هل ستتكرر تجربة اليهود مع المسيحيين العراقيين منصور
توما ياقو
نعم ، هل ستتكرر
تجربة اليهود مع المسيحيين العراقيين في اقامة كيان خاص بهم ؟
ربما التاريخ لا
يعيد نفسه بكل محطاته وصفحاته وتفاصيله الدقيقة ولكن يمكن لبعض التجارب
التاريخية ان تتكرر شواهدها وظروفها ومسبباتها في أي زمان ومكان ،
وبعدما تكتمل تلك المسببات وتتهيأ تلك الظروف المناسبة يأتي دور الشعوب
والمجتمعات البشرية في استغلال تلك الفرص التاريخية واستثمارها بالشكل
الصحيح لتحقيق الاهداف التي تسعى اليها ، وطبقآ لتلك المعادلة يمكننا
القول ، انه من دون التناغم والانسجام ما بين طرفي تلك المعادلة
( توفر الفرصة و الارادة العاقلة المتجردة
من الأنا) لا يمكن تحقيق اي من
الاهداف والآمال التي تعيشها الشعوب.
فبالنسبة لفقرة
( توفر الفرصة )
، فهل هي مواتية وداعمة للتحرك الشعبي الواسع
لسورايي بيث نهرين ( الكلدان والاثوريين
والسريان والارمن ) للمطالبة بمثل هكذا كيان
؟ اذا كانت الاجابة بنعم ، ما هو حجم ونوعية المطاليب التي تسمح لهم
الفرصة المتاحة لكي يطالبوا بتحقيقها او على الاقل لكي يعرضوها على
مراكز القرار والسلطة في العراق ؟ وللاجابة على تلك التساؤلات ووفقآ
لعنوان موضوعنا هذا أي من خلال جمع الشواهد ومقارنتها مع التجربة التي
مروا بها اليهود العراقيين في منتصف القرن الماضي يتبين لنا التالي
:-
1-
لعل الكثير من الاحياء العراقيين يتذكرون ما حدث
لليهود العراقيين في منتصف القرن الماضي من انتهاكات رهيبة وعنيفة ،
ابتداءآ من حرق معابدهم وحرياتهم الدينية والشخصية و مرورآ بنهب وسلب
والاستحواذ على أموالهم وممتلكاتهم ودورهم ومحلاتهم و تعريضهم لمخاطر
الخطف والابتزاز وانتهاءآ بممارسة سياسة التهجير القسري واللاانساني
بحق كل من لم تطاله يد الارهاب والقتل ، فكانت النتيجة ان افرغ العراق
من اليهود الذين استقبلتهم دولة اليهود الفتية آنذاك (
اسرائيل ) ...
واذا ما قارنا تلك
الاوضاع والمسببات وما آلت اليه من نتائج بتلك التي عانوها المسيحيين
العراقيين بعد التاسع من نيسان 2003 لتوصلنا
الى نتيجة مشابهة وفي الكثير من حلقاتها تكاد تكون متطابقة من حيث
تفخيخ و تفجير وحرق الكنائس وبشكل منظم ومخطط له وكانت اشدها و اخطرها
تلك السلسلة من التفجيرات الجماعية للكنائس المسيحية في بغداد والموصل
والتي وقعت في توقيت واحد ولمرتين في يوم الاحد ( 1
أغسطس آب 2004 ) حيث
كانت الكنائس مكتظة بالمصلين مما ادى الى سقوط عدد من الشهداء وعشرات
الجرحى ، بالاضافة الى تكرار مسلسل اختطاف رجال الدين المسيحيين وقتل
البعض منهم بصورة بشعة ومتعمدة وايضآ تكرار اختطاف المواطنين المسيحيين
وطلب الفدية التعجيزية احيانآ او فرض شروط ظالمة كاخلاء الدار والرحيل
من المنطقة مقابل اطلاق سراحهم ، او اختطاف البنات والنساء واجبارهن
على اعتناق الاسلام بالاضافة الى تفجير محلات بيع الخمور وقتل اصحابها
واستمرار اسلوب التصفية الجسدية ضدهم وفرض الحجاب على المسيحيات
... والى آخر الانتهاكات لحقوق الانسان المسيحي
العراقي ، وللأسف حدث كل ذلك في المناطق ذات الاغلبية العربية المسلمة
وخاصة الشيعية منها مما اضطر معظم المسيحيين في تلك المناطق على النزوح
والهجرة القسرية الى شتى البلدان المجاورة والقسم الاعظم منهم هجروا
الى شمال العراق حيث تم توطينهم في اقليم كوردستان او في سهل نينوى
.
2- كان من الطبيعي ان تكون وجهة اليهود الذين طردوا
او هجّروا من العراق هي فلسطين ، حيث كان لهم فيها الكثافة السكانية من
بني جلدتهم اليهود بالاضافة الى سهولة الحصول على اراضي
( بغض النظر عن الكيفية )
لغرض استيطانهم فيها .
اما بالنسبة لشعبنا
ولكي لا ندخل في التفاصيل والفرعيات الكثيرة اقول ، ان ما قدمته
الحكومة الكوردستانية لشعبنا المسيحي المقيم اصلآ في الاقليم اوالمهجر
اليه وايضآ ما قدمه شعبنا المسيحي في سهل نينوى لأهلنا المهجرين كان
كبيرأ جدآ ويستحق كل التقدير والاحترام ، بحيث اصبح السبب الرئيس
لإعادة ودعم التواجد الأثني القومي و الديني لأبناء امتنا وشعبنا في
المنطقة أي بتوفير ذلك الدعم ساعد على تكامل شرطي اقامة اي كيان وهما
الارض والشعب ، الارض من خلال تطوير واعادة توطين وتعمير قرانا ومدننا
، اما الشعب من خلال الحصول على كثافة سكانية تكون بحجم الاحتياجات و
المطاليب ، ولا اجافي الحقيقة لو قلت ان ما تلقاه شعبنا المسيحي
المهجّر الى شمال العراق ( الاقليم +
السهل ) من دعم ومساعدة
ومؤازرة لم يكن اقل مما تلقاه اليهود في فلسطين .
3-
الدعم والتعاطف ، صحيح ان اليهود امتازوا علينا في
هذه الناحية حيث كان لهم كل انواع الدعم الخارجي (
المادي والمعنوي ) وخاصة
من الدول العظمى ، روسيا ، بريطانيا واميركا فيما بعد ولكنهم كانوا
يعيشون في وسط معادي ومحاطين بأعداء عرب مجيشين جيوشهم ومصوبين اسلحتهم
تجاههم .
اما بالنسبة لنا ، لا
وعد بلفور لنا ولا دعم خارجي رسمي ، كل ما في الامر هناك بعض التصريحات
الفردية وبعض التعاطف الخجول الذي لا يرتقي الى مستوى الدعم ، لذلك لا
يمكن الاعتماد على العامل الخارجي ولا يمكن اعطاءه نسبة واحد بالمئة من
الأمل والاعتماد .
اذن ليس امامنا غير
التفاعل والتعامل مع العامل الداخلي ، ويأتي في مقدمة تلك العوامل ،
الدستور والقانون والقوى العلمانية والانسانية المؤمنة بالحرية
والعدالة والديمقراطية ، واعتقد لدينا مساحة واسعة من الحرية للتفاهم
مع القوى الديمقراطية العراقية وخاصة مع الاخوة الاكراد الاقرب على
تفهم وضعنا واولياتنا للعمل معهم على تثبيت مطاليبنا في الدستور سواء
كان الدستور الدائم العراقي او الدستور الكوردستاني ، واعتقد ان هذا
العامل هو اضمن واهم من الاعتماد على العامل الخارجي اذا ما استغل
بصورة جيدة ، و اذا نجحنا في استقطاب تلك القوى الى جانبنا عندها لا
نكون بعيدين عن تحقيق بعض حدود مطاليبنا المهمة العادلة والمشروعة
.
4-
اذا كان ما يربط اليهود بارض فلسطين هو التاريخ و
النصوص الكتابية للتوراة ، فإن ما يربط ابناء امتنا الكلدانية من
( الكلدانيين و الاثوريين و(الاشوريين)
والسريان ) بأرض العراق
هو اقدم من أي نص كتابي مكتشف بل هو اقدم من التاريخ نفسه ، اما عن
العشق المسيحي للعراق وتشبثهم بالأرض وحنينهم الى كل ذرة من تراب
العراق فهو نابع من حقهم التاريخي في الارض والوجود ،
فإذا كانت بضع سنوات
من الارهاب والقتل بحق اليهود قد افرغت العراق منهم فإنه ومنذ سقوط آخر
دولة وطنية كلدانية حكمت العراق سنة 539 ق
. م والى يومنا هذا فإن امتنا الكلدانية
تتعرض الى ابشع انواع المؤامرات والاضطهادات والمجازر الوحشية التي
مورست ضدها بموجب عدد كبير من الفرمانات الدينية والعرقية العنصرية
الهمجية الفارسية والعثمانية وايضآ تلك التي اصدرتها ونفذتها فيما بعد
السلطات والجهات العراقية الحاقدة ، لكن ورغم كل تلك الحملات التي تلت
الواحدة بعد الاخرى نجد اليوم ابناء امتنا الكلدانية لا زالوا متشبثين
بأرضهم ويطالبون بحقوقهم الانسانية والتاريخية المشروعة .
5-
هناك الكثير من الخصوصيات الاخرى لشعبنا المسيحي
التي تؤهله لتشكيل وادارة اقليم او منطقة حكم ذاتي له ومنها ، لدى
ابناء شعبنا الرغبة والارادة لانشاء مثل هكذا منطقة وايضآ لما يمتلكه
من القدرات الهائلة على التأقلم بحسب الظروف والعيش مع الآخر و
بالاضافة الى ما يختزنه شعبنا من امكانيات وكفاءات وابداعات فكرية
وحضارية و انسانية ومادية وتاريخية وعلمية عظيمة تتيح له تحقيق آماله
لو قدر له تحويل تلك الامكانيات الى قوة عمل عاقلة وفاعلة .
ولكن هل هذه كلها
كافية ؟ بكل ثقة واطمئنان اقول كلا والف لا امام الفقرة الثانية التي
تكمّل المعادلة التي ذكرناها في بداية المقال والتي تشترط :-
توفر الارادة
العاقلة المتجردة من الأنا، ولكي نكون دقيقين في تحديد نوع العلة التي
نعاني منها وموضعها اقول:-
1- ان العلة او بالاحرى علة العلل التي نعاني منها
هو الشعور بالعظمة الفارغة والانانية المفرطة القابعة في العقلية
المؤامراتية الاقصائية التي تتحلى بها فئة معينة ومعروفة من ابناء
شعبنا المسيحي .
2-
اما موضع تلك العلة ، نحن نعرف ان شعبنا المسيحي في
العراق يتألف من عدة اطياف قومية ومذهبية ، هناك الكلدانيين والسريان
والاثوريين و ( الاشوريين )
والارمن بمختلف مذاهبهم الدينية ، وكل جهة تعتز
بنفسها ولديها الثقة القوية في تكوينها وبكرامتها وبشخصيتها وبتاريخها
ولا تريد ان تسلم ادارة شؤونها لأي كان ولا تقبل ان تجعل من نفسها مجرد
هياكل بشرية فارغة تحركها عقول شوفينية لا تؤمن بغير نفسها، واذا ما
اردنا ان نوضح ماهية كل جهة على حدا وبعد ان ننحي الارمن جانبآ لأنهم
خارج معمعة التسميات ومحاولات فرض النفس على الاخرين فمن دون تجميل
القبيح وستر الخلل نتوصل الى الحقائق التالية :-
1-
السريان :- لم يكونوا في اي
مرحلة زمنية جزء من العلة والمعمعة المذكورة التي خلقها البعض ، بل
كانوا ان صح التعبير جزء من الضحية التي عانت من التهميش والاقصاء
الذي مارسه المسؤولين والسياسيين الاشوريين بحقهم ، وبالاضافة الى
ذلك فانهم ايضآ عانوا من المواقف الغير المسؤولة واللامبالاة التي
انتهجها المسؤولين والسياسيين الكلدانيين تجاه تطلعات ورغبات
السريانيين من ناحيةاعتبارهم قومية عراقية اصيلة ، لذلك كانت ردة
فعل السريان تتأرجح بين طرح تسمية (
السريان ) كمفهوم قومي شامل لكل الاطياف
الاخرى وبين الخضوع والقبول بأي تسمية تضمن ذكر السريان حتى وان لم
يؤمنوا بها .
2- الكلدان:-
لا يختلفوا كثيرآ عن السريان في ما تعرضوا له
من مؤامرات ومن ممارسات احتوائية واقصائية من قبل الاحزاب
والمنظمات والمرجعيات الاشورية ، ولكن الذي اختلفوا عنهم هو ان
الاغلبية الساحقة من الكلدانيين استهجنوا غدر المحسوبين على الاخوة
و رفضوا الخضوع تحت الرايات المهترئة التي تطعن التاريخ وحضارة
الكلدانيين ، مما حذا بهم ان يعبّروا عن وجودهم ويحترموا عقولهم من
خلال الاعتماد على النفس بانشاءاحزاب ومنظمات كلدانية تربطهم
بأصولهم الكلدانية وتحفظ لهم شخصيتهم وكيانهم بعيدآ عن التبعية
والتذيل المهين للآخرين وبعيدآ عن المزايدات اللفظية ورفع الشعارات
الوحدوية الكاذبة والمخادعة ، ولا ننسى دور الآباء الكهنة الذين
استوعبوا هموم وتطلعات الكلدانييين فكانوا خير معين وخير ناصرين و
حافظين لأبنائهم الكلدانيين من انياب الذئاب التي تتربص
بالكلدانيين وهي في ثياب الحملان ، ونحمد الرب فقد بان المستور
الذي كان يواريه الضباب المخادع و المفتعل .
3- الاشوريين:-
للأسف اقول هنا يكمن موضع العقدة التي ارهقت
عموم شعبنا المسيحي ، في هذا الجزء المتقوي على اخوانه الكلدانيين
والسريان يكمن الخلل الخطير الذي قد يحمل بين ثناياه بذور الكره
والحقد وربما الانتقام والتآمر المضاد كرد فعل غاضب ووقائي ضد
الممارسات العدائية والاقصائية الاحتوائية التي تمارسها التنظيمات
الاشورية بحق الكلدانيين والسريان ، فمهما خدعنا انفسنا وغطينا
المستور ، ومهما انشأنا قنوات فضائية وبنينا الدور السكنية ، ومهما
كذبنا على البسطاء والصقنا التسميات ببعضها ، ومهما انكرنا الحقيقة
وجمّلنا قبح واقعنا ومهما ومهما ومهما ...
كلها لن تجدي نفعآ لأننا في الآخر نبقى بيد
واحدة وبجناح واحد وكما تعرفون ان اليد الواحدة لا تصفق والجناح
الواحد لا يطير ، ولأننا اذا كلنا اجتمعنا على قلب واحد وعلى رأي
واحد ومنهج واحد ، وهدف واحد ، ومن دون ان يتخلف واحد من عموم
ابناء شعبنا المسيحي عن الاستجابة لأمر ما ، ربما كلنا مع البعض
وبالشكل المذكور لن نتمكن من ان نفرض وجودنا كما يجب ، وربما لن
نتمكن من ان نثبت ونضمن حقوقنا المدنية والسياسية والانسانية وسائر
استحقاقاتنا التاريخية ، فكيف اذا تخلف عن القافلة جزء لا يستهان
به من ابناء شعبنا ؟ هذا اذا لم ينحرف البعض من هذا الجزء وينخرط
في التيارات الشريرة المزروعة على طول وعرض العراق ، وعندها لا
ينفع الندم لأن المصيبة تكون قد وقعت ، كل ذلك من اجل ماذا ؟
ببساطة شديدة ، من اجل اشباع اوهام و تخيلات واحلام مريضة ومستحيلة
التحقيق واهمها لتحقيق انانية الانا لبعض السادة من ابناء شعبنا
.
ماذا نستنتج من كل ما تقدم :-
إذا كانت كل الشواهد
والظروف التي مرّوا بها كل من اليهود والمسيحيين العراقيين متشابهة وفي
كثير من الحالات كانت تميل لصالح المسيحيين قد هيأت الفرصة التاريخية
لهم ، فهل هي كافية لانشاء كيان خاص بالمسيحيين العراقيين كما تحقق
لليهود ؟ طبعآ الجواب هو كلا ، لأنه وكما قلنا في بداية المقال ان
امكانية استغلال الفرصة التاريخية تعتمد على مدى تحقق الشرط الثاني وهو
توفر الارادة العاقلة لدى الشعوب التي تتجاوز انانية حب الذات على حساب
الاخرين ، فهل نمتلك تلك الارادة العاقلة كما امتلكها اليهود ؟ صحيح
اننا من ناحية العقل والذكاء لا يعوزنا شيء ، ولكن مشكلتنا اننا لسنا
سويين مع بعضنا ، لا في التصرف ولا في النيات ولا في الغايات ، أي اننا
نعمل عكس اتجاه عمل العقل الواعي ،
وبهذا العمل المعاكس
للعقل الواعي نكون قد اسقطنا كل استحقاقاتنا بما فيها مطاليبنا و تفهم
واحترام العالم لنا وبالتالي نكون قد نسفنا الفقرة الاولى التي من
دونها لا شيء يتحقق ونكون قد اهدرنا الفرصة التاريخية التي اتيحت لنا ،
للأسف ولحد هذه اللحظة لا تلوح في الافق أية مؤشرات على صفاء النيات
والعمل بنزاهة وشفافية بين الاخوة المتباكين والعازفين على اوتار
الوحدة .
فهل نسعى للحاق بقطار
الزمن والمستجدات أم سنبقى قابعين في جدلياتنا ومهاتراتنا المزمنة حول
مَن منا هو الاصل ومَن هو الظل ، مَن الاول ومَن الآخر وهكذا نبقى
مخدرين بهيروين الماضي الى ان نجد كل شعبنا مشرد في ازقة وساحات و
متاهات الدول المجاورة بحثآ عن الملاذ الآمن وهربآ من ظلم نفسه لنفسه ؟
.