|
العراق
وحسبة سرحان
بقلم: سعد عليبك
saad_touma@hotmail.com
في قصص البراري و الغابات وروايات الصحراء و
الادب الشعبي ، ان الاسد و اسمه الحركي (خميس)- و الذئب- و يسمى(
سرحان)- و الثعلب و يسمى (ابو سليمان)، خرجوا معاً في رحلة للصيد
ليسدوا جوعهم و ليقتاتوا على ما يصطادونه من طرائد البراري و
القفار، فإصطادوا (حمارا وحشياً)، و ظبياً و ارنباً، فجمعوا الصيد
في آخر النهار و ذهبوا يتشاورون حول كيفية اقتسام الغنائم،
فسأل(خميس) سرحان عن رأيه في اقتسام الغنائم، فقال سرحان: قد تقسمت
الطرائد بأحجامها و احجامنا، لك الحمار الوحشي، ولي الظبي، ولأبي
سليمان الأرنب، فثار الأسد(خميس) و زأر وزمجرَ غاضباً و وثب على
سرحان وهوى عليه ضربة قاصمة القته صريعاً، ثم التفت(خميس) الى أبي
سليمان و سأله عن رايه في تقسيم الغنائم، تصبب العرق من أبي سليمان
المسكين، و ارتعد خوفاً و هلعاً، وفكر وبلع ريقه عدة مرات ثم قال
بتودد وهدوء و حكمة:" يا خميس، يا ملك الغاب، يا سيد الاسياد ، يا
أعز الصحب و الأحباب، لقد تقسمت الغنائم بأحجامها، فالأرنب لك في
الصباح فطوراً، و الظبي لغدائك- هنيئاً مريئاً- و الحمارالوحشي
لعشائك انشاء الله".
تبسم الأسد و قال وقد هدأت ثورته و غضبته بعد
ان أعجبته القسمة(الدسمة) التي اقترحها أبو سليمان:" لله درك يا
أبا سليمان ما أصوب رأيك، ولكن قل لي، ما الذي هداك لهذا الرأي
الصائب، فأجاب الثعلب مشيراً الى الذئب:" جثة هذا المسكين ".
ربما سيحتاج العراقيون الى تذكير هذا المثل
وأخذ العبرة منه للوصول الى الحل الأمثل في قسمة الوطن. فالوطن
سيقسم عاجلاً ام آجلاً ، لأنه لم يكن في يوم من الأيام ومنذ تأسيسه
موحداً ، وان بدى كذلك لفترة فيعود الفضل في ذلك الى الدكتاتورية و
أنظمة النار و الحديد التي سيطرت على السلطة على التوالي.
اساس وحدة الوطن يقوم
على عنصرين رئيسيين:
اولهما الارض التي يشترك في الاقامة و العيش
عليها جميع من في هذا الوطن ومن اقصاه الى اقصاه دون وجود شروط
تفرض عليه بسبب الجنس او الدين و القومية.
والعنصر الثاني هو حق المواطنة التي يرتبط
بالنقطة الاولى بشكل مباشر ، ويكون فيه حق اي مواطن ومن كل النواحي
مهما كان لونه او دينه او قوميته متساوية مع الآخرين الذين
يشاركونه في اية بقعة من الوطن دون تحديدها و وشعوره الإنتماء الى
كافة اجزاءه بفخر ودون ضغوطات.
بخصوص العراق، نجد بأن النقطتين اعلاه مفقودتان
اليوم، حيث الوطن اصبح مقسماً على اسس طائفية و قومية، فالسني
والكردي مثلا، لا يوجد اي شيء يشجعهما للعيش في الجنوب الشيعي،
والشعب الشيعي في الجنوب لا يرغب بأن يشاركه احد في جنوبه ولايرغب
ايضاَ الإرتباط بوطنٍ مع آخرين من غير الشيعة الذين لا يستهويهم
العيش في احضان الإيرانيين و التكلم بلغتهم و التعامل بتومانهم.
واصبح تسلسل الولاء فيهم اولاً للطائفة الشيعية وثانياً للإسلام و
ثالثاً للعروبة و رابعاً وآخيراً للعراق.
و السني العربي لا يتخيل نفسه وطنياً عراقياً
دون ان يكون عروبوياً و تابعاً للدول العربية السنية بشكل او بآخر،
كما لا يرضى بأن يحكمه يوماً شيعياً او كردياً وهو الذي تعود ان
يحكم هذا الوطن منذ تأسيسه، ويبدو واضحاً الآن بأن ولاء السني هو
لطائفته السنية اولاً وللإسلام ثانياً و للعروبة ثالثاً و رابعاً و
أخيراً للعراق.
اما الإخوة الكورد ، فالإستفتاء الشعبي الذي
اجري في كردستان العراق قبل عدة سنوات أكد بأن الغالبية العظمى من
ابناء هذا الإقليم ترغب في الإستقلال و تأسيس دولتها المستقلة.
يبقى اصحاب الأديان و القوميات الصغيرة، و
التي يرغب البعض تسميتها بالأقليات، كالكلدان و الآثوريين و
التركمان و الصابئة و الأيزيديين و غيرهم، هم اكثر الناس تشبثاً
بوحدة الوطن، لأن بغيابها سيكون زوالهم و انقراضهم محتوماًً. ولهذا
يواجهون اليوم اشرس عمليات القتل و التهجير و التهديد تمهيداً
للتقسيم المرتقب،واذا كانت القسمة تضمن لهم الحد الأدنى من الحقوق
و الأمان، فلا اعتقد بأن وحدة الوطن ستقلقهم ايضاً.
وعليه يبدو جلياً الآن بأن الإشكال ليس في فكرة
تقسيم العراق، بل في كيفية تقسيم ارضه ونفطه.
إن الحل السحري لمصيبة العراقيين ليست في اجبار
وفرض العيش للمكونات المختلفة من هذا الشعب بطريقة تسودها التنافر
و الأحقاد و الكراهية و حتى التقاتل ،و على القادة و السياسيين
الترحيب بأي حل يؤدي الى اخراج الشعب العراقي من ازمته الدائمية و
التي هي سبب كل ويلاته ، ولو كان في التقسيم خير و امان و سعادة
لهذا الشعب و انقاذه مما هو فيه ، فأهلا بهذا التقسيم على ان يضمن
حقوق وحصص الجميع ، اما اذا كان التقسيم كما يريده (خميس)على حسبة
(ابي سليمان) فيكون حال الأقليات العرقية و الدينية كحال (سرحان) .
|