أقدر ملوك أكد وآشور ، إلا أن عظمته وشهرته لم تأت من كونه فاتح كبير أو قائد عسكري لا يشق له غبار وإنما بسبب منجزاته المدنية والفكرية ، فقد تمكن نبوخذنصر الثاني خلال سنوات حكمه الثلاثة والأربعين من تحويل بابل حمورابي المدينة الأهم في وادي الرافدين إلى أعظم مدينة عرفها العالم القديم كما يقول نيكولاس بوستيغيت ، حيث يصف أسوارها المزدوجة المؤرخ هيرودتس قائلاً أنها المدينة الوحيدة في العالم التي تتمكن عربة تجرها أربعة خيول من السير على أسوارها / طرق سريعة - High-Way - ناهيك عن عظمة معابدها التي وصفها روبرت كولدفاي - Robert Koldewey - في كتابيه الشهيرين معابد بابل وبورسيبا وبوابة عشتار وكتابه الآخر القلاع الملكية في بابل مثلما وصفها فريتز كريشن - Fritz Krischen - في كتابه الشهير عجائب الدنيا في عمارة بابل ، لكن القليلين يعرفون بأن آخر شريعة رافدية قبل عصر الغزاة كانت واحدة من إنجازات نبوخذ نصر الثاني ، كما أن اقدم متحف للآثار كان قد وضعه نبوخذنصر الثاني في قصره الشمالي المعروف بأسم القصر الرئيس والذي يقع خارج أسوار بابل الداخلية ، أكتشف هذا المتحف العالم الآثاري أونكر ويسبق هذا المتحف البابلي متحف الإسكندرية الذي يعتقد البعض خطأ بأنه أقدم متحف في التاريخ ، كما يعد المسرح البابلي الأصلي الذي كانت تجرى عليه تمثيليات تحاكي قصة الخليقة البابلية إينوما إيليش من قبل ممثلين / موميلو وممثلات / موميلتو ترافقهم جوقة من المرتلين والممثلين المساعدين والذي يقع تحت المسرح السلوقي الموجود حالياً في بابل أقدم مسرح معروف ، ناهيكم عن الجنائن المعلقة والتي هي في حقيقتها ثلاجة بابل الملكية ، وتقع في الموضع المسمى بيت الأقبية ، وهنالك العديد من المصادر الذي تناولت هذه المنجزات تفصيلياً ، لكنني سأكتفي هنا بالتعريف ببرج بابل الذي دمره الملك الأخميني أحشويرش الأول ٤٨٦ - ٤٦٥ ق.م ، وقد حاول الإسكندر المقدوني إعادة بنائه ولكن موته المفاجئ حال دون إتمام مشروع هذا الفاتح العظيم في جعل بابل العاصمة الرئيسة لإمبراطوريته الشاسعة .

يقول فريتز كريشن : أن معلوماتنا عن برج بابل جاءتنا من أربعة مصادر أهمها وصف هيرودتس ونص مسماري لكاتب بابلي هو (أنو بيل شونو) ثم كتاب العهد القديم الذي تناول البرج من زاوية رمزية . أما حقيقة وظيفة البرج فكانت للتقوى وتقرباً من الإله مردوخ وموطأ لقدميه ومكاناً لإستراحته على الأرض عندما ينزل من عليائه السماوي ، وهنا نستشهد بإسطوانة نبوخذنصر التي سجل فيها مهمة إنجاز البرج حيث يقول فيها : نبوخذنصر ملك بابل ، الحاكم العزيز المفضل من قبل الإله مردوخ الحاكم الأكبر ، محبوب الإله نابو صاحب الفطنة والذكاء ، الذي يبحث عن الحياة الكريمة الذي لا ينقطع عن إرسال الهدايا إلى إيساكيلا ، الحكيم المتعبد المهتم بأمور إيساكيلا وأزيدا .... إنني الأبن البكر لنبوبلاصر ، ملك بابل ، منذ أن جعل مردوخ السيد الكبير رأسي شامخاً وأعطاني تحت حكمي الناس القاطنين في الأقاليم القصية ، لأجل مردوخ أتردد دائماً على معابد نابو (أبن مردوخ) وريثه الشرعي الذي يحب ملوكيتي ، فأتحدث بما يسرهم ، آنذاك صليت لمردوخ السيد العظيم ، البطل القوي ..... ، النور الساطع الذي يبهر آباؤنا الآلهة ، سكن في إيساكيلا سيد بابل ، السيد الكبير ، سيدي ، و(إن تيمن آن كي) البرج المدرج / زقورة مدينة بابل، الذي قام بتنظيف موقعه نبوبلاصر ملك بابل ، والدي ، بفن التعاويذ وحكمة الإلهين أيا ومردوخ ، وضع حجر أساسه وجدرانه الخارجية الأربعة بالقير والطابوق بإرتفاع ٣٠ ذراع، ولكنه لم يقم بتعلية قمته ، لجعل اتنمنانكي عالياً وجعل قمته تناطح السماء ، الأقوام الساكنة في أقاصي البلاد والتي بسط حكمي عليها مردوخ سيدي المنتصر إله السماء ، جميع الأقطار وجميع الشعوب من البحر الأعلى / البحرالمتوسط إلى البحر الأسفل / بحر الكلدان (الخليج الفارسي / العربي) ، والأقطار البعيدة ، والأفراد القاطنين في الأقاصي وملوك الجبالالنائية والجزر البعيدة وسط البحر الأعلى والأسفل التي جعل مردوخ سيدي لجامها بيدي ، قد دعوتها للمساهمة في البناء ووضعت سلة الطابوق على رأسي عند بناء اتمنانكي ... ثم يسترسل نبوخذنصر الثاني في تعداد الشعوب المساهمة في البناء وكيفية جلب مواد البناء من خشب الأرز والصنوبر اللبناني وصفائح النحاس حتى ينتهي إلى ... شيدت لمردوخ سيدي معبداً علوياً نظيفاً ومخدعاً للآلهة كما كان في الماضي فوق البناء العلوي كقطعة فنية .

سيدي مردوخ يا عظيم الآلهة ، الجبار ، تنفيذاً لأمركم الإلهي بنيت مدينة الآلهة وشيدت الجدران ، جدد المخدع وأكمل المعبد وبناء على أمرك السامي الذي لا يخالف ، وصلت الأوتاد الخشبية ، أنتهى عمل يدي ، جميع ما قمت به ، ليبقى قائماً خالداً في المستقبل ، لأتأمل روعته ومثل ثبات وخلود اتمنانكي إلى الأبد ليثبت عرش ملوكيتي إلى الأبد . اتمنانكي بارك لي أنا نبوخذنصر الملك الذي جدد بناءك ، وبناء على أمر مردوخ أنجز بناءك أيها المعبد ، أذكر عند مردوخ سيدي تقواي .

في الثامن من شهر تشرين الأول عام ٥٦٢ ق.م توفي نبوخذنصر الثاني في قصره المعروف بإسمه وأستلم عرش بابل أبنه آميل مردوخ ، وفي ١٣ حزيران عام ٣٢٣ ق.م أي بعد ما يقرب من قرنين ونصف توفي الإسكندر المقدوني عن عمر ٣٢ عاماً بعلة التيفوئيد في ذات الغرفة التي توفي فيها نبوخذنصر الثاني ولم تشفه كل عروضه للإله أيا والد الإله مردوخ بإعادة عاصمة نبوخذنصر الثاني( بابل) إلى سابق عظمتها .

 

 

 

من كتاب الكلدان منذ بدأ الزمان
الاستاذ عامر حنا فتوحي

 

 

 

 
 

******************************************