|
خُلاصة
تاريخية في مَجامِع كنيسة المشرق الكلدانية ما بين القرن الرابع
والسادس
لماذا
عُقِدَت وماذا كانت أهدافُها ؟
مَجمَع ساليق الحادي عشر عام 596 م
الحلقة الحادية
عشرة والأخيرة
يروي التاريخ السعردي بأن كِسرى أبرويز الثاني كان في حداثةِ
سِنِّه هاوياً بل مُغرَماً بمُراقبة النجوم ، واضعاً ثقتَه
واتِّكالَه على حركاتِها الى جانب انغماسِه بالمِلَذات حتى
أُذنَيه ، ولمّا إستَتَبَّ له أمرُ المُلك بعد كثير مِن
المُعَوِّقات ، أقدمَ على إطلاق سِراح كبار أعيان الدولة الذين كان
والدُه هرمزود الرابع قد أمرَ بمُصادرةِ أموالهم ومُمتلكاتهم
وزَجِّهم بالسجون ، فأكسبَه هذا العمل محبة الناس واغتباطِهم به .
وبالنسبة للنصارى لم يسمَح بإضطهادهم فحسب رغم كونه مُعادياً
للبطريرك ايشوعياب ، بل شَمَلَهم برعايتِه وأغدقَ عليهم بسخاء
لتجديد كنائسهم إكراماً وامتناناً لملك الروم موريقي الذي آزَرَه
في مِحنتِه التي تحدثنا عنها في الحلقة العاشرة ، وفضلاً عن ذلك
كان متزوجاً مِن إمرأتين مسيحيتين مريم إبنة موريقي ملك الروم
وشيرين الآرامية مِن ميشان ، وقد شيَّدَ لمريم كنيستَين ولشيرين
كنيسة عظيمة وقصراً فخماً في بَلاشبار وهو لازال قائماً حتى يومنا
هذا ويُعرفُ بقصر شيرين . لم يبخل الملك كِسرى أبرويز الثاني
بلإكرام النصارى طيلة بقاء موريقي ملك الروم على قيد الحياة ،
ولكنَّ الكلدان النصارى بعد اغتيال موريقي دَخَلَ الشغبُ الى
نفوسهم وراحو يوقِعون ببعضهم البعض ، فتغَيَّرت نظرة الملك الفارسي
تُجاههم فوصل به الإمتعاظ الى الحد الذي سمح بإضطهادِهم .
يذكرُ المؤرخان
الكلدانيان عمرو وماري وكذلك جاءَ في التاريخ السعردي بعد وفاة
البطريرك ايشوعياب الأروزوني ومرور عدةِ أشهر إكتمَلَ إجتماعُ
مطارنة وأساقفة الكنيسة والنُبلاء النصارى المُقرَّبين مِن الملك
وفي مُقدمتهم طجربَد درجرو وكان ذلك في أواخر خريف عام 591 م
لإختيار خَلَفٍ له ، ومِن بعد إستئذان الملك كِسرى أبرويز الثاني
عقد آباءُ الكنيسة في المدائن اجتماعهم يوم الجمعة الثالثة مِن
الصوم عام 596 م ولما طال الخلافُ بينهم مدة قاربت الشهر دون
الإتفاق على اختيار الخلف ، رفع طجربد الأمرَ الى الملك فأمر ملكُ
الملوك كِسرى أبرويز بإنتخاب سبريشوع اسقف لاشوم ، وبحسب ما جاءَ
بقصة حياة سبريشوع التي طبعها الأب بيجان ، بأن اختيار الملك
لسبريشوع جاءَ وفاءً مِنه لِما لَقِيه مِن الاسقف سبريشوع مِن
خِدمةٍ وتقدير وإكرام كبيرين عند عودتِه على رأس الجيش الرومي
عِبرَ بيث كَرماي وهو في طريقه لمُحاربة مُغتصب عرشه بهرام جوبين ،
والى إيمانِه أيضاً بأن انتصارَه على خَصمِه المُغتَصِب كان بفضل
دُعاء مار سبريشوع الذي طلبَه مِنه نَرساي القائد الرومي عند
زيارتِه له قبل التحام جيشه بجيش بَهرام ، بالإضافة الى ما جاءَ
في التقليد بأن كِسرى أبرويز الثاني عند تَصَدّيه للعاصي باسطام
واحتدام القتال بينهما ، أفزَعَته قوة مُقاتلي باسطام وكثرة عددِهم
، وبينما هو يُفَكِّر وكاد يَعمَدُ الى الهزيمة ، ظهرت أمامه بغتةً
صورة شيخٍ راهبٍ قصير القامة مُمسكاً بيده عصا ، أوقفَ حصانه
بقَبضِه على لجامِه وسحَبَه مِن على ظهره بقوة ودفعه لخوض الحرب
بلا خوف فحالفه النصر ، وسرد هذه الرؤيا على مَسمَع زوجتِه شيرين ،
فقالت له : إن الشيخ الذي ظهر لك هو سبريشوع اسقف لاشوم خادم الله
المتَّقد الغيرة لإظهار مجد ه للبشر ، فوعد الملك بمكافأتِه في
الوقت المُناسب ووفي بعهده عندما أمر بإختياره بطريركاً
وعندما عَلِمَ
الملكُ بغياب الاسقف سبريشوع عن اجتماع المطارنة والأساقفة المعقود
في المدائن ، أمر فوراً بتوَجُّه فِرقةٍ مِن خَيالتِه الى لاشوم
لإحضار اسقفِها سبريشوع ، ووصلَ الى المدائن العاصمة يوم الإثنين
ثاني يوم الشعانين ، ونزلَ في قصر الملكة شيرين ، وفي اليوم الثالث
مِن وصولِه وكان خميس الفصح اُصطِحبَ مار سبريشوع مِن قبل الآباء
وجمع كبير مِن المؤمِنين بمَوكبٍ عظيم الى الكنيسة الكُبرى
تَخلَّلته التراتيل والمزامير ورُسمَ بطريركاً ، ولدى انتهاء
المراسيم خرج مار سبريشوع للسلام على الملك ، بيدَ أنَّ الإزدحام
كان شديداً جداً عاقه مِن الوصول الى القصر الملكي إلاّ بعد مرور
الساعات الثلاث الاولى مِن الليل ، فخرج لإستقباله العاملون في قصر
شيرين حاملين الشموع والمباخير ومُرَنِّمين التراتيل، ودخل الى
الديوان الملكي مصحوباً بالأساقفة وكبار وُجهاء المؤمنين ، وبعد
السلام على الملك تَقَدَّم البطريرك بالدعاء له ، ثمَّ سأله
الموافقة على تعيين مار ميليس اسقف شِنّا نائباً للبطريرك وأن
يأذَنَ للأساقفة بالبقاء في المدائن شهراً إضافياً لكي يعقد
مَجمَعاً كنسياً للتَداول في مُختلف شؤون الكنيسة فلَبّى الملكُ
طلبَه .
وتَمَّ عقد
مجمَع ساليق الحادي عشر في شهر أيار مِن نفس العام 596 م وكانت
هَرطقتا الحنانيين والمونوفيزيين أهم المواضيع التي بَحثَها
الآباءُ المُجتمعون ، وكما أوضحنا في الحلقة السابقة بأنَّ
الحنانيين كانو يُخالفون تفاسير العالم الكبير تِئودوروس المصيصي
ويُنادون بطبيعتَين واقنوم واحد للمسيح نظيرَ الخلقيدونيين ، وكانت
نصيبين مَقَرَّ تَرَكُّزهم حيث كان حنانا زعيمُهم قد تَولّى رئاسة
مدرسة نصيبين الذائعة الصيت ، وقد أحدَثَت تعاليمُهم سجساً وبلبلة
في الكنيسة الكلدانية النسطورية لمدة قرن مِن الزمَن أي منذ منتصف
القرن السادس وحتى منتصف القرن السابع ، ولكي يوضَعَ حَدٌّ لهذا
الخطر الجسيم ، يقول إيليا بَر شِنّايا في تاريخه ، أقدم آباءُ
المجمَع على تعيين غريغور اسقف كُشكر مطراناً لنصيبين ، لشُهرتِه
الواسعة وغِناهُ العِلمي وغيرتِه المُتَّقدة على الإيمان القويم ،
وبسبب حِدَّة طَبعِه وصرامتِه المُفرطة أخفقَ في مُهِمَّتِه ، حيث
أبدى قساوة شديدة تُجاه كُلِّ مَن يتحَدّاه ، حيث يقول كويدي ، ما
إن بَلغَه بأن رُهبان أديُرة سِنجار مُتشَبِّثون بهرطقة المُصَلّين
حتى بادر الى طردِهم، فتظلَّموا كما ذكر كتابُ السنهادوسات الى
الملك مُلتمسين أن تُحَلَّ تَبَعِيَة أديُرتِهم عن سُلطة مطران
نصيبين وتُربَط بسُلطة البطريرك ، في شهر آذار مِن عام 598 م
قَدِمَ الى المدائن رهبان مِن دير بَرقيطي ودير حَذثا ودير آخر لم
يُعرف إسمُه وقطعوا عهداً للبطريرك مار سبريشوع بأنهم لا زالوا
وسيبقون أمينين على إيمان الكنيسة ومُقِرّين بتفاسير تِئودوروس
المُفَسِّر وخاضعين لقوانين الرهبنة المصرية ولن يسعوا للتجوال في
المدن والقرى أبداً فولفقَ مار سبريشوع على وضع اولئك الرُهبان تحت
إشراف الاسقفَين بريخيشوع وآبا ورَبطِهم بالكُرسي البطريركي كما
طلبوا دون أن يُسمَح لأيِّ مطران أو اسقف التَدَخُّل في شؤونهم ،
ولم يتوانى غريغور عن مُعاقبة جميعَ كهنةِ نصيبين ووُجهاءَها
المُوالين لحنانا بمُنتهى الصرامة .
ولما علم
غريغور بما قام به مار سبريشوع بصدد الرهبان ثَقُلَ عليه الأمر
جداً مِمّا أدَّى الى قيام عداءٍ ونزاع بينه وبين البطريرك ،
واستَغَلَّ ذلك أهالي نصيبين وقَدَّموا شكوى الى البطريرك ضِدَّ
مطرانهم غريغور ، كما تَلقَّى البطريرك رسالة مِن حنانا ، يشرحُ
فيها حقيقة مُعتقدِه وينتقد تَصَرُّفات غريغور ، فاضطرَّ مار
سبريشوع كما يقول كويدي والتاريخ السعردي أن يطلب مِن الملك بأن
يأمر بنفي غريغور ، ويُضيف المصدران أعلاه بأنَّ أهالي نصيبين
أعلنوا العصيان على الملك في شهر أيار لعام 599 م وقتلوا مُحافظ
الحدود لأسباب لم تُعرَف ، فتَمَلَّك الغضبُ الملكَ كِسرى أبرويز
الثاني لدى سماعِه الخبر ، وللحال أمر القائدَ نكوركان أن يقود
قوة كبير مِن أفراد الجيش ويستصحِبَ معه البطريرك سبريشوع وكُلاًّ
مِن اسقف بيث كِرماي وحِدياب ونصبين لكي يطلبوا من أهالي نصيبين
تقديم الطاعة للملك ، فتَحَدَّث البطريرك الى النصيبيين أن يفتحوا
أبواب المدينة مؤكِّداً لهم السلامة والأمان دون أن يعلم بالشر
الذي قد أضمره القائد نكوركان ، وما إن فتحوا الأبواب حتى هَجمَت
القوات على السُكّان ونَكَّلوا بهم بمُنتهى الشراسة وأعملوا في
المدينة حَرقاً وتخريباً ونهباً وسلباً ، وقاموا بقتل جميع وُجهاء
المدينة وأشرافِها ، وتَمَكَّنَ عددٌ كبير مِن الهرب الى بلاد
الروم أما الذين أسِرَهم نكوركان فجاء بهم الى العاصمة ووُضِوا في
السجون وماتوا فيها ، والبقية التي سَلِمَت تَعَرَّضت للذل والهوان
. تأثَّر مار سبريشوع جداً وتَملَّكَه الحزنُ الشديد بما تَعرَّضَ
له أهالي نصيبين ، وتَحَدَّثَ الى القائد نكوركان بأسفٍ مُعاتباً
إيّاه على حَنثِه باليمين الذي قطعه له .
بالرغم مِن قيام
نكوركان بإبلاغ الملك بتأثُّر البطريرك وحُزنِه لِما جرى لإهالي
نصيبين وعتابه له لنَكثِه بوَعده ، إلاّ أنَّ الملك لم يُقَلِّل
مِن مكانة البطريرك لديه وإظهار الإكرام له ، كما إنَّ الملك
الرومي موريقي وبحسب ما ذكره المؤرخ ماري وما أوردَه التايخ
السعردي أعرب عن اشتياقِه الكبير لرؤية مار سبريشوع حتى إنَّه
بَعَثَ إليه بمُصَوِّر ليأخذ صورتَه ، ولم ينقطع عن مُراسلتِه وفي
إحدى رسائله أضاف الى طلب دُعائه طلباً يلتمسه فيه أن يبعث إليه
قُلُنسوتَه ليتبَرَّكَ بها ، فطلب البطريرك مِن موريقي بالمُقابل
أن يبعثَ إليه بجزءٍ مِن خَشب الصليب المقدس ، فأمر موريقي أن
يُصاغَ صليبٌ مِن الذهب ويُرصَّعَ بالجواهر ويوضَعَ في داخلِه جزءٌ
مِن خشب صليب المسيح له المجد وبعث به الى مار سبريشوع ، ولكن
الملك كِسرى أبرويز عَلِمَ بأمر الصليب فاستولى عليه قبل أن يصل
الى البطريرك ، ولم يفعل ذلك إلاّ لحُبِّه المُفرط لزوجتِه المؤمنة
شيرين حيث نزعَ خشبَ صليب المسيح مِن داخله وأهداه لها ، وإذ
عَلِمَ البطريرك بما فعله الملك أعادَ الصليبَ الى موريقي كاتباً
إليه ما يلي : " حاجتي القصوى كانت ذلك الجزء مِن خشب الصليب
المُقدس ، فإنَّ الملك أبرويز أخذه وأهداه لزوجتِه شيرين التي
يَكُنُّ لها الحُبَّ المُفرط،
فإذا تَكَّرَّمَ جلالتُكم بجزءٍ آخر سأكون مُمتناً وإلاَّ فإن
الذهب بدونه لا حاجة بي إليه " .
في هذه الأجواء
قَرَّرَ الملك الرومي موريقي إرسال مبعوث له كسفير الى الملك
الفارسي كِسرى أبرويز الثاني والبطريرك سبريشوع ، هو الاسقف بروبا
الفيلسوف والعالِم والبليغ اللغوي باللغات اليونانية والآرامية
والعِبرية ، يُسَمّيه التاريخ السعردي ( ماروثا ) والمؤرخ ماري
يُطلق عليه ( فروا ) وكِلا الإسمَين مُحَرَّفَين مِن الأصل بروبا
، وكما يذكر السمعاني وابن العِبري عُرفَ باديء الأمر
بمونوفيزيتِه ولكنَّه نَفَر مِنها ومالَ بقوةٍ الى الكثلكة
فاختيرَ اسقفاً لمدينة خَلقيدونية ، وعند وصولِه الى المدائن أرسل
الملكُ الفارسي لإستقباله طجربد درجرو أحد كبار رجال الدولة
المسيحيين المُقَرَّبين إليه ومعه تِئودوروس اسقف كُشكُر ، وعَبدا
اسقف بيث دارايي وبختتيشوع رئيس مدرسة المدائن فاستقبلوا بروبا
بهُندامِه الجميل ، وعندما حان الوقتُ ليُقابل البطريرك للسلام
عليه ، دَخل الى قِلاَّيتِه فوَجَدَ في زاويةٍ مِنها شخصاً جالساً
على المِسح( قطعة منسوجة مِن الشعر الخشن ) بثيابٍ رَثّة وعلى
رأسِه قُلُنسوة ، سألَ مُرافقيه مُندهشاً مِن يكون الرَجُل ؟
فقالوا له إنَّه البطريرك مار سبريشوع ، فعقدت الدهشة لسانَه ،
وكان البطريرك قبل وصول الاسقف بروبا قد جيءَ إليه بفتى أخرس واعمى
فأبرأَه ، فازدادت حيرة الاسقف بروبا ونَطق قائلاً : "إنها الحقيقة
يا خادم الله الصَفي ، فإن فَخرَ بِنتِ الملك كُلَّه مِن الداخل /
مزمور 45 الترجمة البسيطة / والذين يلبسون الثيابَ الناعمة هم في
بيوت الملوك / متى 11 - 8 " .
مكث السفير
الاسقف بروبا ضيفاً على البطريرك مار سبريشوع لمدة شهرين يُرافقه
الى ديوان الملك كِسرى ويَحضر القداس الإلهي الى جانبه ويتناول
القربان دون تَرَدُّدٍ ، وقبل عودتِه الى بلاده ، قام الاسقف بروبا
بزيارة مدرسة المدائن ، وأكرمَ تلاميذَها بمِنَح مالية ، كما إن
البطريرك مار سبريشوع حَمَّلَه هدايا نفيسة وأطياباً فاخرة مِن
التي تأتيه مِن الهند والصين ، ومِن جانبٍ آخر رَغِبَ الملك كِسرى
أبرويز أن يبعث بسفير الى الملك الرومي موريقي يُرافق بروبا في
طريق عودتِه ، فاختير لهذه المُهِمّة ميليس اسقف شِنّا ، ولدى
مُقابلة السفير ميليس للملك موريقي لَقيَ مِنه ترحيباً كبيراً
وإكراماً جزيلاً ، وزَوَّده بذات الصليب الذهبي المُرصَّع
بالجواهر المُعاد إليه بعد أن وضع بداخلِه جزءاً آخر مِن خشب
الصليب المُقدس لجلبِه لمار سبريشوع
البطريرك.
وكان سبريشوع
مِن مواليد عام 524 م ومسقط رأسه هو قرية فيروز آباد في حدود
شهرزور ، ويتحَدَّث عن مَولده المؤرخ ماري والتاريخ السعردي ،
بأنه كان مُنتخَباً منذ أن حَبِلَت به والدتُه ، فقد رَوَت
والدَتُه القصة التالية : بأنها حَلُمَت ليلاً بأنَّها رُزقت
أبناً ورأته على الكُرسي جالساً وبإزار مُلتحفاً وفوق رأسه تاجاً
مِن الذهب مُنتصباً والجنود أمامَه سجوداً والمكان مِن حواليه
بجمهور مِن الناس مُزدحماً يلتمسون مِنه تَبَرُّكاً .
ولما أصبحَ
سبريشوع يافعاً طُلِبَ منه أن يكون للغنم راعياً ، ولم تمض إلا
فترة غير طويلة حتى دَخَلَ الدير وغدا راهباً ، وما إن أتقن
المزامير حتى انتقل الى مدرسة نصيبين في عهد رئيسِها أبراهام دبيث
رَبّان ، فانكَبَّ لنهل العِلم دون أن يُهمل حياة التَقَشُّف ،
وعندما أنهى دروسه في المدرسة لمدة تسع سنوات ، غادرها الى جَبَلٍ
مِن جبال قردو ومكث فيه ثلاثة أعوام كما جاء في قصتِه ، وانتقل
بعدها الى جَبَل شعران في منطقة بيث كِرماي وبقي مُختلياً فيه لمدة
خمسة أعوام ، وكان الله يُجري على يده مُعجزاتٍ جَمّة فانتشر
خَبَرُه بين الملأ وأضحى هدفاً لحَسدِ المجوس ، فأوعزوا الى مسؤول
تلك الناحية لإلقاء القبض عليه وإرساله الى حاكم كرخ سلوخ ( كركوك
الحالية ) وتَمَّ العفو عنه لفقدان أيِّ دليل ضِدَّه ، وفي أثناء
بقائه في لاشوم وافت المَنِيَّة اسقفَها مار سابا ، فأجمع أهاليها
على انتخابه اسقفاً لهم ، وبحسب ما ورد في قصتِه بأن بختيشوع
مطران كرخ سلوخ هو الذي رسمَه اسقفاً ، بينما يذكر التاريخ السعردي
بأن رسامتَه قد تَمَّت مِن قبل البطريرك ايشوعياب ،
ومَهما
يَكُن فإنه كان اسقفا قديراً وفاضلاً وغيوراً على إعلاء مجد الله
، ولعظمة تواضعِه ومَحبته لبني البشر وعُمق ايمانِه كان الله
يُظهِرُ مَجدَه على يَدَيه، فذاع صيتُه كثيراً حتى أنَّ الملك
الفارسي هرمزد الرابع بعث بمَن يُبلغه برغبته في رؤيتِه فلَبَّى
طلبَه .
وعِقبَ عقد
الصلح بين الدولتين الكبيرتَين والغريمتين آنذاك الفارسية
والرومية أيام الملك الفارسي كِسرى أبرويز الثاني وموريقي قيصر
الروم ، جرى تبادل السفراء فيما بينهما ، فلم يكن يأتي سفير
روماني دون أن يذهب لزيارة مار سبريشوع في المدائن لنيل بركتِه ،
بل إنَّ القيصر موريقي نفسَه بعث إليه هدايا نفيسة مُرفقاً معها
رسائل طالباً فيها دُعاءَه وبَرَكَتَه ، كان سبريشوع مُتَّقِدَ
الغيرة فاندفع يجوبُ البلاد المُجاورة بهِمَّةٍ نادرة يدعو
الكثيرين مِن المجوس والوثنيين للإهتداء الى الديانة المسيحية
الحَقَّة ، وقد إستَنجَدَ به نساطرة الحيرة عندما بدأ المونوفيزيون
اليعاقبة بنشر بِدعتِهم بين أهالي الحيرة النساطرة ، فقدِمَ إليهم
سبريشوع اسقف لاشوم المسموعُ النداء مِن قبل الرب يصحبُه ايشوع زخا
رئيس الدير ، فَخزيَ اليعاقبة أمام تعاليمه وانبهر بها الملكُ
النعمان ، فأمر بطرد اليعاقبة مِن مَملكتِه كما ورد في التاريخ
السعردي .
في عام 602 م
حَدث تَمَرُّدٌ في مملكة الروم إثر مؤامرة دَبَّرها أفرادٌ في
الحاشية الملكية ، إستطاع المُتمَرِّدون قتل الملك موريقي ومُبايعة
فوقا ملكاً بدلاً مِنه ، فاستعَدَّ الملك الفارسي كِسرى أبرويز
الثاني للتحَرُّك والأخذِ بثأر حَمِيِّه الملك موريقي المغدور به
واستعادة المُدن التي كان قد تنازلَ عنها له ، فقاد بنفسِه حملة
عسكرية وتَوَجَّه نحو مدينة دارا عام 604 م مُستصحباً معه البطريرك
مار سبريشوع ، ولكنَّ البطريرك لم يستطع مواصلة السفر معه الى دارا
لكُبر سِنِّه حيث كان قد ناهز الثمانين عاماً ، فاستبقاه الملكُ في
نصيبين ، فداهمَه مرضٌ ثقيل كما يذكر كويدي والتاريخ السعردي لم
يستطع جِسمُه المُتعَب مُقاومتَه ، وما إن إتَّصَلَ خبرُ مَرضِه
بالملك حتى أوفدَ للحال مُرافقَه طجربد درجرو للإستفسار عَن
صحَّتِه طالباً أن يَشمُلَه بدُعائه ، ولم يُمهِل المرض مار
سبريشوع طويلاً فتُوُفِّيَ يوم الأحد المُوافق للثامن عشر مِن شهر
أيلول لنفس العام 604 م ، وهو يوم تذكاره لدى الكلدان النساطرة .
وبناءً الى توصية الملك تَمَّ تحنيطُ جُثمانِه وأُلبِسَ الثياب
التي أُرسِلَت مِن قبل الملك كِسرى أبرويز وزوجتِه الملكة شيرين ،
وعُطِّرَ بالمِسكِ والكافور ووُضع في تابوت ، وجاهدَ أهالي نصيبين
ليُدفَنَ في مدينتهم ، كما حاولَ أهلُ الحيرة أخذَه لدفنِع عندهم ،
بيد أنَّ تلاميذَه أبلغوا الملك بأنَّ البطريرك كان قد أوصاهم
بدفنِه بالدير المُشَيَّد مِن قبله في كرخ جدان مِن بيث كَرماي
فأَذِنَ لهم بذلك .
الشماس كوركيس
مردو
في 9 / 7 / 2007
|