الكلدانيون
وهوية كركوك الأصيلة
منصور توما
ياقو
خلال تجوالي في
مواقع الانترنيت العراقية دخلت الى موقع اسمه ( التركماني دوت
كوم
"
موسوعة تركمان العراق "
)
، واثناء تصفحي لمحتوياته من خلال المواضيع المنشورة في الصفحة
الرئيسية للموقع لفت انتباهي عنوان لكتاب اسمه ( من حوادث
كركوك ) لمؤلفه السيد نجاة كوثر اوغلو ، وتفاصيل الكتاب على
الرابط التالي :-
http://www.alturkmani.com
بصراحة ان ما
ذكره المؤلف في مقدمة الكتاب يغنينا عن التعليق او اضافة
ملحوظة لأنه قد نجح في ايصال فكرة الكتاب القائمة على تدوين
مترابط ومتسلسل للأخبار والوقائع والاحداث التي شاهدتها مدينة
كركوك للفترة ما بين 1700 – 1958 م ، واهمية هذا الكتاب تكمن
في انه يوثق الاحداث والاخبار بحسب تسلسلها الزمني ويغطي فترة
زمنية تزيد عن القرنين والنصف من حياة مدينة كركوك ، ومن
الممكن سرد محتوى الكتاب على شكل النقاط التالية :-
1- ان
الفترة الزمنية التي يغطيها الكتاب من 1700 م الى 1958 م والتي
تساوي 258 سنة ، هي اكثر من كافية لتحديد اصول سكان مدينة
كركوك ، وخاصة تلك الاصول التي لها حضورها وتواجدها المستمر في
المدينة .
2- ان معظم
مادة الكتاب هي مجرد احداث ووقائع لا تتحمل النفي من حيث
شخوصها وتواريخها اما عن اسبابها وظروفها فهذه لا تهمنا ولا
تدخل ضمن مجال بحثنا هذا ، لذلك لا يمكن ان يختلف اثنان على
تلك الوقائع ولا مجال لنكرانها إلا من كان مكابرأ او مَن عمت
عينيه العصبية المتطرفة .
3- تسلسل
الاحداث بحسب تواريخها مع ذكر شخوصها وابطالها باسمها الصريح
ولفترة زمنية تزيد على القرنين والنصف تخرس كل لسان او قلم
يحاول انكار حقوق أي من السكان الاصليين لمدينة كركوك .
4- هذا الكتاب
يذكّرنا بأن الحقيقة ستبقى حقيقة ولها وجه واحد ولن تغيّرها
الاقنعة التي تحاول حجبها او الاستحواذ عليها ، وحتى اذا كتمت
فإنها ستبقى كامنة في حقائق التاريخ الى ان تأتي اللحظة التي
تتحرر من الهيمنات ومن كل القيود التي فرضت عليها .
عمومأ نعود
للكتاب ( من حوادث كركوك ) الذي يغطي الاخبار والاحداث التي
وقعت في مدينة كركوك للفترة من 1700 م الى 1958 م لمؤلفه نجاة
شكر كوثر اوغلو ، وسوف اتطرق فقط للأحداث والاخبار التي تذكر
تكوين ابناء امتنا سواء بصفتهم الدينية كمسيحيين او بصفتهم
القومية كجزء من تفاصيل تلك الاحداث والاخبار ، حيث جاء ذكرهم
ضمن الفقرات التالية :-
1- ان اول
اشارة تؤكد بأن الكلدانيين هم من السكان الاصليين في مدينة
كركوك ورد في النص التالي من الكتاب المذكور :-
(1162 هـ - 1749 م
- تم قبول مذهب الكاثوليك رسمياً من قبل نصارى التركمان
الذين يعيشون في كركوك . واطلق عليهم بعدها بـ (الكلدانيين)
وفي الاصل تنتمي هذه الطائفة الى
قبائل
الغز (اوغوز) التركمانية . ) انتهى الاقتباس
إذن وكما ذكرنا
سابقآ ومن دون الدخول في تفاصيل الحدث فأننا نستفاد من النص
المذكور بأنه في سنة 1749 م كان المسيحيون العراقيون يسكنون
مدينة كركوك ، وبغض النظر عما اذا كان هؤلاء المسيحيون من (
نصارى تركمان ) كما يصفهم المؤلف وربما اعتبرهم تركماناً بسبب
تكلمهم اللغة التركمانية كما هو حال الكلدانيين والسريان الذين
يتكلمون العربية فالبعض يعتبرهم عرباً وكذلك بالنسبة للمسيحيين
الذين يتكلمون الكردية يعتبرونهم اكراداً ، سواء كانوا كذلك او
غير ذلك او كانوا من النساطرة الذين نبذوا تلك النسطورية
المفروضة عليهم وعادوا اسوة باخوانهم في عموم العراق الى صيغة
ايمانهم الكاثوليكي الأول فهذه كلها ليست مجال بحثنا هنا ولكن
ما يهمنا هو ان هؤلاء المسيحيين كانوا يتسمون بالكلدانيين أي
كانوا من القومية الكلدانية ، وهذا يفيد بأن الكلدانيين كانوا
جزءاً من السكان الاصليين لمدينة كركوك وبالتالي لهم من الحقوق
التاريخية تمامآ كتلك التي للأكراد والتركمان والعرب واليهود
.
2- اما الاشارة
الثانية التي ذكرت وجودنا الكلداني في مدينة كركوك فقد وردت
في اخبار سنة 1862م عندما قام الكلدانيون في كركوك ببناء
كنيسة لهم ، وجاء ذلك في النص التالي :-
1279 هـ-1862 م
- تاسيس كنيسة الكلدان في قلعة كركوك . وتعرف باسم ام
الاحزان و يسميها العوام باسم (نماز ئه وى) بمعنى دار الصلاة ،
ويقال انها بنيت على انقاض
كنيسة اقدم منها . الا ان بقايا البناء الحالي هو
التجديد الاخير لها عام 1903 م .
وانهارت هذه الكنيسة في عام 1965 . وقد قامت الهيئة
المسؤولة بصيانتها برفع كافة الانقاض منها وترميم اعمدتها
واقواسها .
3- اما أخبار
سنة
1893م
فانها تذكر احصائيات عن بعض المنشآت التي كانت قائمة في مدينة
كركوك حيث ورد ذكر وجود ( 3) ثلاث كنائس في المدينة في تلك
السنة .
4- مرة اخرى
تأتي أخبار سنة 1903 م لتؤكد وتنفرد بذكر التسمية الكلدانية و
الكلدانيين كمكون قومي واجتماعي وحيد لأبناء امتنا جنباً الى
جنب مع الاكراد والتركمان والعرب واليهود في مدينة كركوك ،
وهذا نجده في النص التالي :-
1321 هـ - 1903 م
- في هذه السنة كانت في كركوك عدة مدارس للطوائف غير
المسلمة منها:
1.مدرسة ابتدائية بأسم ( كلدانى مكتبى ) أي المدرسة
الكلدانية والجماعة المنتسبة للمدرسة كانت من الكلدانيين .
وعدد طلابها (55) تلميذا منها (50) ذكور و(5)
اناث , وانشئت هذه المدرسة دون اخذ رخصة او الموافقة من
الجهات المعنية .
- تجديد وترميم بناية
كنيسة الكلدان الواقعة في قلعة كركوك الذي تم انشاؤها عام
(1862) م
5- 1338هـ -
1920م
:- اجراء احصاء تخميني لعدد نفوس لواء كركوك من قبل الحكومة
البريطانية ، وادناه نص الخبر :
قدرت الحكومة البريطانية سنة 1920 نفوس العراق , ولم يستند هذا
التقديرالى التسجيل والاحصاء , بل على التخمين . واسفرت
النتيجة بأن نفوس لواء كركوك
(92000 نسمة) منها (90000 مسلم) و(1400 موسوي) و(600
مسيحي) . "169.ص31
رغم عدم
امكاننا الاعتماد على الارقام المذكورة لأنها مجرد ارقام مبنية
على التقدير والتخمين ، الا ان العدد المعلن لمجموع المسيحيين
والذي قُدِرَ بـ ( 600 ) شخص هو عدد غير حقيقي ، لأنه لو
عملنا مقارنة عقلية بين عدد الكلدانيين في سنة 1903 مع عددهم
في سنة 1920 وهي سنة الاحصاء التخميني يتضح لنا مدى الغبن
والاجحاف الذي ألحقه ذلك الاحصاء التخميني بعدد الكلدانيين في
مدينة كركوك ، فلو رجعنا الى اخبار سنة 1903 فنجد للكلدانيين (
55 ) طالباً مسجلاً في المرحلة الابتدائية فقط وفي مدرسة
واحدة وهي المدرسة التي تحمل اسمهم القومي ( كلداني مكتبي )
علماً بأن هذه المدرسة لم تكن مسجلة رسميآ ، فكم يا ترى كان
عدد طلابهم في المدارس الرسمية وفي المراحل الاخرى آنذاك ( أي
في سنة 1903م)؟ بالتأكيد يكون الرقم اضعافاً مضاعفة ،
واستناداً الى ذلك من المنطقي ان يكون عدد المسيحيين في كركوك
في سنة 1903 م اكثر من 600 شخص ، فكيف يعقل وبعد 17 سنة أي
في سنة 1920 م يكون عددهم 600 شخص لا غير؟!
رغم ذلك وحتى
لو اعتمدنا الرقم 600 لعدد المسيحيين في مدينة كركوك فإنه من
الخطأ اللجوء الى تطبيق معيار النسبة المئوية بين
الرقم 600
والرقم 92000 لاستخراج النسبة المئوية لعدد المسيحيين في مدينة
كركوك ، لأن الرقم 92000 هو مجموع عدد النفوس لعموم لواء كركوك
( قرى + نواحي + اقضية + مركز اللواء ) بينما الرقم 600 هو عدد
نفوس المسيحيين في مركز مدينة كركوك لأنه ليس هناك قرى او
نواحي اواقضية تابعة للواء كركوك وكان فيها تجمعات مسيحية ،
ما يؤكد كلامنا
هذا هو النتيجة الرسمية والحقيقية لعدد نفوس مدينة كركوك (
المركز ) والذي تم احصاؤه وتسجيله رسميآ في سنة 1927 م ، فعند
الرجوع الى الاحداث والاخبار التي جرت في تلك السنة نقرأ النص
التالي :-
1927
م
-
اجراء عملية تسجيل النفوس يوم 1 تشرين الاول , حيث بلغ نفوس
العراق انذاك 2.968754 نسمة اما نفوس مدينة كركوك (المركز) بلغ
35000 نسمة.
فإذا كان عدد نفوس مدينة كركوك ( المركز ) في سنة 1927 م هو
35000 الف نسمة ، فكم يكون عدد نفوسها في سنة 1920م ، تلك
السنة التي خمن فيها عدد نفوس المسيحيين بـ ( 600) شخص ؟
بالتأكيد كان اقل من 35000 الف نسمة ، ومع ذلك لا يجوز عمل
مقارنة مئوية لأن الاحصاء التخميني الذي جرى في سنة 1920 لم
يكن دقيقآ في عدد المسيحيين كما انه لم يذكر عدد نفوس مدينة
كركوك ( المركز) ، اما عملية تسجيل النفوس التي جرت في سنة
1927 فإنها ذكرت عدد نفوس مدينة كركوك ( المركز) ولكنها لم
تذكر عدد المسيحيين ، لكن
ومهما يكن من
أمر فإن الاحصاء المذكور وبغض النظر عن شرعيته او نزاهته او أي
تفاصيل جانبية متعلقة به فإنه يؤكد على ان الكلدانيين هم ايضآ
من السكان الاصليين لمدينة كركوك و بالتالي يجب اشراكهم في كل
اللجان والعمليات السياسية الخاصة بمدينة كركوك من اجل تثبيت
حقوقهم ومستحقاتهم التاريخية في المدينة . مع التأكيد على
امانة ذكر كلمة الكلدانيين لوحدها أي كتسمية لذاتها من غير
اضافة تسميات اخرى لها او تشويهها بحذف احرف منها كما جرى
مؤخرآ، نريدها كما وردت في كل مفاصل الحياة وخلال كل المراحل
والحقب التاريخية التي مرّ بها العراق .
6-
1342هـ - 1923م
في هذه السنة
أي بعد اكثر من مائتي سنة من ذكر تسلسل الاحداث والاخبار في
مدينة كركوك فقد تم الاشارة ولأول مرة على ذكر الاخوة
الاثوريين ، علمآ بأن هذا الذكر لم يأتِ على كونهم مكوناً
اساسياً من المجتمع المدني او كسكان اصليين لمدينة كركوك كما
هم الكلدانيون بل ذكروا كعناصر او قوات متطوعة في الجيش
البريطاني والتي كانت تسمى بقوات ( الليفي ) ، والملفت للنظر
ان المؤلف قد استند في تعريفه مكونات تلك القوات بأنها تتكون
من التياريين الذين اطلق الانكليز عليهم لفظ ( الاثوريين ) عن
المؤرخ العراقي السيد عبدالرزاق الحسني
فى كتابه
(تاريخ الوزارات العراقية الجزء اول صفحة 198) . وحتى التقرير
البريطاني الخاص عن ادارة العراق يسمي المنتمين لتلك القوات
بالتياريين ، وانا لم اذكر هذه الملحوظة الا من باب تسمية
الاسماء بمسمياتها الاصلية ومن باب عدم خلط الحقائق تحت
ادعاءات وشعارات مضللة ، ولا شك ان الدفاع وحماية حقوق
الكلدانيين هي مسؤولية كل كلداني غيور على كلدانيته كما هو حال
ابناء كل الامم والاقوام الاخرى ، اما النص الذي ذكر الاثوريين
فقد ورد في النص التالي :-
(- ارسال ونقل قوات الليفي (وهم العصبة النسطورية من
الاثوريين التى جأت بها بريطانيا , وجندت افراداً لحراسة
مستودعاتها وتحقيق اهدافها من السيطرة على البلاد من الموصل
الى كركوك بعد احتجاج اهالى الموصل لدى الحكومة
العراقية , وهم جيش مرتزقة يسميهم الاهالى التيارية
وتسميهم سلطات الاحتلال بـ"لليفي" ). اتصلت الحكومة العراقية
بدار الاعتماد البريطانى , وبحثت الوضع في لواء الموصل في ضوء
الاحتجاجات الواردة اليها. وابرقت وزارة الداخلية الى
متصرفية الموصل برقيتها المرقمة 14179 والمؤرخة في 12
ايلول 1923 . يتضمن مضمونها ان الليفي الموجودين في راوندوز
لا يرجعون الى الموصل , ولن يبقى هنالك الا مركز القيادة وبعض
الوحدات . وسترسل بقية الليفي الموجودين في الموصل الى كركوك .
ادى هذا الى فاجعة التيارين في كركوك
, وفي يوم 4 ايار 1924 وهي مجزرة رهيبة ).
( ملاحظة :
للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع الى احداث واخبار سنة 1923
و1924 و1925
7- اما
الاخبار اللاحقة عن الاثوريين فقد وردت في سنة 1924 م و1925
وللأسف فقد تطرقت بالتفصيل على الحادثة المؤلمة التي وقعت
بتاريخ 4 أيار 1924 بين المتطوعين في الليفي وبعض اهالي مدينة
كركوك .
8- المرة
الاولى التي ذكر فيها الاثوريون كتجمع مدني في مدينة كركوك
كانت في سنة 1949 م وذلك عندما ذكر فريق الاثوريين لكرة القدم
.
ومن المعروف ان
عدم الاتفاق على هوية كركوك ووضعها الجغرافي قد دفع الامور
وخاصة بين التركمان والعرب من جهة والاكراد من جهة اخرى الى حد
ينذر بالانفجار اذا لم تراعِ الاسس القانونية والانسانية
والتاريخية في تثبيت واستعادة كامل الحقوق المغتصبة للسكان
الاصليين من الاكراد والتركمان والكلدانيين والعرب واليهود ،
اما المحاولات الجارية على اسباغ هوية واحدة على المدينة فهذا
خطأ فادح وتجاوز على حقوق الاخرين كما انه مخالف للتاريخ
والوقائع ، وان ما يدعو للأسف والتعجب هو تجاهل الاخوة الاكراد
والتركمان والعرب على حد سواء للحقوق التاريخية للكلدانيين في
مدينة كركوك ، فإذا كان تجاهلهم لحقوق اليهود بحجة عدم وجود
لهم في المدينة في الوقت الحالي ورغم ان ذلك هو غبن تاريخي
يلحق بهم ، فما هو عذرهم عندما يتجاهلون الحقوق التاريخية
للكلدانيين في مدينة كركوك ، وخاصة ان واقع اليوم يشهد بتواصل
وجودهم البشري والمؤسساتي في المدينة ؟، اما بالنسبة لجغرافية
المدينة او عائدية المدينة فهذا يتم تقريره بعد الاعتراف
وتثبيت هوية المدينة للقوميات الخمس المذكورة ومن ثم اللجوء
الى اجراء استفتاء بين سكان المدينة ليختاروا وفق ارادتهم
الحرة مسألة انضمامهم الى اقليم كردستان أم لا ، ولا اعتقد عند
ذلك يكون من حق أي جهة او شخص ان يقف بالضد من حرية واختيار
اهل مدينة كركوك .
وختامآ ، وكما
يقال ، لا يصح الا الصحيح ولا مناص من ان يتعايش جميع سكان
كركوك التعايش الأخوي والسلمي في مجتمع متعدد الاقوام
والثقافات والاتجاهات وفي ظل سيادة القانون على الجميع
واحترام حقوق الانسان وعدم التمييز في الحقوق العامة على اساس
الدين او العرق او بين المرأة والرجل وعدا ذلك فإن أي وضع يفرض
على مدينة كركوك واي اهمال او تجاهل للحقوق التاريخية
للكلدانيين في مدينة كركوك سيكون بمثابة الاستمرار في ذات
السياسة التي انتهجها النظام السابق وهذا ما يرفضه كل عراقي
اصيل وعراقية اصيلة ، وعندها سيكون للتاريخ كلمة وشهادة .
منصور توما
ياقو