على تركيا التفاوض مع الرئيس
البارزاني والقيادة الكردية أيضاً
بقلم : حبيب تومي /
اوسلو
habeebtomi@yahoo.com
كردستان هذه المفردة ، لا تقبل تركيا ان تهضمها ولا
تريد ان تعالج المعضلات الكامنة في هذه المنطقة بمفاهيم عصرية ولا تقبل
ان تعترف بمشكلة اسمها الأقليات . كان عام 1919 يمثل نقطة أمل حينما
اطلق ولسون وعده بحق الشعوب في تقرير مصيرها ، ومنها الشعوب التي كانت
ترزح تحت النفوذ العثماني بضمنها الشعب العربي والكردي والأرمني .
بتسليط الضوء على مجمل تاريخ الدولة العثمانية من
ظهور آل عثمان حتى سقوطها بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية فإن
تاريخ هذه الدولة كان يتمحور حول الفتوحات والغزوات والحروب وقمع
الثورات . ومن المفارقات ان احد السلاطين طلب منه زيارة بعض الدول
الأوروبية للأطلاع على مظاهر التقدم العمراني والحضاري في هذه الدول ،
فكان جوابه :
انا لا أزور اوروبا إلا فاتحاً .
كانت حروب هذه الدولة تثقل كاهل الشعوب المقموعة ،
إذ ان الباب العالي في اسطنبول كانت تصله الضرائب المفروضة على هذه
الشعوب لكي يغذي مسلسل الحروب المتواصلة ، ثم يجند الشباب في الولايات
التابعة لرفد الجيش بالعنصر البشري . لقد كان دخول الدولة العثمانية
الحرب الى جانب المانيا نقمة على شعوب المنطقة . فقد ارسلت تركيا 20
ألف جندي عراقي من ابناء الكاظمية وسامراء وديالى ، ارسلتهم الى سفوح
جبال القفقاس ولم ينج منهم سوى 200 شخص ( فخري الزبيدي : بغداد من 1900
ـ 1934 ) في القوش البلدة الصغيرة لجأ شبابها الى الجبال للتخلص من
الجندرمة ، لكنهم نجحوا في استدراج حوالي 50 شاباً فجندوا في القوات
التركية وكان مصيرهم الموت من الجوع والبرد ولم يرجع واحداً منهم .
تركيا اليوم لا تقبل ان تراجع مراجعة انسانية
عقلانية لتاريخها ازاء الأقليات ، ولا تقبل ان تعترف بشعب اسمه ، الشعب
الكردي ، الذي يبلغ تعداده الملايين داخل الدولة التركية .
إن تركيا بإصرارها على اعتبار اكراد تركيا كأتراك
جبليين ومحاولتها صهرهم في بودقة القومية التركية ، وصد كل جهد يفضي
الى إشهار وبلورة الهوية القومية الكردية ، انها تخدع نفسها قبل ان
تخدع الآخرين . وهي ماضية في نظرتها هذه وتحاول وأد التجربة الكردية في
كردستان العراق .
لقد اثبت الشعب الكردي في العراق انه ليس عبارة عن
قبائل متناثرة في المرتفعات الجبلية همها القتل والتسليب ، لقد أثبت
هذا الشعب عندما رفع الحيف والظلم عنه وأتيح له ان يستقر ومنح قدراً من
الحرية ، أثبت انه شعب محب للبناء والتعمير ولتعميق المفاهيم الحضارية
ولقبول الآخر بروح انسانية بعيدة عن التعالي والتعصب .
إن تركيا تريد ان تغمض عيونها وتتجاهل تجربة أقليم
كردستان الرائعة ، إنها تتفاوض مع الحكومة العراقية ولا تقبل ان تمد
يدها للقيادة الكردية في أقليم كردستان . ان كان رئيس الوزراء التركي
رجب طيب اردوغان والقيادة التركية يمثلون الشعب التركي ، فإن الرئيس
مسعود البارزاني والقيادة الكردية يمثلون الشعب الكردي . إن الحكومة
التركية تمد يدها الى الحكومة العراقية لحل المعضلة وهذا حق لا خلاف
عليه ، لكن ماذا بها تتجاهل الأتصال المباشر بالقيادة الكردية التي هي
محور حل المعضلة ، اليست قوات البيشمركة الكردية هي التي تحافظ على
الحدود العراقية مع تركيا ؟

إن تركيا لا تريد الأعتراف بأن من يستطيع ضبط الأمن
على الحدود بين البلدين هم حصراً قوات البيشمركة الكردية ، لكن الأسم
الكردي يؤرقها ، وهي تحاول إبقاء الأضواء مسلطة على بضعة آلاف من
مقاتلي الحزب العمال الكردستاني المتخندقين في الغابات والشعاب الوعرة
لجبل قنديل داخل الحدود العراقية ، وبهذا تريد التعتيم على قضية
16مليون كردي يريدون إشهار هويتهم وحقوقهم القومية .
لا تقبل تركيا التفاوض مباشرة مع القيادة الكردية
ولكنها تطلب من هذه القيادة ان تسلمها الأكراد الأتراك وهذا بعيد عن
حقوق الأنسان وعن الأخلاقية المجتمعية والسياسية . وصدق الأستاذ الرئيس
جلال الطالباني حينما صرح بقوله : تسليم قيادات حزب العمال الكردستاني
حلم لا يتحقق ، ثم أردف بقوله باللغة الكردية : نحن لن نسلم رجلاً
كردياً الى تركيا .. بل لن نسلم حتى قطة كردية .
الرئيس مسعود البارزاني كان صريحاً وشجاعاً بقوله :
إننا سندافع عن كردستان إذا ما تعرضنا الى عدوان مباشر . وأضاف
البارزاني إذا اعتمدت تركيا حلاً سلمياً فسنقوم بكل ما لدينا من
امكانيات لمساعدتها ، لكن تحت التهديد من الصعب ان نقوم بأية خطوة .
العقلانية تقتضي حل مسألة مقاتلي حزب العمال
الكردستاني التركي بالتفاوض والتفاهم بين كل الأطراف التي يعنيها الأمر
، أما مسألة اجتياح اقليم كردستان وزجه في فوضى شبيهة بالتي تجتاح مدن
العراق ، فإن ذلك ينبغي الأستعداد له للذود عن منطقة اسمها كردستان
تخوض تجربة حية في تطبيق القانون وبناء الوطن والأنسان ، ويسود الوئام
والسلام في ربوعها .
إن تركيا التي تفكر في تعقيد المسالة من اجل الوصول
الى أهدافها تفكر في فرض عقوبات اقتصادية على أقليم كردستان ، ولا ندري
أي مضامين انسانية تكمن في فرض عقوبات على شعب من اجل تحقيق اهداف
سياسية ، إن على تركيا ان تفكر في حلول أخرى بأن تحل مسألة الأكراد
والأقليات بمنظار آخر غير منظار التعتيم على معضلة الأقليات ومحاولة
صهرها في البودقة القومية التركية .
من جانب آخر نقول بكل إخلاص للقيادة الكردية ان
مقاتلي حزب العمال يشكلون ذريعة لكل من يتربص للنيل من كردستان
وتجربتها الرائدة والعمل على دفنها وهي في المهد ، وهنا ينبغي وضع
المعادلة في الميزان لدراستها بعقلانية وحكمة دون الأنجرار وراء
العواطف ، وعلينا ان نقارن الفوائد والأضرار التي تشكلها عمليات الحزب
العمالي الكردستاني على مجمل القضية الكردية عموماً وعلى التجربة
الكردية في اقليم كردستان العراق خصوصاً .
ونتمنى ان تنقشع الغمامة السوداء من سماء كردستان
والوطن العراقي عموماً فتتلألأ النجوم في السماء الصافية وتتدفق ينابيع
الأمل والسلام والأمان في ربوع وطننا العراقي العزيز .
حبيب تومي / اوسلو
|