Dec 22,
2006
يا
سورايي ، اياكم والرشوة ...
باديء ذي بدء ، تعني كلمة الرشوة بحسب
قاموس اللغة العربية " ما يُعطى لإبطال الحق وإحقاق الباطل " ، وايضآ
لها تسميات والفاظ عامية اخرى قد تختلف من بلد لآخر ومن تلك الالفاظ :
برطيل ، براني ، اكرامية ، حق فنجان القهوة ، تدويرة ، الظرف
،المقسوم ، من جوة العباية ...الخ من المرادفات السهلة والمفهومة
المعنى التي تستخدم لتعطي نفس المعنى والمفهوم .
كما لا يخلو اي مجتمع من اصحاب
الضمائر الميتة من المنافقين والمنتفعين ومن الراشين والمرتشين ، كما
تتغلغل الرشوة في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية
والاجتماعية وفي كل مرفق من مرافق الحياة ، فهناك من يرتشي ليحصل على
وظيفة او لينجز معاملة او لكسب التأييد للفوز بالانتخابات او للفوز
بالعقود او تدفع لشهادة زور ، وكذلك تكون الرشوة في مجال البناء
والتعليم والصحة او لتسهيل أي شأن من الشؤون الحياتية واليومية .
اما ما تسببه الرشوة من آثار مدمرة
وتداعيات اخلاقية وانسانية مروعة فحدث ولا حرج ، فبالاضافة الى العواقب
الوخيمة التي تؤدي الى اهدار المال العام و تحطيم كل البنى الحياتية في
المجتمع ، فإنها ايضآ تساهم في بث اخلاقيات فاسدة بين ابناء المجتمع
والى آخره من الامراض الخطيرة التي تهدد كيان الدولة والمجتمع .
لأجل ذلك ولغيرها من النتائج
الكارثية فقد شرعت السماء والارض على تحريم وتجريم الراشي والمرتشي ،
فالكتاب المقدس مليء بالآيات التي
تحرم وتقف بالضد من الرشوة ، ومن تلك الآيات المقدسة :-
1- التثنية – الاصحاح السادس عشر
19
لاَ
تُحَرِّفِ الْقَضَاءَ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى الْوُجُوهِ، وَلاَ
تَأْخُذْ رَشْوَةً لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أَعْيُنَ الْحُكَمَاءِ
وَتُعَوِّجُ كَلاَمَ الصِّدِّيقِينَ.
2-
ايوب الاصحاح الخامس عشر
34
لأَنَّ
جَمَاعَةَ الْفُجَّارِ عَاقِرٌ، وَالنَّارُ تَأْكُلُ خِيَامَ
الرَّشْوَةِ.
3- اشعياء – الاصحاح الاول
23
رُؤَسَاؤُكِ
مُتَمَرِّدُونَ وَلُغَفَاءُ اللُّصُوصِ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
يُحِبُّ الرَّشْوَةَ وَيَتْبَعُ الْعَطَايَا. لاَ يَقْضُونَ
لِلْيَتِيمِ، وَدَعْوَى الأَرْمَلَةِ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِمْ.
4-
اشعياء الاصحاح الخامس
23- ويلُ للَّذينَ يُبَرِّرونَ الشِّرِّيرَ لأجلِ رَشوَةٍ، ويَحرِمونَ
البَريءَ حَقَّهُ.
5- الخروج – الاصحاح الثالث
والعشرون
8
وَلاَ
تَأْخُذْ رَشْوَةً، لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي الْمُبْصِرِينَ،
وَتُعَوِّجُ كَلاَمَ الأَبْرَارِ.
نكتفي
بهذا القدر اليسير من الآيات المقدسة التي جعلها الرب على ألسنة الرسل
والانبياء لتشكل اوامر شرعية سماوية تحرم الرشوة.
اما
بالنسبة للشرع الانساني ، فكل بلاد العالم سنت قوانين تعاقب جريمة
الرشوة ، ولكننا نكتفي بذكر نوع الحكم الذي كان يصدره ابو المشرعين ،
الكلداني البابلي حمورابي بحق القضاة المرتشين حيث كان يسلخ جلد أي
قاضي تثبت عليه جريمة الرشوة وكان يصنع من جلده كرسي ليجلس عليه القاضي
الذي يخلفه .
لماذا تعتبر
الرشوة جريمة
من دون الدخول في التفاصيل ، سأكتفي
بذكر وعلى شكل نقاط مختصرة بعض الآثار السلبية التي تخلفها ظاهرة
انتشار الرشوة في المجتمع :-
1- زرع اخلاقيات فاسدة في نفوس الناس
.
2- فقدان الثقة بكل شيء ابتداءآ من
النفس ومرورآ بالقانون والعلاقات الانسانية .
3- اهدار المال العام في مشروعات
وهمية او غير متطابقة مع الشروط والضوابط المحددة .
4- تعريض حياة الناس للخطر من خلال
تمرير صفقات صحية او غذائية فاسدة اومن خلال اقامة منشآت معمارية مثل
المستشفيات والمدارس والجسور والعمارات السكنية المغشوشة بمواد لا تصلح
للاستعمال .
القائمة تطول من مثل تلك العواقب
الوخيمة التي قد تحل بالافراد والمجتمعات بسبب ممارسة جريمة الرشوة ،
ولكن الذي اريد ان اشير اليه هنا هو التطرق الى بعض الملامح والتغيرات
النفسية والعملية التي تطرأ على شخصية المرتشي والتي اذكر منها :-
1- من لحظة استلامه الرشوة يصبح
المرتشي اسير راشيه ، وانه سيفقد القدرة على الكلام بحرية ، أي وكما
يقال لم يعد يملك لسانه الحر بل سيتحول الى مجرد بوق دعاية لمالكه
ولولي نعمته الجديد .
2- نجده يسخر قلمه في خدمة من دفع له
، يروج لافكاره ولبضاعته ، يبرر كل فعل وكل فكرة تصدر من ولي نعمته حتى
لو كانت مستبدة وجائرة بحقوق الاخرين .
3- الرشوة تسبب مضاعفات نفسية خطيرة
على المرتشي مثل الانطواء والاكتئاب واخطرها كرهه لنفسه وشعوره بالنقص
كما تكون له شخصية مترددة ، لا ثقة له بنفسه لأن جريمته تبقى ماثلة
امام عينيه وكذلك بسبب خوفه من رد فعل راشيه ازاء أي كلام او موقف قد
لا يوافق عليه .
4- لا يتوقف المرتشي على مدح الراشي
ووصفه بصفات تفوق حجمه وحقيقته فإذا كان سياسي فانه يصفه بالقائد
الضرورة المحب الشهم الكريم واذا كان تاجر وصفه بالأمين النزيه الشريف
المحترم وان كان من احد اشقياء الحارة وصفه بالشجاع المغوار البطل .
وهكذا نجده يطلي وجه راشيه بكل مساحيق التجميل .
5- سيطرة روح الاحباط والاستسلام ولا
يخرج من دائرة الدفاع عن نفسه وعن مواقف سيده لأنه ليس حر نفسه لذلك
يخاف الفضيحة التي ربما تعم لتصيب وتشوه سمعة بعض او كل افراد عائلته
وعشيرته ومعارفه .
6- فقدان الشعور بالولاء لأمته
والانتماء لقومه كما أنه لا يتردد في التخلي عن مبادئه وعن اسمه وهويته
القومية بناءآ على طلب ورغبة الذي باع نفسه له .
فبعد كل تلك المهينات والمواقف
المحرجة ، ماذا يبقي للمرتشي من انسانيته ، بالطبع لا شيء ، بل سيتحول
الى انسان مسخ ، مشوه المعالم ، وخانع ذليل لراشيه .
اسباب قبول
الرشوة
هناك اسباب كثيرة ومختلفة ،
فمنها معيشية واقتصادية ومنها تربوية واخلاقية ومنها سياسية وامنية
ومنها نفسية واجتماعية ، واعتقد اخطرها هي تلك النابعة من الشخصية
الضعيفة التي لا تصمد امام الرجال والمحن والدولار ، فعند اول اختبار
لهم ، تسقط كافة الشعارات والمباديء فالضمير يغيب ، والهوية تهمل
والاحساس القومي يفتر والشخصية تتقزم لأنه هكذا اراد الممول فمن يكون
المرتشي ليعترض ؟ .
لكل مرتشي
ثمن
يقال لكل شخص ثمن ، فما هو ثمن
المرتشي يا ترى ؟ بالتأكيد يختلف الثمن من انسان لآخر ،
فهناك اشخاص يمكن ارشائهم
بـ لفة سندويج
... واخرين بـ بطل ويسكي ... وأخرين
بترتيب لقاء مع مسؤول ...وصعودآ الى الدفاتر ( الدفتر = عشرة الاف
دولار امريكي ) ، وكل واحد بحسب موقعه واهميته وشخصيته .
اياك ان تسمي
الرشوة بأنها هدية او عطية
هناك من المرتشين من يوبخه
ضميره الباطني فيشعر بثقل الذنب الذي ارتكبه فيلجأ الى اقناع نفسه بأن
ما قبضه ليس رشوة وانما هوهدية او عطية او اكرامية الى آخر المبررات
التي يعتقد انها ستخفف من وطأة الضمير . ولكن اذا استطاع المرتشي ان
يخون ضميره فبالتأكيد لا يستطيع ان يخدعه .
الفرق بين
الهدية والرشوة
اذا كانت الهدية تقدم كتلك التي
تقدم في مناسات الفرح ومراعاة للواجبات الحياتية المعروفة فهي مطلوبة
ومنتظرة وتقليد يعبّر عن الشعور الجميل والاحاسيس الرائعة التي يكنها
كل طرف للآخر ، والهدية في تلك المناسبات تعطى بلا مقابل ومن دون ان
يطلبها الطرف الآخر ، اما ان يكون المراد من الهدية هوالحصول على مقابل
او عوضآ عنها فعند ذلك تنتفي منها صفات الهدية وتتحول الى الرشوة .
ايضآ لا يخشى المتلقي للهدية او
الاكرامية ان يعلم بأمرها الآخرين ولكن العكس هو الصحيح والسائد حيث
يفتخر بها امام الجميع ، اما تلك التي تدفع في الخفاء وتموه حقيقتها
خوفآ من افتضاح امرها مع ظهور بوادر ومؤشرات مريبة ومثيرة للشكوك عندها
لا يصح تسميتها بالهدية او الاكرامية بل هي الصفقة والرشوة بعينها .
لا تشوهوا
تاريخ المسيحيين العراقيين
سجّل المسيحيون العراقيون وبكل
اطيافهم ومذاهبهم وعلى امتداد التاريخ العراقي اروع المواقف النبيلة
والمشرفة في جميع المجالات بحيث كانت مواقفهم تلك محل فخر واعتزاز
ومكسب ليس فقط لأبناء شعبنا بل ولجميع الخيرين في العراق ، لذلك كانوا
ولا زالوا يتصفون بكل الصفات النبيلة والحضارية وخاصة بصفات الامانة
والنزاهة والالتزام وعدم الانزلاق في مفاسد الرشوة التي هي موضوعنا في
هذا المقال . وان اقصى ما نتمناه وما نصبوا اليه اليوم هو ان يتحمل كل
فرد من ابناء شعبنا وخاصة المسؤولين والقياديين مسؤولياتهم الكاملة في
الحفاظ على تلك السمعة الطيبة وعلى نظرة الاحترام والمصداقية والثقة
التي نحظى بها في العراق.
اما لأولئك الذين لا تهمهم الا
مصالحهم ومنافعهم الشخصية ، الذين ارتضوا ان يقزموا انفسهم وان يتحولوا
الى اناس مسخ والعوبة بيد الاخرين ، ولهؤلاء الذين لا تفيد النصيحة
معهم نحذرهم بأنهم سوف يندمون كثيرآ يوم تكشف الوثائق اسماؤهم ضمن
المرتشين او يوم يقوم الراشي بنشر مذكراته وتظهر فيها اسماء الذين
باعوا انفسهم وهويتهم وقوميتهم ومبادئهم مقابل مال او مكاسب زائلة ،
عند ذلك ستحل عليهم لعنة التاريخ والامة والابناء والاحفاد ، وفعلآ لا
اعز على الانسان من ارتياح ضميره ورفعة رأسه امام الاخرين.
منصور توما ياقو
22/12/2006