بقلم يوحنا بيداويد
ملبورن/استراليا
لا يشك أحد بان امريكا وحليفاتها الدول الغربية
تُؤمن اٍيمانا قاطعا بان الديمقراطية هي الحل
الامثل لمجتمعاتها . وان شرارة الثورة الفرنسية
جلبت لها النور الذي كشف الطريق الصحيح لبناء
المجتمع على اسس واقعية بعيدة عن النظريات
المثالية و الاساطير . كما ان الحركة الاشتراكية
في القرن التاسع عشر والعشرين دفعت العالم
الراسمالي لتقديم الدعم الكامل للمجتمع والفرد
وكذلك اجبرته على تلبية طلبات الطبقات الفقيرة من
ناحية الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل والضمان
الاجتماعي. وفي النهاية كانت النتيجة هي ان قرار
شعوب اوربا وامريكا اصبح في ايدي الناخبين
والصحافة والمؤسسات الديمقراطية.
كذلك كانوا شعوب الدول الغربية امناء مع القيم
الديمقرطية، فتخلت الكنيسة عن نفوذها الغير
الضروري في السياسة فتم فصل الدولة عن الكنيسة
وتخلت هذه الشعوب عن القبلية والعشائرية والمذهبية
ولم يغضوا النظر عن كل مخالف او سارق او مرتشي
اومزور او مستفيد على حساب المجتمع مهما كان موقعه
رفيعا في الدولة او في المجتمع. وقد كان للاعلام
دور الرقيب الامين على جميع السلطات في عملهم.
حاولت امريكا ادخال مفهوم الديمقراطية مع تحريرها
او احتلالها للعراق منذ سنة 2003، لكن يبدو
الديمقراطية لم تجد من يشتهيها او يدافع عنها في
العراق لحد الان لذلك تغيرت لهجة الرئيس الامريكي
في الدفاع عنها او نشرها في زيارته الاخيرة
لمدينة الانبار وحتى قرار بتروس- كروكر الاخير لم
يشدد على المهمة التي اعلنوها في بداية الحملة،
كذللك يمكن ملاحظة اقوال بقية السياسيين في البيت
الابيض والكونجرس وعموم الدول الغربية هنالك تغير
في لهجتهم عن موضوع نشر الديمقراطية في الشرق
الاوسط..
ربما جاء هذا التغيير بعد اقتناع امريكا ان شعوب
دول العالم الثالث لا سيما العربية منها لازالت
لا تعي او انها لا تريد الديمقراطية بالطريقة
التي تريدها امريكا او النظام الغربي و وقد
حُمِلتْ الديمقراطية والديمقراطيون في هذه
البلدان مهمة الدفاع عن الاديان والتقاليد والقيم
التي توارثها شعوبها من الاجيال السابقة التي تعود
الى قرون ماضية. فعوضا ان يكون حق التصويت
وابداء الرأي شيئا مقدسا لانه تعبير عن الذات
ومحل الافتخار ودافعا للانسان الشرقي للتطور
والتقدم وبناء الحياة ، تم تسخير هذا الحق من اجل
التمسك بالقبلية والمذهبية والاصولية الدينية.
تذكرني هذه الصورة بقصة افلاطون في شرحه عن
نظريتة عن المثل حيث يصف ان احدا من الساكنيين في
عالم الكهف استطاع الخروج ورؤية النور والحياة
والمدنية فرجع وطلب من جماعتة الذين يعيشون في
عالم الظلمة ان يتبعوه الى خارج الكهف لكنهم في
النهاية عادوا الى الكهف ورفضوا الحياة امام نور
الشمس!!.
في الحقيقة يبدو ان امريكا اجبرت على تغير
استراتيجيتها بسبب عدم نجاحها في اثارة مشاعرشعوب
المنطقة ضد طغاتها بكل انواعهم من اجل الحرية
والديمقراطية لان الظروف المناخية الحالية في
المنطقة لم تساعد على انضاج الفكرة . لهذا نرى
فرنسا وبريطانيا وغيرهم من الدول الاوربية تعود
للتعامل وبصورة متلهفة مع القوى الدكتاتورية ومثل
تعاملهم مع العقيد القذافي الذي كان لحد فترة
قريبة من اعضاء الرئيسيين في مجمع الشر حسب اوصاف
بوش!
ونفس الحال معظم الدول العربية التي تحكم شعوبها
بدرجات متفاوته من الدكتاتورية لاسيما في بلدان
الخليج العربي لان اغلب الانظمة العربية الموجودة
الان هي نفسها قبل نصف قرن من الزمن ، حيث رفعت
شعار التحرير ونيل الاستقلال من الاستعمار لكن بعد
الاستقلال تحولت الى انظمة طاغية على شعوبها لا
زالت نفس الاحزاب ونفس القيادات تقود هذه
البلدان وحسب نفس النظريات والمصطلحات الرنانة
الفارغة!.
اما لماذا تراجعت امريكا وغيرت سياستها ؟
الجواب يكمن في ان الديمقراطية عملت عكس ما كانت
امريكا وغيرها تتوقع. فعوض ان تزيد من كتلة
الجمهوريين ومحبي الديمقراطية و التمتع بالحياة
العصرية الحرة ، عملت على زيادة النفوذ للتيارات
الدينية في كل هذه المجتمعات، لابل تفوقت هذه
التيارات وصعدت الى القمة في بلدان لها تاريخ عريق
في الديمقراطية قارب قرن من زمن مثل تركيا
والمغرب وكذلك زاد نفوذ هذه التيارات في الدول
ذات طابع النظام الجمهوري سودان مصر وسوريا
وعراق وباكستان وكذلك اردن و السعودية اما ايران
وافغانستان فولدت جمهوريتهما من رحم الفكر الديني
الاصولي.
اما بلدنا العزيز العراق اصبح مختبرا لسياسي
ومفكري كافة الدول من اجل اجراء تجاربهم واعادة
سباكة افكارهم العقائدية ، لا بل اصبح العراق
ساحة المعركة بين تكتل العالم الشرقي المتمسك
بالدين واهدابه دون اجراء اي تصحيحات ضرورية التي
يلزمها لتتواكب مع الزمن وتطور الحياة وبين عالم
الغربي الذي في كل يوم يزداد سرعة تطوره وتقدمه
الاقتصادي الامر الذي يزيد هذه الهوة بين الشرق
والغرب.
لقد جربت امريكا كل
انواع الادوية والاسلحة والاستراتيجيات فخابت
امالها في ادخال مفاهيم الديمقراطية في الشرق لحد
الان، لابل اعطت النتائج دروسا بليغة لها ،
قوامها بان معظم شعوب المنطقة لازالت نائمة في
العالم القديم لحد الان ، وان درجة الرغبة عندها
معدومة او لم تصل الى قيامها بالثورة على واقعها
مثلما حدثت في الثورة الفرنسية قبل قرنيين. او
بمعنى اخر انهم يعيشون الواقع الذي عاشته اوربا
قبل 150 سنة او اكثر اي زمن الثورات الاوربية.
لذلك لم يبقى امام امريكا طريق اخر لتقوية نفوذها
في عالمنا الشرقي العربي سوى الاعتماد على الطغاة
والملوك والامراء ورؤساء العشائر ورجال الدين
وغيرهم الذين هم في الحكم او لديهم نفوذ في
المجتمع، لان عدد محبي الجمهورية في هذه البلدان
قليلون، ولا يملكون القوة والنفوذ والارادة
الكافية ليدافعوا عن الحرية وقيمتها ويحدثوا
التغير.
اما من سينتصر في هذا الصراع ؟ هل ستندحر امريكا؟
ام ستثور الروح لدى الشعوب الشرقية والعربية على
واقعها (كما قال هيجل) ؟
الحقيقة التي لا تقبل الشك اوالجدال ان شعوب
العالم عبر التاريخ دائما كانت ترغب بالتغيير
والتعبير عن ذاتها ووجودها بطرق جديدة كذلك لدى
الانسان الرغبة والشوق من الاعماق للتغير والتقدم
والتطور لانها من صميم متطلبات الحياة الحديثة.
لذلك نرى ان لم يهب نسيم التغيير اليوم على
بلداننا، سياتي يوم يكون التغير على شكل زلزال
مدمر للمنطقة في الفترة القادمة ، لسبب واحد هو
ان الروح لا تعرف القيود ولا تموت في السجون مهما
طالت فترة الحكم عليها او زمن سباتها.
لذلك التغيير سيحصل
اجلا ام عاجلا مهما تم مقاومتة من قبل القوى
الاستاتيكية التي ترغب في جعل الحياة مستقرة غير
خاضعة لتاثير الفكر والعقل الموهبتين اللتين يتميز
بهما الانسان عن بقية المخلوقات في هذا العالم، ان
التغير سيحصل بوجود او من دون وجود امريكا او
غيرها ولكن كم ستكون تكاليف ذلك الامر؟ وهل مرة
اخرى يدخل العراق في حرب اهلية؟