Home الرئيسية Archive الأرشيف About Us من نحن Contact Us اتصلوا بنا
Mar. 01, 2017
رسالة الى مؤمني أبرشية مار بطرس الرسول الكلدانية لمناسبة بدء الصوم المقدس
  + المطران شليمون وردوني

 

أيهّا الأحباء سلام الله ومحبته معكم جميعاً.

لقد بدأنا بمرحلة جديدة من الحياة الطقسية- الروحية كعادتنا السنوية وهي أسابيع الصوم المقدس، فمدار السنة لا يتم بدون الصوم وحياتنا الروحية ستكون عقيمة بدون التوبة المبنية على الصوم والصلاة، وهذا هو الطريق الذي مهّده لنا مخلّصنا الإلهي، ومن خلاله نريد أن نتهيّأ للفصح المقدس لكي نقوم مع الرب في القيامة المجيدة.

الصوم هو مسيرة فصحية وعبور من عبودية الخطيئة الى حرّية النعمة. شعب الله المسيحاني هو مدعو ليقوم روحياً بهذه المسيرة كما سبقه شعب الله في البرية، عندما سار من مصر الى أرض الميعاد. إنها دعوة لعامة الشعب ليدخل الى ذاته ويفحص حياته ويهتدي فيحيا.

الصوم هو نعمة من الله "هو الزمن المفضل"، "يوم الخلاص"، ومار بولس يدعونا "لنتصالح مع الرب"، لنصبح "عدالة الله" في المسيح يسوع. وهناك طرق شتى ووسائل مختلفة توصل بالإنسان الى الأهتداء وإحداها هي الصوم فعلينا أن نمارسه خلال هذه الفقرة ليصبح فعالاً ويحملنا الى الإهتداء الحقيقي.

حمل الروح القدس يسوع الى البرية، إنها المكان المفضل من الله ليلتقي مع البشر، هناك مكث مع شعبه لمدة أربعين سنة، هكذا أيليا ويوحنا المعمدان... وغيرهم. عبروا في البرية قبل ظهورهم للعالم. لكننا نرى أيضاً بأن الشيطان حاضر حيث يسّهل الألتقاء بالله. يسوع يحملنا معه ليملأنا من روحه القدوس ويساعدنا للمضي قدماً في بناء الملكوت وتقديس ذواتنا.

إن التجارب الثلاثة التي جرّب بها الشيطان مخلصّنا تختصر تاريخ البشرية جمعاء مجربةً كمخلصها من الإبليس وأعوانه في العالم. فالتجربة الأولى هي الشراهة ومحبة اللّذة تعرض أمامنا الحرب القائمة بين الجسد والروح، الأول له ميوله وخصوصياته ولا يريد التخلي عنها وإن كانت تضره، حينئذ يدخل الأبليس بكل حكمة ودهاء لإغراء الإنسان وإقناعه ليختارها، لكن يسوع يثبت بأن في الإنسان ضروة أخرى وهي الحياة الروحية التي تتغذى من كلمة الله.

إنسان اليوم يتسابق بطرق جنونية لكسب الماديات، تاركاً على جهة كلما يتعلق بالروح وبهذا يستعبد للشر، وفي فترة الصوم يقول له الرب تشجع، أنهض، لا تخف فإنني معك سر نحو الغلبة. والتجربة الثانية فيها سلاسة ومكر، إنها تجربة الكبرياء، حب الذات، فقد رافقت الإنسان منذ ما خلق ولا زالت تجلب الكوارث المدمرة للأنسان وفي كل العصور وفي كل المؤسسات، فهو يتعالى على أخيه الإنسان ويريد أن يضع نفسه مكان الله لكي يتمجد من البشر. أن الله يريد أن يعلمنا بأن حق التصرف هو للباري تعالى ونحن علينا أن نختار ما يريده الله لنا، له المجد في كل حين فلا نجربه.

والتجربة الثالثة هي محبة المال وتتضمن كل المشاكل التي أحدثتها وتحدثها وستحدثها المادة في العالم وعنها يكلمنا ربنا في مكان آخر ويقول بأننا لا نستطيع أن نخدم ربين ولا يمكننا أن نحب الله والمال! هنا أيضاً نجد ال"إما، أو". أما الله أو الأبليس، أمّا الله أو العالم وأمواله... وأختيار يسوع كان يتطلب منه أرادة قوية وحزماً ثابتاً.

فالصوم هو ضروري للتقدم في الحياة الروحية والتغلب على كل هذه التجارب، والصوم الحقيقي هو بأن نرفض ما يبعدنا عن الله، والصلاة الليتورجيا تقدم لنا المعنى الأصيل للصوم، إنه يرفع ويقوي حياتنا الروحية وخاصة عندما نقترنه بأعمال الرحمة، أن الإماتة المطلوب منا خلال الصوم هي التي تميت فينا كلما ليس لائقاً بالمسيح. أن طقسنا المقدس يعلمنا هكذا: أن الصوم هو فارغ وبلا ثمار والصيام من الخبز والطعام فقط هو بلا معنى إذا ما لم تصم النفس من الخطيئة. هكذا نربي حياتنا الروحية، علينا أن نصوم من كل نوع من الخطايا. لساننا يجب أن يصوم من كل كلمة لا منفعة منها، أفكارنا يجب أن تنحصر فقط في الأمور الصالحة. أعيننا يجب أن تنظر نحو المناظر النظيفة، وبكلمة واحدة يجب أن نكون أطهاراً في كل شيء.

هذه السنة يجب أن نصلح كل خطأ مع الآخرين خاصة في العوائل، بين الإخوة والأخوات، بين الآباء والأمهات وفي كل مكان. علينا أن نهيأ أنفسنا للفصح المقدس، خاصة في محيطنا، في أبرشيتنا وفي خورناتنا. نطلب منكم أن تصلوا من أجل أكليروسنا خاصة، ليفتح ربنا قلوبنا لنسمع إليه ونغفر لبعضنا البعض في المحبة والوحدة وبهذا نحصل على السلام. إذا لم نعمل ذلك فأن فصحنا يكون بلا فائدة.

لا نريد أن نزرع أنقسامات وشكوك لغير المؤمنين والمؤمنين الفاترين، ولا نريد أن نسمع من الرب يقول لنا: "أبتعدوا عني يا فاعلي الأثم".

علينا جميعاً أن نستيقظ الآن ونجدد إيماننا ومحبتنا لله وللقريب لئلا تغرينا خيرات هذا العالم، أن الصوم هو أعمق بكثير من الممارسة الخارجية. إنه الدخول الى أعماق النفس لنفحص حياتنا الروحية ونصلح الملتوي منها ونكشف أمراضنا الروحية ونداويها ونعالجها ونشفيها بقوة من أنتصر قبلنا.

لنقف أمام واقعنا ونتسلح بالمقاصد القوية، لا نتكاسل للمشاركة في صلاة، فردية كانت أم جماعية، في العائلة أم في الكنيسة، الرب وضع تحت تصرفنا أوقاتاً ثمينة لنستخدمها لخلاص نفوسنا.

لنأخذ الكتاب المقدس هو حياتنا. فيه نجد قوتنا وتعزيتنا لنقرأه ونتأمل به ونحاول أن نعيشه. لنفهم جيداً بأن السجود الحقيقي هو لله وحده. هو أبونا ويحبنا ويقدسنا. لنختاره ككنزنا الوحيد ونضعه في المكان الأول من حياتنا. هو يزرع السلام في قلوبنا وفي عوائلنا وخورنتنا وبلدنا وعالمنا بأسره.

الرب يبارككم جميعاً وأمنا مريم تحفظكم من كل شر وأطلب منكم أن تصلوا من أجلي.

 

+ المطران شليمون وردوني
المدبر الرسولي