الارواح الشريرة
قرداغ مجيد
كندلان
منذ القدم
لاحظ الانسان بوجود حوادث غير مألوفة ومخالفة لقوانين
الطبيعة من خلال علاقات واتصالات جرت بينه وبين قوى مجهولة
، هذه الظواهر المبهمة التي لم يجد لها الانسان تفسيرا
يقنع به عقليته بررها بأنها من الظواهر الخارقة أو أرواح ،
في الواقع يتطلب تفسير هذه الخوارق والاحداث ضمن قواعد
ونظريات ثابتة ، والا اعتبرت تلك الحوادث والظواهر من
الامور الشاذة وغير معروفة وتلحق بالخرافات . ومع مجيء عصر
النهضة العلمية بدأ الانسان الاهتمام بدراسة الظواهر
الطبيعية الفيزيائية والكيمياوية والبيولوجية ، وقد قادت
النزعة العلمية في الدول المتقدمة الى الاهتمام بالظواهر
الخارقة التي استطاعت ان تجد لها حيزا في جامعات العالم
المتقدم . الامور الخارقة للطبيعة البشرية والعجيبة
بالنسبة للانسان وعقله المحدود والتي سماها الانسان
بتسميات مختلفة طيلة سني تطوره الحضاري فقد سماها سحرا
وتارة معجزات وخوارق واخرى أحداث غريبة . وفي مقالتي هذه
سوف اتطرق فقط الى الارواح الشريرة حسب الكتاب المقدس .
يتبادر الى
ذهن الانسان السؤال : من اين جاءت الارواح الشريرة وما
علاقتها بالانسان ؟ والجواب : خلق الله الملائكة على اساس
الخدمة ، لذلك إذا أخلوا بحدود خدمتهم ، خرجت عن مستواها
في النقاوة والطاعة وتثقلت بالخطيئة وهبطت ولم تعد ترقى
الى السموات ، بل انحطت لتسكن المواضع السفلية من الكون :"
كيف سقطتَ من السماء ايتها الزهرة ، ابنً الصباح ؟ كيف
حطمتَ الى الارض ياقاهرَ الامم ؟ قد قلتَ في قلبكَ : اني
اصعدً الى السماء ارفع عرشى فوق كواكب الله واجلس على جبل
الجماعة في اقاصي الشمال ،أصعد فوق أعالي الغيوم وأكون
شبيها بالعلي . بل تهبط الى مثوى الاموات الى أقاصي الجب
." ( اشعياء 14: 12 – 15 ) ، ويؤكد سفر الرؤيا :" ونشبت
حرب في السماء ، بين ميخائيل وملائكته حاربوا التنين ،
وحارب التنين وملائكته ، فلم يقو عليهم ، ولا بقي لهم مكان
في السماء . فألقي التنين الكبير ، الحية القديمة ، ذاك
الذي يقال له ابليس والشيطان ، مضلل المعمور كله ، ألقي
الى الارض وألقي معه ملائكتـــه ." (رؤيا 12: 7- 9 ) . مما
يدل ان اعمال الشيطان انحصرت على الارض ، وبذلك اراد
الشيطان بسبب حسده ان يسقط الانسان ظنا منه ان الموت سينهي
على مستقبل أدم ، المخلوق اصلا على غير فساد ، ويظل ساقطا
الى الابد كما هو حال الشيطان نفسه :" فإن الله خلق
الانسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الالهية لكن بحسد
ابليس دخل الموت الى العالم ." ( حكمة 2: 23 و 24 ) ، هنا
علينا ان نتذكر كيف غرس الشيطان الكذب في شعور أدم وحواء ،
وفي اللاشعور ايضا ، حينما قال لحواء في حواره الخادع
الماكر المميت ردا على قول حواء :" وأما ثمر الشجرة التي
في وسط الجنة ، فقال الله : لاتأكلا منه ولا تمساه كيلا
تموتا . فقالت الحية ( الشيطان ) للمرأة : موتا لا تموتا
." ( تكوين 3: 3 و 4 ) . وهذا هو منطق الشيطان في نفي الحق
واخفائه تحت ستار المعقول والواقع ، فالشيطان ابرز العصيان
، ونفى الموت واخفاه عن حواء تحت ستار المعرفة :" فالله
عالم انكما في يوم تأكلان منــه تنفتح اعينكما وتصيران
كالهه تعرفان الخير والشر ." ( تكوين 3: 5 ) . والكتاب
المقدس يوضح بأن الارواح الشريرة تستحوث على الانسان
الضعيف لبعده عن الله مما يؤدي الى احتلال شخصيته واملاء
ارادتها وسلطانها على فريستها باوجه عديدة ومحزنة ، حتى ان
الانسان يفقد شخصيته وارادته ، ولكن الشيطان يخضع لسلطان
المسيح ويرتعب من اسمه وصليبه . وعادة الارواح الشريرة
فوضوية وصاخبة ، كما عبر عنها علماء الباراسيكلوجي (
بالروح الضوضائية ) ، والانجيلي مرقس يعلمنا بأن :" رجل
فيه روح نجس ، فصاح ... " ( مرقس 1: 23 ) ، والصوت العظيم
الذي يصرخ به عند الخروج هو انهزام وفوضى ، وقد عبر السيد
المسيح له كل المجد عن الانسان المستحوث عليه ان يكون "
بيتا " خاصا للروح الشريرة . والارواح الشريرة ضعيفة
وجبانة ترتعب من سلطان المسيح ، فمجرد ان سمع الروح النجس
صوت المسيح وهو يعظ لم يطق ان يسمع الصوت فقاطع المسيح ،
لذلك اخرسه السيد المسيح :" فانتهره يسوع قال : اخرس واخرج
منه " ( مرقس 1: 25 ) . الارواح الشريرة لا تحتمل اسم
المسيح من أفواه اناس قديسين ، ولا تطيق سماع صوت الانجيل
او علاقة الصليب من انسان قديس . لان الامر الصادر من
انسان فيه روح الله يلزم الروح الشرير بقوة ضاغطة على
الخروج . والصوت العظيم الذي يصرخ به الروح عند الخروج هو
انهزام وفوضى ، لان استحواث الروح على الانسان يفقد
الانسان حريته وحركته ، وخروج الروح يمزق النفس ويتركها
مهددة . ولكن الاندهاش الشديد ان المسيح اخرج الشيطان من
الرجل بكلمة واحدة ( اخرج ) . وبولس الرسول التفت الى
الجارية وقال للروح الشرير :" آمرك باسم يسوع المسيح ان
تخرج منها ، فخرج من وقته ." ( اعمال 16: 18 ) ، ولما قال
بولس الرسول هذه الاقوال خرج الروح الشرير من الجارية .
وهكذا تمت نبوة السيد المسيح القائل بشأن المؤمنين به :"
فباسمي يطردون الشياطين " ( مرقس 16: 17 ) .
فالشيطان يقدم
مشورته التي تقوم على الكذب والتزييف ، فإذا رفضها الانسان
بمقتضى وصايا الله التي يعيش بها ، يتلاشى الشيطان من
الوجود في محيط العمل الفردي لمدة تتحدد بصلابة الانسان في
الحق ، ولكن إذا قبل الانسان مشورة الشيطان وافكاره
المزيفة والمعروفة انها ضد الحق ، فأنه يكون قد أوجد
الشيطان محلا ومسكنا ووجودا . وهذا هو الدور الذي اتخذه
اليهود لانفسهم تجاه السيد المسيح ، وهذا ما اعلنه السيد
المسيح عنهم انه قد صارت لهم طبيعة الشيطان في الكذب
ومقاومته الحق :" انتم اولاد ابيكم ابليس تريدون اتمام
شهوات ابيكم ." ( يوحنا 8: 44 ) . وهكذا اقترب الشيطان
وجنوده من ارضنا واستبد بجنسنا ، فقد استحكمت العداوة بين
الشيطان والانسان منذ البدء ، اذ تميز الانسان عنه في قربه
من الله وفي محبة الله له وفي معرفته النهاية المجيدة التي
سينتهي اليها الانسان .
الارواح
النجسة عندما كانت تنظر الى السيد المسيح كانت ترتعب وتقع
على الارض وتصرخ: " مالنا ولك ، ياابن الله " ( متى 8: 29
) ، الامر الذي كان يشعر به الانجيلي مرقس وهو يدون هذا
الاعتراف الخطير في مبدأ انجيله :" بدء بشارة يسوع المسيح
ابن الله " ( مرقس 1: 1 ) . كما ان سلطان اخراج الشياطين
الذي كان بحوزة السيد المسيح كان من صميم طبيعة تجسده :"
وانما ظهر ابن الله ليحبط اعمال ابليس ." ( 1يوحنا 3: 8 )
. لهذا يجب ان لا يخاف الانسان من الارواح الشريرة لان
الارواح الشريرة والنجسة لا يمكن ان تمس انسانا مؤمنا
ايمانا صحيحا قويا ، وبالتالي تكون استحالة قاطعة ان
تستحوذ على انسان له علاقة روحية وقلبية مع يسوع المسيح
له كل المجد . ولماذا السيد المسيح بالذات ؟ لان السيد
المسيح هو قاهر الشيطان وقد ربط رئيس الشياطين على الصليب
وافقده قوته التي كانت له . وكما اكد السيد المسيح انه
لاتوجد قوة ان تخرج الشيطان عنوة وتمنعه من العودة الا قوة
الصلاة ، العلاقة الروحية الممتدة والتمسك بالمسيح ، ومع
الصوم وهو الانقطاع عن الاكل والشهوات وحفظ الجسد طاهرا
حتى لا يأخذ الشيطان فرصة على الانسان بسبب اعمال تعمل
بإيعاز الشيطان :" ولما دخل البيت ، انفرد به تلاميذه
وسألوه : لماذا لم نستطع نحن ان نطرده ؟ فقال لهم :" وهذا
الجنس من الشيطان لا يخرج إلا بالصلاة والصوم " ( متى 17:
21 ) .
ايها الانسان
المؤمن لاتخاف من الشيطان والارواح الشريرة ، لان لك
النعمة من ربنا يسوع المسيح ، اميــــــن .