يبدو أن التغيرات
التي تشهدها المنطقة في انظمتها الحاكمة من جهة، وفي سياساتها
الخارجية من جهة اخرى، فعلت المستحيل، فمن غير الممكن أن تكون دولة
شرق اوسطية بمعزل عمّا يجري حتى وان كانت تتمتع بنسبة من الاستقرار،
ويظهر للعيان الجار الشمالي للعراق تركيا، التي تتمتع بقواسم
مشتركة مع الدول الاقليمية، وبخاصة مع من لاحته رياح التغيير.
ففي الوقت الذي
يؤكد فيه الحزب الحاكم في تركيا على وجود تقارب بين حكومته
ونظيرتها في اقليم كوردستان، يرفض سياسة رئيس وزراء العراق نوري
المالكي، هذا واشرت مراكز للدراسات الستراتيجية في تركيا التقارب
المذكور، والانفتاح على الصعيد الاعلامي على وجه التحديد تجاه جميع
القوميات.
وكان وفد من
منظمة (كتاب بلا حدود) ضم كل من رئيس المنظمة قيس الرضواني، ومدير
فرعها في كوردستان احمد شيخو، والمسؤول الاداري للمنظمة علي غدير،
وعضو برلمان اقليم كوردستان قادر حسن، وعضو منظمة كتاب بلا حدود،
ومسؤول العلاقات والتنسيق في "شفق نيوز" بدر اسماعيل شيروكي قد زار،
الاسبوع الماضي، تركيا بدعوة رسمية موجهة من الهيئة العامة للثقافة
والاعلام التابعة لمجلس الوزراء التركي المشرفة على اكثر من 400
مركز ومؤسسة اعلامية وثقافية رسمية تابعة للحكومة التركية.
ويرى النائب
الاول لرئيس الوزراء التركي بولرك ارنج خلال حديثه مع الوفد القادم
من كوردستان أنه "من الضروري ايجاد لغة ثقافية مشتركة للحوار
والتفاهم بين شعوب المنطقة على العكس مما كان يجري سابقاً لأن هناك
مستجدات في المنطقة وهي مستمرة ويجب الاستفادة منها".
ويقول ارنج إن "تركيا
بدأت تهتم بلغات الدول المجاورة ولها والتي لها روابط مشتركة معها
من خلال وسائل الاعلام فعلى سبيل المثال محطة (trt) تبث باللغة
العربية، وتمّ تخصيص قسم للغة الكوردية في محطة (trt6) الفضائية في
العام الحالي".

ويضيف النائب
الاول لرئيس الوزراء التركي أن وكالة الاناضول التركية الرسمية
فتحت لها قسماً باللغة العربية، وهي ستفتتح قسماً للغة الكوردية في
الثلاثة الاشهر المقبلة، داعياً العراق واقليم كوردستان الى اتباع
النهج الاعلامي لتركيا في الانفتاح على اللغات.
ويقول نائب في
الحزب الحاكم التركي ووزير الدولة والمسؤول الاعلامي لـ(AKP) حسين
چليك في حديث لـ"شفق نيوز" إن "حزبه لا يأخذ بالاصوات المعادية
لستراتيجيته على محمل الجدّ، فهي اشبه بعلب صفيح فارغة لا لب لها"،
في اشارة منه إلى رفض احزاب تركية لإنفتاح الحكومة التي شكلها حزب
العدالة والتنمية داخلياً وخارجياً.
وبشأن علاقة
تركيا مع الحكومة العراقية ونظيرتها في اقليم كوردستان يشير چليك
إلى أنه "مع خروج القوات الامريكية من العراق اقتربنا من الكورد
بشكل اكبر، إلاّ أننا غير راضين عن سياسة المالكي"، مستدركاً
بالقول "إننا نتحمله (المالكي) من اجل مصالح الشعب العراقي".
ويضيف چليك أن "الحكومة
التركية ونظيرتها في اقليم كوردستان برئاسة نيچيرفان بارزاني قطعتا
اشواطاً من المراحل الصعبة"، عاداً اقتراح رئيس الوزراء التركي رجب
طيب اردوغان في مدّ انبوب لنقل النفط المستخرج من اقليم كوردستان
عبر الاراضي التركية من اهم "مراحل التقدم والتقارب بين الجانبين".
وأكد النائب عن
حزب العدالة والتنمية على أن حزبه "عبر مرحلة انكار الشعب الكوردي
في تركيا، وبإمكان الجميع الآن الدراسة بلغته القومية الخاصة، ولا
تريد الحكومة استخدام هذه اللغات فقط من اجل الدعاية والاعلام بل
لإنهاء التعصب القومي الكوردي التركي مع عدم الادعاء ان النظام
الحالي هو أفضل نظام شهدته تركيا، ولكنه بذل المساعي في حلّ
المشاكل أكثر من غيره".
من جهته أكد رئيس
المركز التركي للدراسات الستراتيجية والمستشار الاقدم لرئيس
الوزراء التركي، ابراهيم كالان على انغلاق الاعلام التركي على
مفاهيم قديمة فيما يخص الحرية والديمقراطية وحقوق الشعوب على العكس
من توجهها السياسي والاقتصادي.
ويضيف كالان ان "هناك اطرافا متخلفة أخرى تعادي سياسات الحكومة،
وهم انفسهم يواصلون تقديم التفسيرات السيئة".
ويرى كالان ان "(AKP)
أكبر من المجاملات الدبلوماسية واعمال اردوغان أكبر من التعبير
عنها بالكلمات وتفسيرها، فهو انسان براغماتي"، واصفاً زيارة
اردوغان الاخيرة لإقليم كوردستان أنها "عمل عظيم وانفتاح على
القضية الكوردية ولها معان جيدة إلاّ أن تطبيقها على ارض الواقع
يحتاج الى وقت من الزمن".
وعلى الصعيد ذاته
يقول عضو ملف الصداقة التركية العراقية في البرلمان التركي والنائب
عن حزب العدالة والتنمية فاروق ايشك في حديث لـ"شفق نيوز"، انه "بحكم
الروابط الجغرافية المشتركة التي تربط شعوب العراق وايران وتركيا
وسوريا من المفترض ان يعيش الجميع كأخوة لان في هذه الجغرافية لو
برزت اية مشكلة فانها ستسبب ضرراً للجميع دون استثناء".
ولفت ايشك الى ان
"المهم ان تعيش جميع القوميات والطوائف والاديان في العراق بوئام
وسلام؛ وإلا فإن المشاكل سيكون لها تأثير علينا نحن وعلى الجميع
ايضا مثلما يحدث في سوريا حاليا"، مؤكدا على ان "مشكلة تركيا مع
سوريا فيها ابعاد انسانية قبل ان تكون سياسية".
واوضح ايشك ان "الفسيفساء
الملونة في العراق تمثل الحياة السياسية فيها من خلال وجود ممثلين
عنها في البرلمان العراقي"، مضيفاً أن "المهم في ترسيخ الايمان
بالتعددية ترجمتها بافعال بغض النظر عن التسميات القومية والدينية
والطائفية لان الحياة تحتاج الى الاخوة والمساواة، ونحن نعد جميع
العراقيين اخوة لنا وستتواصل هذه الاخوة لتكون علاقتنا بلا حدود".

ويرى مسؤول هيئة
الثقافة والاعلام في تركيا مراد قايا في حديث لـ"شفق نيوز" أنه "من
الضروري ان ينفتح الاعلام التركي على العراق كما أن هناك انفتاحاً
في الجانبين السياسي والاقتصادي".
ويؤكد قايا على
ضرورة تطوير العلاقات الثنائية مع العراق بشكل أفضل ممّا هو عليه
في الوقت الراهن وذلك من خلال تفعيل العمل المشترك بين الجانبين.
وأشار قايا إلى أن "الجانبين بحاجة الى بناء مؤسسات اعلامية لها
القدرة في تعميق لغة التفاهم بين الجميع"، مبيناً أن "من هذا
المنطلق والاساس نولي اهتماماً كبيراً بلغات الدول المجاورة ومنها
العربية".
ويختتم قايا
تصريحه لـ"شفق نيوز"، بقوله "نحن نحتاج لبناء مؤسسات اعلامية
مشتركة لمزيد من الفهم والتفاهم المشترك"، مؤكدا انه "من هذا
المنطلق نرغب ان نولي اهتماما اكبر بلغات الدول المجاورة وخصوصا
اللغة العربية".