تاريخ كنيسة
المشرق الكلدانية (ق1-4)
الجزء الاول:
القرن الاول
الاب فيلكس
الشابي
(أ- فجر
المسيحية ب- المسيحية في بلاد النهرين والمناطق
المجاورة شرق الفرات)
أ)
فجر المسيحية:
ان الرسل
وتلاميذ المسيح، بعد صعود المسيح واعلان ايمانهم به كانوا من
اليهود فتم طردهم من المجامع اليهودية من جراء ايمانهم هذا.
فبدأوا يلتقون في البيوت للأحتفال بذكرى موت وقيامة يسوع، وذلك
من خلال كسرهم للخبز. اليهود المسيحيين اعتبروا مثل شيعة
يهودية حتى سنة 70 ميلادية عندما فشلت الثورة اليهودية ضد
الرومان ودُمر الهيكل للمرة الثانية والاخيرة على يد طيطوس.
اجتمع الفريسيون في مدينة يمنيا من اجل تقرير مستقبل اليهودية،
ومن احدى قراراتهم كان طرد اليهود الميسيحيون من مجامعهم.
الرسل من جهتهم، ومن اجل اطاعة وصية الرب "اذهبوا وتلمذوا جميع
الامم" متى (28: 18)، فبعد قبولهم للروح القدس بدأوا يبشرون
بأنجيل المسيح، في اسرائيل اولا، ومن ثم بين جميع بقاع الارض،
وأذ انتقلوا من اورشليم الى انطاكيا (تركيا) اكتسب اليهود
المسيحيون لقبا جديدا اذ صار الناس يطلقون عليهم اسم "مسيحيون"
للمرة الاولى (اعمال 11 :26).
أ
1. بين النهرين
في العهد الجديد:
رغم استخدام
المسيحيين للعهد القديم، ظهرت حاجة ملحة الى كتاب يوثق حياة
وتعاليم يسوع المسيح. الاناجيل وسفر اعمال الرسل كُتبوا ما بين
سنة 70 – 100م. رسائل القديس بولس كتبت مبكرا في الفترة ما بين
50- 62 م. على الرغم من ان هذه الكتابات تحكي جوهريا عن يسوع
وعما حدث في اورشليم، وسوريا، واسيا الصغرة، وروما من الجهة
الغربية، الى ان بلادنا المشرقية: فرثيا، وميديا، وعيلام،
وبلاد النهرين (اعمال 2: 5-11) مذكورة ايضا.
ب) كنيسة المشرق (خلاصة مقتضبة):
الكنيسة التي ولدت في بلاد النهرين دجلة والفرات عرفت ب "كنيسة
المشرق". عانت هذه الكنيسة اضطهادات جمة عبر التاريخ، من قبل
ممالك وأديان مختلفة على حد سواء. يبدأ الاضطهاد الاول
للمسيحيين مع الامبراطورية الفارسية (ق 1-6)، تبعتها الدولة
العربية الاسلامية (ق 7-12)، ثم الغزو المغولي (ق 13-15)،
واخيرا مع مجيء الامبراطورية العثمانية (ق 16-19). وعلى الرغم
من كل هذه الاضطهادات فأن هذه الكنيسة قاومت وتوسعت، ناشرة
رسالة المسيح من بابل الى الصين واليابان شرقا، والى روسيا
وسيبريا شمالا، والى الهند والتيبيت جنوبا، والى بلاد الشام
ومصر غربا! ان "كنيسة المشرق" توسعت جداً لدرجة انها اصبحت
معروفة للقاصي والداني في العالم القديم، كما هو الحال مع
الكنيسة الكاثوليكية في عالم اليوم.
ب.1. متى دخلت
المسيحية اراضينا؟
ان هذه القضية
لا تزال تحت النقاش ولم تحسم بعد بسبب شحة المصادر التاريخية و
الويلات والحروب التي عصفت ببلادنا عبر العصور. مع ذلك فمن
خلال نظرة عامة الى الامور بأمكاننا ان نربط دخول المسيحية الى
اراضينا مع القرن الاول الميلادي.
ب.1.1. المجوس:
يقول بعض
المؤرخين ان الملوك المجوس الذين قدموا لزيارة يسوع في بيت لحم
(متى 2: 1-16)، قد يكونون اعلنوا بشارة المسيح لدى عودتهم الى
اراضهم لسكان بلاد فارس والسكان بين النهرين وهم في طريق
عودتهم من اورشليم. سليمان البصري (اصبح اسقفاً على البصرة
وتوفي في ق 13) يقول: "لقد اصبح المجوس رسلا للمسيح، اذ بشروا
بالاعاجيب التي حدثت عندما رجعوا الى اراضيهم، اذ كانوا قد
اخذوا بعض قطع من قماط الطفل يسوع كبركة لهم.
ب. 1. 2. سكان بين النهرين وما حولها
(اعمال 2: 5-11):
تذكر اعمال
الرسل عدة قوميات كانت حاضرة في اورشليم يوم عيد العنصرة (عيد
ال50 يوما)، ومن بين هؤلاء نجد اناسا منهم اجدادنا وأراضينا
"... انهم فرثيون، ماديون، وعيلاميون، سكنة بلاد النهرين..."
(اعمال 2: 9). هكذا، فبعد حلول الروح القدس على التلاميذ من
المحتمل ايضا أن هؤلاء الناس الملهمين بخطابات الرسل قد امنوا
بالمسيح، وانهم شكلوا النواة الاولى للجماعة المسيحية في
بلادنا، عندما وصل الرسل والتلاميذ الى بين النهرين سقوا تلك
الشتلة الصغيرة فأينعت، مغذين اياها بكلماتهم المقدسة ودمهم
الطاهر! فأنهيت وازدهرت.
ب.2. من هم
الرسل الذين بشروا في بلادنا؟
حسب التاريخ
الكنسي الذي يعود الى القرن الرابع، هناك اربعة رسل بشروا في
بلادنا، وهؤلاء هم: مار توما الرسول (شفيع كنيسة المشرق)، ومار
اداي، ومار اجاي، ومار ماري. هؤلاء بشروا في بلاد النهرين
والمناطق المحيطة بها شرق نهر الفرات ولهذا السبب يعتبرون
مؤسسي الكرسي الرسولي لساليق وقطيسفون "كرسي بابل البطريركي".
والان فلنلقي نظرة على كل واحد من هؤلاء الرسل الاربعة.
ب.2. 1.
القديس توما الرسول:
احد
التلاميذ الاثني عشر، معروف عند الكلدان وحسب اللغة
الارامية ب "توما" او "تيوما" (اي توأم الرب). لربما، انه
كان يشبه الرب يسوع، او لربما كان من احد اقاربه لكي يحصل
على هذا اللقب المشرف. ان اغلب مؤرخي الكنيسة يعتبرون مار
توما انه مؤسس المسيحية وواعظها الاول في بلاد النهرين وما
يحيطها! انه لمن المؤكد بأن مار توما بشر في بلاد لهند
وانه استشهد هناك ايضا، ويقول اوسابيوس اسقف قيصرية (ق 4)
يقول: "ان توما بشر في بلاد فارس وهو في طريقه الى
الهند".
ب.2. 1.1.
كتاب اعمال مار توما (ق 3-4):
يروي لنا
هذا الكتاب قصة مار توما في بلاد فارس وفي الهند حتى
استشهاده. لقد كان مار توما مثله كمثل الرسل الاثني عشر
بأنتظار الوجهة التي سينطلق اليها للبشارة. يروي الكتاب
بأن قرعة اجريت بين التلاميذ فكانت بلاد الهند من نصيب مار
توما. ثم تقول القصة بأن توما حاول التنصل من الذهاب الى
الهند مثلما حاول يونان النبي التنصل من الذهاب الى نينوى.
فقال للرسل بأنه سينتظر مدة يومين ويبتهل للروح ليعرف
مشيئة الرب فيه. هكذا بعد انقضاء هذين اليومين وصل تاجر
هندي الى اورشليم ليأخذ مار توما معه ليبشر في بلاده. توما
هو نجار ومهندس معماري يأخذه التاجر حال وصوله الى الملك،
فيفرح به الملك جدا ويطلب منه ان يبني له قصرا فخما. يستلم
توما مالا كثيرا من الملك ويوعده بان قصره سيكون جاهزا مع
نهاية الشتاء في هذه الاثناء استهل توما التبشير بسكان
القصر وصولا الى الفقراء والمعدمين وبدأ يصرف المال
للمحتاجين. حل شهر نيسان وطلب الملك رؤية قصره فذهب مع
اخيه ومع توما لمعاينة المكان فلم يجدا شيئا. وغضب الملك
وارسل توما الى السجن وأمر بقتله، ويذكر الكتاب اعاجيب
كثيرة اجراها توما في الهند قبل مقتله حتى ان قسماً من
الجنود الذين أخذوه الى القتل اهتدوا للمسيحية. تقدم احد
الجنود الى ضرب قلبه بالرمح فأرداه قتيلا. بعدئذ اخذ جسد
توما ودفن في المقبرة الملكية. وبعد فترة تمرض احد ابناء
الملك فنصح اهل البلاط الملك باخذ ابنه الى قبر توما
ليتبارك بعظامه فيشفى من دائه. وأذ وصل الملك بأبنه الى
قبر توما مع حاشيته ورفع الحجر عنه لم يجدوا اثراً له. هنا
يذكر الكتاب بان "احد الاخوة قد حمل رفاته الى الشرق". ان
هذا يؤكد لنا العلاقة القوية ما بين مار توما وبين كنيسة
المشرق. ولما أخذ الملك قليلا من التراب الذي في القبر
ووضعه على ابنه شفى في الحال فأمن الملك هو ايضا
بالمسيحية.
ب.2.2. مار اداي:
بموجب تاريخ
الكنيسة هو احد تلاميذ يسوع الاثنين والسبعين، ارسل من قبل
مار توما الى الشرق ثم تبعة مار ماري بعد 30 سنة من صعود
ربنا يسوع المسيح الى السماء (حوالي سنة 65 م). اوسابيوس
القيصري في تاريخه الكنسي يَعدّه من بين التلاميذ الاثني
عشر، فحسب ان اداي هو تداوس، هذا الاسم مذكور مرتين في
انجيلِي متى ومرقس (متى 10: 2-4، مرقس 3: 16-19)، في حين
ان لوقا يسمّيه "يهوذا بن يعقوب" (لوقا 6: 13-16، اعمال 1:
13).
ب.2.2. 1.
"كتاب تعليم اداي":
هذا الكتاب
يعود للفترة ما بين (ق 4-5). ويحوي معلومات اكثر مما
يقدمه لنا اوسابيوس. يقول الكتاب: "ان ابجر الخامس ملك
الرها المدعو اوكاما –اي الاسود- كان مريضا، وانه سمع
بالرب يسوع وبالمعجزات الباهرة التي كان يعملها في
اسرائيل. فأرسل اليه رسالة يطلب منه ان يأتي الى الرها
فيشفيه واعداً اياه بان يعطيه نصف مملكته. يفرح الرب يسوع
بهذه الرسالة لكنه يعتذر عن المجيء، لان رسالته كانت موجهه
الى بني اسرائيل اولا! لكن يوعده بان يرسل احد رسله بعد
صعوده الى السماء ليشفيه. عندما وصل اداي الى الرها بدأ
يبشر فيها ويعمل المعجزات، سمع به الملك وناداه الى قصره
فذهب اداي وشفاه ثم عمذه هو وسائر عائلته وكثير من اليهود
والوثنيين في الرها. قبل موته يهيء اداي خليفته اجاي
ويرسمه اسقفا على الرها، ثم يموت ويدفن بين ملوكها.
ب.2. 3. القديس اجاي:
كان خياطا،
اقتبل الرسامة والخلافة الرسولية من يَدَي اداي. في احد الايام
ناداه الملك (وهو احد ابناء ابجرالخامس) ليخيط له بدلة ملكية
مذهبة ومطرزة. رفض اجاي عرض الملك لانه ترك حياته القديمة
وتفرغ للخدمة الرسولية. اغتاظ الملك منه وارسل جندا الى
الكنيسة ليكسروا ساقيهِ وهو يعلم المؤمنين ويشرح لهم الكتب
المقدسة. يخبرنا التقليد بأن اجاي بشر بالأنجيل الجهة الشرقية
من نهر الفرات في بلاد فرثية وأشور وارمينيا وجورجيا وبابل
ومناطق اخرى كثيرة.
ب.2. 4. القديس
ماري:
تلميذ اخر من
تلاميذ اداي الرسول. اُرسل الى المشرق بعد استلامه الرسامة من
اداي. بشر في بلاد بابل.
ب.2. 4. 1.
كتاب اعمال مار ماري:
كتاب يروي
لنا احداث ارسالية مار ماري فيقول "ان ماري ذهب الى منطقة
بابل وبشر سائر المناطق المجاورة لها: كالأهواز، وشط
العرب، وبلاد فارس، وكشكر... ثم توجه الى منطقة
سلوقيا-قطيسفون حيث اسس هناك كنيسة كوخي –اي مُجمع الاكواخ
او المنازل- وذلك لأن ماري كان قد شفا بنت رئيس قطيسفون،
فأهدى الاخير مجمع المنازل الذي يملكه الى ماري كعلامة
عرفان للجميل الذي صنعه معه".
ب.2 .4. 2.
قداس اداي وماري:
احد اثمن
الكنوز التي تمتلكها كنيسة المشرق الكلدانية. ان طقس
الذبيحة الالهية للكنيسة الكلدانية والتي لا زالت تستعمله
الى يومنا هذا يأتي من تلميذي يسوع اداي وماري. انه اقدم
واثمن طقس مقدس وألاكثر اصالة في عموم الكنيسة المسيحية،
اذ لا تتجرأ كنيسة اخرى للأدعاء بأن لها طقسا للذبيحة
الالهية اكثر قدما واصالة من قداس اداي وماري. لذا ينبغي
علينا ان نكون فخورين بما تمتلكه كنيستنا الكلدانية من
كنوز ومن بينها تاريخها ايضا الذي نحن بصدده الان، لأنه
يحكي لنا ما سطره اباؤنا واجدادنا في الايمان من بطولات
وملاحم تبقى لنا شعلة مضيئة في الدرب لأجيال طوال.