Home      الرئيسية

 Articles مقالات

 Interviews    مقابلات

 Chaldean Society مجتمعنا الكلداني

 من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

kaldu.org  كلدو

    Contact Us اتصلوا بنا  

     April 19, 2007    

 

 خلاصة تاريخية في مجامع كنيسة المشرق الكلدانية
 بين القرنَين الرابع والسادس

لماذا عُقِدَت وماذا كانت أهدافُها ؟
 مَجمَع ساليق الأول عام 317 م

مُلاحظة :  لقد نَشَرتُ هذه الخُلاصة بحلقاتِها العشرة  في موقع عنكاوا قبل أعوام ثلاثة ، ونزولاً عند رغبة الكثيرين مِن القراء  قَرَّرتُ إعادة نشرها في موقع  كلدايا . نيت  . 

الحلقة الاولى

  مُنذُ أبكر العصور كان الإنسانُ بطبعِه مَيّالاً الى المجدِ والعُلى ، يسعى بكُلِّ طاقتِه  الى السؤددِ  مُستغِلاًّ كُلَّ فرصةٍ سانحة ، غَيرَ مُقتصر على وسيلةٍ واحدة مشروعةٍ كانت أو وضيعة شَرطَ أن توصِلَه الى غايتِه المنشودة ، وقد رَوى لنا التاريخُ حَولَ ذلك رواياتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى جَرَت حوادِثُها بين أركان السطوة والسياسة مِن ملوكٍ وأباطرةٍ وقادة ، ولم يقتصِرُ الأمرُ بهذا الشأن على الأنظمةِ  المدنية وَحدها ، إذ لم تَنجُ مِنه الأنظمة الكنسية أيضاً ، إنه مَيلٌ طبيعي وطموحٌ غريزي مشروع ، وما أجملَه وأسماه لو نالَه المرءُ عن جدارةٍ ومقدرة ، أما إذا حَصِلَ عليه بطرق غير مُستقيمة فتَنتُجُ عنه بلا شَكٍّ نتائجُ وخيمة .

سَرَدتُّ هذه المُقدِّمة لكي لا يتفاجأَ القرّاءُ الأعِزّاء ، عندما أروي لهم في هذه الحلقة والحلقاتِ التالية الواقعَ المَرير الذي مَرَّت به كنيسة المشرق بسبب النِزاع الداخلي على السُلطة الرئاسيةِ الاولى بين مطارنتِها وأساقفتِها ومدى تأثير التَدَخُّلات الجانبية الداخليةِ والخارجية التي رافقت مسيرَتَها الطويلة . 

حتى مطلَعِ القرن الرابع لم تَكُن الأنظمةِ والقوانين الكنسية قد شُرِّعَت في كنيسة المشرق ، وإن لَقبَ الجاثاليق ( لفظة يونانية تعني " الأب الرئيس " ) ولقبَ البطريرك لاحقاً ( لفظة يونانية أيضاً وتعني " الرئيس العام " ) وكذلك لقب الميطرابوليط وتعني ( رئيس الأساقفة )  . هذه الألقابُ الثلاثة لم تَكُن معروفة ولذلك لم يَجري تَداوُلُها ، واللقب الوحيد الذي كان مُتداوَلاً ( المطران أو الأسقف ) فيُقال على سبيل المِثال : اسقف المدائن  ، اسقف نصيبين  ، اسقف أربيل والى آخره  وقد ظلَّ هذا اللقبُ وحدَه ساريَ التَداوُل حتى سنة 410 م . 

مع بداياتِ الجيل الرابع  وبحَسَبِ ما  رَواهُ المؤرخونَ  في  كُتُبِهم  <  مشيحا زْخا - القرن السادس ،  إيشو عدناح مطران البصرة - القرن الثامن ،  إيليا بَرشِنّايا مطران نصيبين - القرن الحادي عشر ،  بالإضافة الى كتاب التاريخ السِعردي  >  إزدادَت الرَعِّياتُ الاسقفية في ربوع المملكةِ الفارسية الى حَدٍّ كبير وكانت كالآتي : - 

1 - منطقة كَلدو أو ( بيث كَرمايي )  :المَدائن ، كُشكُر ، بيث كُشكُرايي ، ميشان ، براث ميشان ، وسَدْ شابور  ( دير محراق) .

2 - المَنطقة الوُسطى  :  كَرخ سلوخ ( كركوك )  ، شهرقرد ( شرقاط ) ، بيث نيقاطور ،  حَرباث كَلال ،  بيث مِسكيني ، بيث حَزَّايي ،  لاشوم  و دارا .

3 - المَنطقة الشمالية  : نصيبيـــن ،  بيث زَبداي  ،  أرَزون  ،  سِنجار  ،  أربيل  ،  وحانيثا .

4 - مَنطقة الأهــــواز   : شوشان  ،  شوشتَر  ،  بيث لاباط  ،  وهرمزأرداشير .

5 - مناطق ماداي وفارس والخليج  :  حلوان  ،  ريوأرداشير  ،  وبيث قطرايي  .

6 - منطقة أذرببيجان   :  الدَلم ( البحرين ) 

وكما أسلفنا في المُقدِّمة ، إن المَيلَ الغريزي الإنساني نحو العظمةِ والسُمُوِّ لم يخلُ مِنه أقطاب الكنيسة الجامعة عموماً وقادة كنيسة المشرق خصوصاً ، وإذ كان على رأس كُلِّ رَعيَّةٍ مِمّا ذَكرناه أعلاه  اسقفٌ أو اسقفان ،  ويقومُ الأساقفة برعايةِ شؤون رَعِيّاتِهم بموجِب التقليد الذي وَضَعَه الرُسُل والتلاميذ ناشرو بِشارةِ الخلاص المسيحية ومؤَسِّسو الكنائس الأولون ،  ولم يَكُن هنالك رئاسة كنسية مَركزية يَرتبطونَ بها ، ومِن جُملة هؤلاء الأساقفة ، كان مار بابا اسقفاً على المدائن عاصمة المملكة الفارسية  ،  يَروي عنه المؤرخان الكلدانيان  عَمرو و ماري وكذلك إبن العِبري بأنه كان رَجُلاً يَمتاز بالذكاء والحزم ، يُتقِنُ اللغتَين الكلدانية والفارسية  وطَموحاً جداً ،  مِمّا حَدا به أن يُطالبَ بإنضواء جميع مطارنة وأساقفة المملكة تحت رئاستِه  بإعتباره اسقف المدائن العاصمة ،  فأحدَثَ طَلَبُه هذا رَدَّ فِعلٍ عنيفاً لدى أغلب الأساقفة ، فثاروا عليه  وأخذوا يُلفِّقون ضِدَّه تُهَماً باطلة وأخطاءً ليست له بها صِلة ، كتبوا تفاصيلَها ضِمنَ كُتُبٍ وكراريسَ ونشروها بين أبناء الكنيسة ،  إلاّ أن مار  بابا  وبِفضل مَوقِعِه القوي  تَحَدَّى مُقاوِميه  وتجاهلَهم ، إذ بادَرَ الى رسم أساقفةٍ مِن المُوالينَ له  وقَلَّدَهم كَراسيَ  بعض الأساقفة المُعارضينَ له  ،  ولم يَنجُ قسمٌ مِن الأساقفة والكهنة والشمامسة المُعترضين  مِن تَطاوُلِه  عليهم  مُظهراً لهم الإحتقارَ وعدم الإعتبار  ، ولكن ذلك لم يَدُم طويلاً  ،  فقد حَزَمَ الأساقفة المُناوئون أمرَهم على المقاومة ،  ومِن أجل ذلك إتَّحدوا وجَمعوا لهم الأنصارَ وأجبَروا مار  بابا  على عقدِ مَجمع في ساليق للبَت في أمر الخلاف الناشب وإنهاء هذه الفوضى العارمة ،  وتَمَّ عقدُ المجمع في ساليق عام 317 م . وقد ورد في كتاب التاريخ السعردي والسنهادوسات ( مجامع الكنيسة الكلدانية النسطورية ) أن المجمع كان مؤَلَّفاً مِن الأساقفة التالية أسماؤُهم : - 

1 - الخصم الرئيسي مار  بابا  اسقف المائن

المناوئون :

2 - ميليس اسقف شوشان

3 - داود اسقف براث ميشان

4 - يوحنان اسقف ميشان

5 - ابراهيم اسقف شوشتَر

6 - انراؤس اسقف دير محراق

7 - عبديشوع اسقف كُشكُر

8 - كوديا اسقف كونديشابور

9 - عَقبالاها اسقف كرخ سلوخ

وانضَمَّ الى جانبِهم ضِدَّ مار  بابا  كهنة المدائن بزعامة شمعون بَرصَبّاعي ، وعِقبَ صَخَبٍ وجدال حاميَين أصدر المجمع قراراً بعزل مار  بابا  عن كُرسي المدائن ، وتنصيب شمعون بَرصَبّاعي بدلاً مِنه  .

رُوِيَت بين طيّات قِصَّةِ مار ميليس واقعةٌ جَرَت بينه  وبين مار  بابا  أثناء انعقاد المجمَع ، ذلك أن مار ميليس وَقفَ في وَسَط المُجتمعين بِمَن فيهم مار  بابا  ووَجَّهَ الى  بابا إنتقاداً حاداً جاءَ فيه ( ما  لي أراكَ تتطاولُ بِتَكَبُّر على إخوتِكَ ، هل غابَ عن بالِكَ قولُ رَبِّنا ،  مَن أرادَ مِنكم أن يكونَ الأكبرَ فيكم ، فليَكُن خادماً لكم ! ) فرَدَّ عليه مار  بابا  بِحِدَّةٍ  ( أيها الجاهِل ، أأنتَ تُعَلِّمُني واجبي ؟ )  فاهتَزَّ مار ميليس مِن الغضبِ  ، ووضَعَ الإنجيلَ الذي كان بِيَدِه على وسادةٍ قبالة مار بابا  وقال له : ( إن كان صعباً عليكَ ما قلتُه لكَ لأنني إبنُ آدم ، فإليكَ الإنجيل ومِنه تَعَلَّم ) فتجَرّأَ مار بابا ورَفعَ يَدَه ووعها فوق الإنجيل غاضباً وهو يقول : ( تَكَلَّم أيها الإنجيلُ تَكَلَّم ) وللحال هَبَطَ شيءٌ مِن السماء يُشبِه البرق فأصابَ شَقَّه بالشلَل . إلاّ أن هذه الحادثة  ورد ذِكرُها خِلال مناقشاتِ آباءِ مجمع ساليق الرابع على عهدِ الجاثاليق مار داديشوع المُنعقِد عام 424م بشكلٍ مُغاير وفقَ ما جاءَ بكتاب السنهادوسات ، تُفيدُ بأن الأساقفة المعارضين لِمار  بابا  أظهروا له عِداءً حاداً وسافراً ، وإذ رأى ما كان يدور حَولَه مِن مظاهر الظلمِ والإفتراء وشهاداتِ الزور ، لم يستَطِع كَبتَ غضبِه ، فمَدَّ يَدَه وضَرَبَ الإنجيلَ قائلاً : ( تَكَلَّم أيها الإنجيلُ تَكَلَّم ) وبسبب عدم اقترابِه مِن الإنجيل بشكل لائق وبِتَهَيُّبٍ  ، ضُرِبَ في جِسمِه للفور  . 

وَرَدَ في كتاب السنهادوسات أيضاً أن مار بابا  وبعد إقصائه مِن منصبِه  ، بَعَثَ بِرسالتَين إحداهما الى الملكة  هيلاني  والدة الملك الروماني قسطنطين الكبير والثانية الى أهالي نصيبين ،  وبِسِتِّ رسائل اخرى الى كُلٍِّ  مِن اوسابيوس اسقف روما  وقرياقوس اسقف اورشليم   ومار يعقوب اسقف نصيبين  ومار أفرام النصيبيني والآباء الغربيين  والملكة هيلاني  للمرة الثانية ،  فكَتَبَ إليه الاسقفان  اوسابيوس وقرياقوس  يُعربان له عن أسَفِهما وسُخطِهِما ، ويُعلِمانه  بأن الملكَ قسطنطين وامَّه الملكة هيلاني يَكُنّان له الإكرامَ ويَرغَبان أن تبنيَ كنيسة في ساليق وقد أرسلا لكَ آنية كنسية  وأضافا بأن الملكة هيلاني تَطلُبُ  أدعِيَتَكَ ،  وبعث إليه  مار يعقوب ومار أفرام والآباء الغربيون برسائل جَوابية يُعَبِّرون فيها عن امتعاضِهم مِمّا تَعَرَّضَ له  ويَجبرونَ خاطِرَه ويسألونَه أن يَغفِرَ للأساقفة الذين أجرموا بِحَقِه  .

تَلَقى مار  بابا هذه الرسائل بعد أن كان قد إستنجَدَ مُسبقاً بأساقفة ما بين النهرين الذين كانت تخضعُ مناطقُ كراسيهم الاسقفية لسُلطةِ المملكةِ الرومانية ، حيث ذَكّرَ المؤرخُ مشيحا زْخا  ، بأن مار بابا أرسَلَ إليهم رسائل ضَمَّنَها تَظلُّمَه  مِمّا لَحِقَ به مِن ظلم وتَعَسُّفٍ ، سائلاً إيّاهم الوقوفَ الى جانبِه بأحَقِّيَتِه في مَنصب الجثلقة  ، وكان مِن ضمنِ هؤلاء الأساقفة  سَعدا ( شاعاد ) اسقف الرها ، فاستجابوا لِنِدائه وكَتَبوا بهذا الخصوص الى الملك قسطنطين الكبير مُلتمسين مِنه  مُساعدة مار  بابا في مِحنَتِه .  قَدَّرَ الملكُ إلتماسَهم ولَبَّى طَلَبَهم ، حيث فاتَحَ الملكَ الفارسي شابور بالأمر عَن طريق سفيره لدى المملكة الفارسية الذي نَقَلَ إليه رَغبة  ملكِه  بإعادة مار  بابا  الى مِنصبِ الرئاسة ، وعِندذاكَ لم يَبقَ أمام الأساقفة الذين خلعوا مار  بابا  إلاّ الإمتثال للأوامر الملكية  وتقديم الطاعة لرئيسِهم الجاثاليق مار  بابا  الذي استعادَ كُرسيَّ الجثلقة في المدائن ثانية  . وفي هذه الأثناء كِتَبَ أسافة الغرب رسالة مُشتركة موَجَّهة الى أساقفة المملكة الفارسية الكلدان يَطلِبونَ مِنهم إطاعة أوامرَ مار  بابا  رئيسِهم مُهَدِّدينَ بِحَرم كُلِّ  مَن يتجَرّأ على عدم طاعتِه  ، ودامت رئاسة مار  بابا  إثنتا عشرة  سنة  بِحَسَبِ ما ذُكِر في قِصَّةِ مار ميليس المذكورة في كتاب أعمال القديسين والشهداء ، وكانت وفاتُه سنة 329م ، وفي تلك السنة ذاتِها انتُخِبَ شمعون بَرصَبّاعي جاثاليقاً خَلَفاً له  . 

يُعتبَرُ النِزاع الذي حَدَثَ بين الجاثاليق مار  بابا  وأساقفتِه أولَ نِزاع في تاريخ كنيسة المشرق الكلدانية الأصل والمنشأ ، ويُجزِم المؤرخون المُستَشرقون ومِن بينهم الأب لابور ، بأن مار بابا كان أولَ جاثاليق جَلَسَ على كُرسي المدائن ، ويؤَيِّدُ ذلك المؤرخ  مشيحا زخا ، شَمَلَت سُلطتُه جميعَ أساقفة المملكة الفارسية . والى الحلقة الثانية عن مجمع ساليق الثاني قريباً 

الشمّاس كوركيس مَردو

في 14 / 4 / 2007

 

 

*****************************************