Home      الرئيسية

 Articles مقالات

 Interviews    مقابلات

 Chaldean Society مجتمعنا الكلداني

 من نحن   About Us

Archives الأرشيف  

kaldu.org  كلدو

    Contact Us اتصلوا بنا  

         Nov 19, 2007
 

محنة الفن التشكيلي العراقي ... محنة العراق !!

إلغاء الآخر بين الأمس واليوم .. ؟!!

من الملفت للنظر حقاً ، أن توثيق المنجز الثقافي العراقي عامة والفن التشكيلي العراقي بشكل خاص يشبه تماماً في لا معقوليته ولا عدالته مناهج تدريس التاريخ العراقي ، فكلاهما إنتقائيان ممنهجان ضمن عقلية (لا تتجاوز الآخر حسب) لاسيما سكان العراق الأصليين - الكلدان (على تنوع كنائسهم) ، بل أنها لا تراه على الإطلاق ، وذلك إنطلاقاً من رؤية متخلفة شوفينية ومذهبية على حد سواء ؟!!

وهنا أستشهد بمثال كنت قد ضربته مرة في مقالي التهكمي الموسوم (كتب تاريخ العراق المدرسية تلعب الطفيرة !)  والذي نشر عام (2003م) في المجلة الساخرة (المطرقة) ، حيث يبدأ منهج التاريخ العراقي للصف (الأول المتوسط) بتاريخ العراق منذ العصور القديمة لينتهي مع نهاية التاريخ الوطني القديم (بحسب إعتراف المنهج المدرسي ذاته) ، أي مع إنهيار الإمبراطورية البابلية الحديثة التي يطلق عليها أيضاً مصطلح العصر الكلداني الذهبي أو الدولة الكلدانية في حدود العام (539 ق.م) .

الغريب في مناهج تدريس التاريخ العراقي المدرسية التي تشكل القاعدة المعرفية للعراقيين عامة أنها غير منصفة تماماً ، ذلك أنها تقدم تاريخ العراق في كتاب الصف (الثاني المتوسط) بمفهوم مختلف تماماً عن السياق الذي أعتمدته في الكتاب الأول لمرحلة الصف الأول المتوسط ، حيث يبدأ منهج التاريخ المقرر لصف الثاني المتوسط (الذي يفترض به منهجاً مدرسياً عراقياً وأيضاً منهجاً مكملاً لمنهج الكتاب الأول) بعيداً عن الأرض العراقية ، وأيضاً بعد تمييع صورة العراق وإقتطاع ما يقرب من ثلاثة عشر قرناً ليس من تاريخ العراق فحسب بل من تاريخ المنطقة ككل ومن دونما أي مبرر !!

 المثير للريبة أيضاً أيضاً ، أن ذات المنهج المدرسي (الذي يفترض به الأمانة العلمية) يطرح في منهج الصف الثاني المتوسط صورة مختلفة ومغالطة عن العراق والعراقيين ، حيث يظهر العراق من خلالها كهامش جغرافي عديم الملامح ضمن توليفة التاريخ العربي الإسلامي الذي يقدم العالم القديم وشعوب المنطقة وهيّ تعيش جاهلية مطبقة وهيّ بكل تأكيد جاهلية ملفقة لا تنطبق حتى على مكة التي كان يدين عامتها بالمسيحية الأبيونية (أنظر الكتاب الأكاديمي قس ونبي) ، كما يشيع ذلك المنهج المدرسي المغلوط جملة وتفصيلاً صورة مشوهة عن العراق (الذي يعتبر دونما جدال مهد الحضارة البشرية) ، حيث تصوره كمجرد إمتداد طبيعي مقتطع من الحجاز المتخلف فكراً ومجتمعاً (قياساً بالعراق الحضاري واقعياً).

الأنكى من ذلك ، أن ذات المنهج المدرسي (الوطني !!) الأعوج يقدم (الغزاة) الحجازيين بصورة (محررين) ، فيما يقدم سكان العراق الأصليين على أساس كونهم (عجم) ، ومفهوم الأعجمي (لمن لا يعلم) يعني من الناحية اللغوية وبكل بساطة (الأجنبي أو الدخيل) ، فهل هنالك ثمة وقاحة أو تجن أكثر من هذا !!!

الحق ، إن مثل هذا المنطق المخادع الحديث العتيق ليس بغريب على الحجازيين الغزاة ومن شابههم من وافدين سواء كانوا مهاجرين (الكورد) أو غزاة (الفرس والعرب والتركمان) ، وكدليل على ذلك قول أبن المعتز:

أفما ترى بلداً أقمت به           أعلى مساكن أهله خص

وولاته نبط (كلدان) زنادقة     ملأى البطون ، وأهله خمص ؟!!

حيث يعتبر أبن المعتز أهل العراق الأصليين (الكلدان) الذي يرجع تواجدهم (الموثق علمياً) في العراق عهدذاك إلى ما يزيد على 6200 عام بمثابة (غرباء !) ، بينما أعتبر الحجازيين الذين وفدوا بعد غزوة القادسية عام (637م) أهل البلد مع أن تواجد هؤلاء الغزاة الأجانب في العراق لم يكن ليتجاوز (200) المائتي عام !!

وهو ما يذكرني بما جاء في كتاب (العرب في التاريخ) للمستعرب السوري (شاكر مصطفى) حيث يعبر وبكل (سفاهة) عن موضوع طرد أهل إسبانيا الأصليين لخليط المحتلين المستعربة من بربر وأمازيغ وقبط وعرب على النحو التالي : (أما المرابطون في الأندلس فقد هزموا وأسلموها للإحتلال الإسباني) ؟!!

ومما يثير التقزز حقاً في مثل هذه الطروحات العروبوية الإسلاموية الإستعلائية الغبية ، أنها تلغي (وبقدرة قادر ومن دون وازع أخلاقي) التاريخ الوطني للشعوب ، وما يهمنا هنا عملية إستقطاع التاريخ الوطني العراقي ما بين تاريخ سقوط الدولة البابلية الحديثة وتاريخ إحتلال العراق من قبل الحجازيين الغزاة بعد (غزوة القادسية) وهو تاريخ عراقي محظ يجهله عامة العراقيين تماماً ، علماً أن ما بين التاريخين السابقين فترة تزيد على أثني عشر قرناً وتمتد إلى نحو (1211) عام من التاريخ العراقي (الكلداني - الوثني / المسيحاني) ، والذي كان العراق فيه (برغم عدم إستقلاله سياسياً) منارة للعلم ومشعل للحضارة في العالم القديم كله ، بل أن الغزاة الحجازيين لم يعطوا ظهرهم للبداوة ويسيروا في ركب التحضر والمدنية إلا عندما أعتمدوا الحيرة (حيرتا) والكوفة (الكوشيا) وكربلاء (كربة إيل) ودمشق (دمشقا) وبغداد (بل داد) المسيحية (ديانة) والكلدانية - الآرامية (لغة) مراكز لحكم دولتهم الناشئة .

والحق أن هذا ينطبق تماماً على الأخوة الكورد الذين لم يعرفوا على طول تاريخهم غير حياة البداوة ولم يعرفوا التمدن والحضارة إلا بعد إحتلاهم مع مطلع العام 1515م وبتشجيع عثماني للبلدات الكلدانية في شمال العراق (بيث نهرين) وبلدات أشقاءنا في تياري وحيكاري التي يتواصل إحتلالها حتى يومنا هذا.

أن ما يبعث اليوم على الدهشة والأسى هو إستمرار هذا النهج المرفوض والمتخلف ضمن الواجهات الثقافية والسياسية الرسمية حتى بعد أنهيار التيار العروبي الذي هيمن على العراق في العقود المنصرمة الآخيرة . الأنكى من ذلك أن كورد العراق وهم من ضحايا عمليات تعريب وتتريك وتهميش الأمس صاروا اليوم يمارسون وبشكل إستعلائي ذات النهج الشوفيني المريض وبخاصة إزاء سكان العراق الأصليين (الكلدان) متناسين أو متجاهلين حقائق التاريخ الدامغة . 

وعوداً على بدء ، لو حاولنا أن نستقرأ تاريخ توثيق المنجز العراقي الثقافي بشكل عام والتشكيلي بشكل خاص لوجدنا هيمنة غريبة لذات المنطق المشوه وعلى كافة المستويات الرسمية ، إذ ليس هنالك (على الإطلاق) ما يوثق أو يشير صراحة أو علنية لمنجز أهل العراق الأصليين (الكلدان) أو يهود العراق في كتب تاريخ الفن الحديثة المطبوعة في البلدان الناطقة بالعربية ، حيث لا تتعدى آفاق تلك الكتب الإنتقائية حدود التاريخ العربي الإسلامي القصير قياساً بعمر العراق العريق .

من البديهي أن مثل هذا الإستقراء إنما سيكشف لنا هزالة المنطلق العروبوي الإسلاموي المريض الذي يتحكم بمناهج التدريس في البلدان الناطقة بالعربية ، ويعمل وبشكل متواصل منذ عقود على غسل أدمغة العامة ، مما أدى إلى إقصاء (منجز العراقيين من غير العرب أو غير المسلمين) من كافة مناهج التعليم المدرسي ، وبديهي أن مثل هذا التوجه المرفوض علمياً وأخلاقياً لا يسعى إلا إلى إقتلاع هوية العراقيين الأصليين وحرمانهم من عراقيتهم ، مع أن أية مراجعة سريعة لعصر هيمنة الدولة العربية الإسلامية في العراق لتظهر لنا وبشكل جلي بأن معظم أدباء وفناني وعلماء بني العباس كانوا ذو أصول رافدية ، هذا علاوة على أن رسوم وزخرفات الكنائس والأديرة وتزويقات الوراقين على طول التاريخ المسيحي في العراق إنما تشهد لنفسها ، ناهيكم عن أسلوب العمارة الرافدية الذي طبع بناء الدور البابلية (المعروفة بالبغدادية ذات الشناشيل) وكذلك تصميم وبناء دور العبادة المسيحية والإسلامية ولاسيما في القباب الذهبية والعقود نصف الدائرية ، بل أن ملوية سامراء (شمرم الكلدانية البابلية الأصل) هيّ أساساً من تصميم المعماري الكلداني والوزير العباسي (دليل بن يعقوب النصراني) ، كما لا يخفى على الباحث المتخصص أن أسلوب التغليف بالقاشاني إنما تعود أصوله إلى تقنيات وطرائق تغليف بوابة عشتار وقصر نبوخذنصر في بابل .

وحري بالذكر هنا ، أننا إذا ما وضعنا جانباً الأصل الرافدي للمنجز الثقافي (العربسلامي) خلال سنوات حكم الدولتين الأموية والعباسية في العراق والتي لا تتعدى (627) عاماً ، وأستثنينا المنجز الأدبي العراقي سواء في مجال الشعر والرواية منذ مطلع القرن العشرين ولاسيما الملحمتين الحديثتين (يزداندوخت الشريفة الأربيلية / القس سليمان الصائغ -ط1934م) ، (شميرام / ميخائيل أورو - ط1958م) والتي لا نجد أثر لهما في كتب التوثيق والفهرسة العراقية ، فأن ما يهمنا في موضوعنا هنا هو تسليط الضوء على المنجز العراقي في مجال الفن التشكيلي الذي أستخدمت فيه أبشع أساليب الإحتواء والإلغاء والتجيير بحق أهل العراق الأصليين (الكلدان) والأثنيات الأخرى من غير العرب وبخاصة يهود العراق وهيّ مسلمة وبديهية لا تتطلب المحاججة. 

فمنذ منتصف ستينات القرن المنصرم وتحديداً بعد هزيمة حزيران والفنانين التشكيليين الكلدان (أحفاد حضارتي بابل وآشور) يعانون من تجاهل المؤسسة الرسمية ، مع أن ذلك لم يمنعهم مطلقاً من العمل يد بيد مع زملائهم الفنانين العراقيين من أجل تأسيس هوية فنية عراقية ، ومما ساعد على ذلك عدم إكتراث الفنانين التشكيليين العراقيين المنفتحين أنفسهم بتوجهات المؤسسة الرسمية التمييزية المريضة ، فقد كان هدف الفنانين جميعاً هو توسيع قاعدة الفن التشكيلي في العراق ونقل الفن العراقي إلى آفاق رحيبة وجديدة ، مما أدى إلى أن يتبوأ الفن التشكيلي العراقي المكانة الفضلى بين دول الشرق الأوسط قاطبة خلال بضعة عقود حسب.

لكن آثار الإيديولوجيات (العروبوية) المنقولة عن (مصر العروبة !!) و(سوريا البعث العربي !!) وكتابات وترجمات (الموارنة المستعربة) أثرت وبشكل فاعل في رسم ملامح الوسط التشكيلي الرسمي العراقي مع هيمنة حزب البعث على العراق ، وبخاصة بعد حرب تشرين الخائبة التي أنعكست آثارها سلباً على الواقع التشكيلي العراقي ، حيث تأكدت وتمنهجت تلك الرؤية السياسية العروبوية الإلغائية المنغلقة ولاسيما في دهاليز المؤسسة الفنية الرسمية وبشكل مقرف ، وسرعان ما ترسخت إبان هيمنة صدام (المهوس بعبد الناصر) على مقدرات الأمور في العراق مع مطلع العام 1979م ، ثم أستفحلت بعد الإنقلاب الدموي على الجبهة الوطنية وتصفية القوى اليسارية المنفتحة ، أنظر مقالتي الموسومة (الثابت والمتحول في الفن التشكيلي العراقي). 

ومع أن معظم الفنانين التشكيليين العراقيين الذين واصلوا عملهم الإبداعي في العراق لم يكترثوا كما أشرت آنفاً بتلك الخزعبلات التي لا تمت إلى الفن الحقيقي بإيما صلة ، إلا أن المؤلم حقاً ،أن جعبة البعض من النقاد المعروفين كانت خالية تماماً من أية معرفة تتعدى حدود خلفياتهم (غير المرنة تجاه الآخر) وأعني هنا بهم (تحديداً) هؤلاء النقاد الكبار الذين لا غبار على أستاذيتهم في عالم الكتابة والذين لم تخل صحيفة عراقية من مقالاتهم وتنظيراتهم ونقدهم وتوثيقهم لأهم تفصيلات المشهد التشكيلي العراقي ، مع ذلك فقد فاتهم لسبب أو لآخر أن ينظروا لأبعد من أرنبات أنوفهم .

ولعل الفلسطيني الأصل (جبرا إبراهيم جبرا) المتمكن أصلاً في عالم الترجمة والذي تحول إلى الإسلام بعد زواجه من أمرأة سنية ثرية ؟! ، كان (كما ذكرت في مقالة سابقة) واحداً من أخطر الذين رسخوا للأفكار (التمييزية) على أسس (عرقية ومذهبية) ، ويكفي الإستشهاد بكتابيه الموسومين (الفن المعاصر في العراق /حركة الرسم) و(جذور الفن العراقي) الذي تجاهل فيهما عن قصد ونية مبيتة ذكر الفنان التشكيلي العراقي الرائد (عزرا حيا) الذي يعتبر دونما جدال أحد أعمدة الحداثة في الفن التشكيلي العراقي والفنان العراقي الوحيد الذي يمتلك متحف اللوفر واحدة من لوحاته ضمن مجموعة الفن العالمي ، إضافة إلى معرفة جبرا وأبناء جيله بمكانة عزرا حيا التي أهلته للفوز بالجائزة الأولى للرسم في أول معرض فني عراقي أقيم عام 1932م في حديقة المعرض في الباب المعظم وهو المعرض الزراعي الصناعي الأول (معرض بغداد الدولي فيما بعد) .

ومثلما فعل جبرا ذلك مع (عزرا حيا) لكونه (يهودي) ، فإنه قابل إحسان صديقه والأخ الروحي لجواد سليم الفنان التشكيلي الرائد عيسى حنا (المسيحي الكلداني) بالإساءة والتجاهل (وهو ديدن اللؤماء) ، على الرغم من معرفة جبرا بأن عيسى حنا كان أول فنان تشكيلي عراقي يدخل تقنية الطباعة الفنية بالشاشة الحريرية (Silk-Screen) إلى العراق ، وذلك بعد تخرج عيسى حنا عام 1951م من جامعة سيركوزي / نيويورك ، كما أن عيسى حنا مع زميله أكرم شكري (بالإستعانة بالمصور الفوتوغرافي أكرم مجيد) كانوا أول مجموعة تؤسس عام 1940م (جمعية أصدقاء الفن) التي تعد أول تجمع فني مهني في تاريخ العراق الحديث وهيّ أصلاً من بنات أفكار أكرم وعيسى ، ناهيكم عن أن عيسى حنا هو الذي علم جبرا (الغريب الوافد إلى بغداد) أصول الرسم ، وأستضافه في بيته لمدة ستة أشهر ، عرفه خلالها على الوسط التشكيلي العراقي وقدمه لمؤسسي الحركات الفنية العراقية المهمة كجواد سليم وفائق حسن وعطا صبري وغيرهم !! 

ولركوب جبرا موجة البعث العروبي ، فقد تجاهل عن عمد منجز النحات التركماني الرائد فتحي صفوت قيردار (1896-1966م) ، الذي حاز على الجائزة الأولى للنحت عام 1932م وذلك في المعرض الزراعي الصناعي الأول ، فيما حصل جواد سليم على الجائزة الثانية (وهيّ معلومة غير دقيقة وردت في بيانات شاكر حسن آل سعيد وذاك لصغر عمر جواد وقتذاك) ، والفنان الرائد فتحي صفوت قيردار كما يعرف ذلك جيداً كل من عاصره كان أستاذاً مرموقاً في مادة النحت ، ناهيكم عن تدريسه لعدد كبير من الفنانين المعروفين منهم عطا صبري وحافظ الدروبي ومحمد غني حكمت ، ومع ذلك لم يحتو متحف الفنانين الرواد العراقي على أي عمل من أعماله ، مثلما تم تجاهله تماماً في المطبوع الخاص بالمتحف والذي صدر عام 1988م عن دائرة الفنون التشكيلية .

والحق أن هذا التجاهل والإهمال المقصودين كان مصير العديد من الفنانين العراقيين الكلدان والكورد والتركمان والأرمن الذين أغفلتهم كتابات النقاد العراقيين المعروفين بإستثناء كتابات (كاتب الموضوع) وكتابات أخرى محدودة للناقد (سهيل سامي نادر) الذي أنزوى في أواخر عقد الثمانينات عن الساحة التشكيلية تجنباً لملاحقات كلاب حراسة السلطة وعيونهم المبثوثة في مركز صدام للفنون (دائرة الفنون التشكيلية) ونقابة الفنانين .

وبرغم الحضور المؤثر والكبير للناقد والمعلم الجاد نوري الراوي ولاسيما في مجال التعريف بالفن التشكيلي ، فأنه لم يتناول في كتابه الموسوم (تأملات في الفن العراقي الحديث) عزرا حيا وعيسى حنا وفتحي صفوت قيردار وجميل إلياس وصالح القرغولي وسركيس ميساك ومحمد عارف وخضر جرجيس وإسماعيل خياط ومقبل جرجيس ، ومثله فعل شوكت الربيعي في كتابيه الموسومين (لوحات وأفكار) و(الفن التشكيلي في العراق) ، وينطبق هذا على نزار سليم الذي تجاهل ذات الأسماء في الكتاب الكبير المطبوع عام 1973م على هامش المؤتمر الأول للفنانين التشكيليين العرب (واقع الحركة الفنية التشكيلية العراقية) ، كما ينطبق أيضاً كلاً أو جزءاً على شاكر حسن آل سعيد في كتابيه الموسومين (البيانات الفنية في العراق) و(فصول من تأريخ الحركة التشكيلية في العراق) ، وبطبيعة الحال فقد إنتقل هذا التجاهل والتهميش (غير المبرر) إلى كتاب عقدي السبعينات والثمانينات أمثال عادل كامل ومي مظفر وفاروق يوسف وسعد هادي ، ربما بسبب الهوة التي أختلقها كتاب العقود التي سبقتهم ، مع أن ذلك لا يبرر على الإطلاق إنعدام أية محاولة جادة من قبلهم للبحث الحقيقي عن جذور الفن العراقي الحديث وهم الذين أشبعونا تحليلاً ونقداً وإستعراضاً لأعمال مدللي الواجهة الرسمية وعلى رأسهم (رافع الناصري وتلاميذه) والمهيمنين على دفة الحركة التشكيلية العراقية آنذاك ولاسيما (اسماعيل الشيخلي وعامر العبيدي). 

أن مطالعة سريعة للمشهد التشكيلي العراقي عبر إستقراء آخر ما نشر حول الفن التشكيلي العراقي وبخاصة الكتاب الموسوم (Strokes of Genius: Contemporary Iraqi Art) من إعداد الخزافة ميسلون فرج ومساهمة إبراهيم رشيد وهناء مال ألله ورشاد سليم !! ، علاوة على المواقع المتخصصة بالفن التشكيلي العراقي ومنها موقع موسوعة الفن العراقي (www.iraqfineart.com) الذي تنشره وزارة الثقافة في جمهورية العراق وما يكتب أو ينشر في هذا المجال في المواقع العراقية غير المتخصصة ليصيبنا بالغثيان حقاً !

الوجوه التي رسخت لها المؤسسة الرسمية المقبورة هيّ ذات الوجوه المهيمنة اليوم مع بعض المساحيق التجميلية ، أما هؤلاء الفنانين السبعينيين والثمانينيين الذين يعرف الوسط التشكيلي العراقي جيداً حجم منجزهم الإبداعي ، والذين كان قدرهم برغم الأذى والملاحقة والتهميش (أن يتصدوا للفكر المقبور ويواجهوا أزلام المؤسسة الرسمية) من خلال مواصلة منجزهم الإبداعي حسب ، فأنهم (وهو ما يثير الدهشة حقاً) ما زالوا يعانون حتى لحظة كتابة هذا الموضوع من أهمال وتهميش زملاء الأمس ووسائل الإعلام التي لا تتعامل إلا مع أكداس المطبوعات والوثائق التي تطبل لجوقة فناني التمجيد ومزوقي صورة النظام الفاشي السابق .

الأنكى من ذلك تهافت عدد من الفنانين والكتاب العراقيين في بلدان الشتات وبدوافع منفعية وأخرى غير منطقية إلى إلغاء وتهميش حضور زملائهم الذين يشاركونهم محنة الإغتراب ، ولعل معرض الفن العراقي في واشنطن الذي أشرفت شخصياً على إعداده بتخطيط من لدن الملحق الثقافي العراقي الأستاذ الفاضل الدكتور عبد الهادي الخليلي خير مثال على ذلك ، أنظر الرابط :

http://kaldaya.net/2007/3_DailyNews_March2007/March02_07_A2.html

 

إن ما يحتاج إليه الوسط التشكيلي العراقي من وجهة نظري كفنان وناقد وباحث مختص ، هو أن يتم تأليف لجنة من المتخصصين في مجال الفن التشكيلي العراقي ، تناط بهم مسألة توثيق الفن التشكيلي العراقي برؤية وطنية شمولية تتوخى الحيادية والدقة العلمية والحرص على إعطاء المهتمين عامة بالنشاط التشكيلي العراقي رؤية واقعية وبانورامية متعددة الزوايا في آن واحد، وهذا لن يكون ما لم نضع في حسابنا جميعاً (العراق) ومصلحته أولاً وقبل كل شيء.

عامر حنا فتوحي / الولايات المتحدة الأمريكية

فنان وناقد تشكيلي وإستشاري في مجال تاريخ وفنون وادي الرافدين

www.mesopotamiaartgallery.com

رئيس قسم الفنون التشكيلية / مجلة فنون 1980-1983م ، مدير القسم الفني للمجلة 1982-1983م

عضو مؤسس في (جماعة أفق) وكاتب البيان التشكيلي التحريضي (أتبع حلمك) عام 1986م

المدير الفني الأقدم لبيت الفنون والثقافة العراقية في الولايات المتحدة الأمريكية
 (
Mesopotamia Art, History & Beyond)

 

 

******************************************