|
إشكالية الحروب الصليبية وعروبة فلسطين
بين الحقائق الدامغة والإدعاءات الباطلة !!
مسألتان هامتان ولازمتان لكي ننهض بالعراق من الدرك الذي أوصلنا
إليه غلاة العرب المسلمون (العروبإسلامويون) ، هاتان المسألتان
ينبغي إجتثاثهما من عقول العامة المشبعة بالسخافات والشعارات
العروبيإسلاموية التي لم ولن تجر على العراق والعراقيين غير البؤس
والدمار ، وهاتان السخافتان هما ورقة (الغزوات الصليبية) وورقة
(عروبة فلسطين) التي يلوح بهما في كل محفل محتلو ومستعربو ما تسمى
بالدول العربية ... فما هيّ يا ترى حقيقة تلك الغزوات الصليبية
وهل كانت تلك الحروب بين (غاز وصاحب أرض) كما تروج لها المصادر
العربية والإسلامية .. وأيضاً هل أن فلسطين هيّ عربية حقاً ؟
القسم الأول
الحروب الصليبية وصراع الأضداد (السيف والصليب) !
* عامر فتوحي *
إبتداءً أقول : بالرغم من أن موضوعي هذا غير موجه أصلاً لشعوب
(البلدان الناطقة بالعربية) سواء كانوا عرباً أم مستعربة ، فأنا لا
يهمني غير العراق والعراقيين ، إلا أنني أؤمن أيضاً ، بأن أي موضوع
يمكن أن يثير (أجواء صحية للنقاش) هو موضوع (جدير بالقراءة)
والتمحيص .
ثانياً أقول : قد يبدو للبعض أن موضوعي التنويري هذا هو من نوع
(ضرب في الهواء) ، ذلك أن قروناً من الإفتراءات والتلفيق وأكداساً
من الكتابات والخرافات والتحريفات المدروسة قد رسخت في الأخير
لعملية تحريف وتشويه منظم للعقلية العراقية المنفتحة والسليمة ،
ناهيكم عن قرون من عمليات غسل مكثفة لذاكرة الشعوب المستباحة ، ومن
مثل (الشعب العراقي) الذي أستبيحت سيادته الوطنية منذ ما يقرب من
ألفين وخمسمائة عام وتحديداً مع العام ( 539 ق.م) !!
نعم ، قد يعتقد البعض بأن موضوعاً مفرداً مثل موضوعي هذا لا يمكن
أن يؤثر بأي حال من الأحوال في تبديل
القناعات المهيمنة على عقول العامة التي يتناقلها الأبناء عن
الآباء . لكنني مؤمن رغم كل المصاعب وردود الفعل المتباينة التي
أتوقعها جراء تباين مستويات الوعي بأن الحقائق لا بد وأن تظهر إلى
النور يوماً مهما تكالبت عليها عوادي الزمان وغطتها سحابات المصالح
وغبار الأمكنة ، ولنا خير مثال في حضارة وادي الرافدين الأصيلة مات
كلدو (بابل وآشور) وسومر التي طواها النسيان لآلاف السنين لتظهرها
ثانية معاول الآثاريين .
أن موضوعي هذا وبمنتهى البساطة (محاولة أولى لهدم جدار الأباطيل
والخرافة) اللذين يهيمنان على عقول المجتمعات العربيإسلامية عامة ،
مثلما يهيمنان على عقول أبناء مجتمعنا العراقي الموغل في سبات ليس
مثله سبات أهل الكهف!
كما أن مهمتي كمواطن عراقي يؤمن بالعراق وتنويعته السكانية (التي
هيّ سر عظمته) هو نشر الوقائع كما هيّ لكي لا ينجرف العراقيون
مستقبلاً خلف شعارات أكل عليها الدهر وشرب من نوع (ومعتصماه) ، أو
أن يجروا خلف الأوهام والأباطيل وأكداس الضغائن ومعتقدات التكفير
وكراهية الآخر ، بل أن يتفرغوا لبناء (العراق الذي هو اليوم بأمس
الحاجة لكل قلب وذراع) ، آملاً أن تعمل محاولتي هذه على أبعاد
الأذى عن أهل بيتي ، وهل عندنا بيت غير العراق؟
مدخل :
من البديهي أنه عندما تتسلل أفعى سامة إلى بيتك فإنك لكي تقتلها لا
تدوس على ذيلها وإنما تسحق رأسها فتتخلص منها للأبد ، وهكذا فإن من
يريد أن يقتلع الإرهاب من وطننا الأم (العراق) والعالم على حد سواء
، فإنه ينبغي عليه أن لا يكتفي بتسديد ضرباته نحو أدوات تنفيذ
الإرهاب (من أسلحة ومنفذين وممولين وما شاكل من ذيول) حسب ، وإنما
عليه أن ينسف (الفكرة السلبية) التي صنعت الإرهاب والإرهابيين من
جذورها ، وذلك بإستخدام فكر بديل ، ولكنه هنا (فكر إيجابي) متنور
وموضوعي .
إذ لا يمكن لأسلحة العالم كلها مهما تقدمت مستوياتها التكنولوجية
ومهما أمعنت في إتساع مديات تأثيرها وفرادتها أن تقتلع الإرهاب من
جذوره ، كما لا يمكن لجميع أسلحة العالم كلها أن تنتصر على الإرهاب
، لأن الإرهاب فكر والفكر لا حدود له ، أما الأسلحة فمادية
(زمكانية) محدودة النتائج وقاصرة مهما أتسع تأثيرها ، وكما لا يفل
الحديد إلا الحديد ، هكذا لا يمكن القضاء على فكرة ما إلا بفكرة
أفضل منها .
ومن أجل أن نشيع الفكر الجديد في وطننا الأم (العراق) والعالم ، لا
بد لنا أن نقوم أولاً بدحض مرتكزات الفكر التخريبي التقليدي الذي
يعشش منذ عهد الدولة الأموية في العقل (العربيإسلامي) ، ولعل من
أهم تلك المرتكزات أكذوبة (الحروب الصليبية) التي يجيد المتطرفون
العربسلامويون التعكز عليها وإستخدامها بدهاء من خلال لعب دور
الضحية المستهدفة من قبل (مؤامرات صليبية عالمية) لاشاغل لها إلا
القضاء على الإسلام والمسلمين ، وما هذا التباكي في الحق إلا من
أجل تجييش جيوش المتحمسين لوهم دولة الخلافة العالمية ، وذلك من
أجل تحويلهم إلى قنابل بشرية لا تفرق بين مسلم أو مسيحي من ناحية ،
ومن ناحية أخرى لإستدرار تعاطف عامة الغربيين السطحيين وطبقتهم
المثقفة الليبرالية المتطرفة والمعادية للفكر المسيحي بشكل خاص ،
وبالتالي إغراقهم بعقدة الذنب إزاء العالم الإسلامي المضطهد من قبل
دعاة مؤامرة (الحملات الصليبية) ماضياً وحاضراً ؟!!
تخاريف وترهات وخزعبلات:
في مرحلة الدراسة الإبتدائية طلبت إدارة المدرسة من كل تلميذ مبلغ
أربعين فلساً وذلك للمشاركة في سفرة مدرسية الغرض منها مشاهدة فلم
(الناصر صلاح الدين -1963-)
تأليف محمد عبدالجواد ونجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وإخراج
يوسف شاهين ، ومن تمثيل ألمع نجوم الشاشة المصرية ومنهم أحمد مظهر
وصلاح ذو الفقار ومحمود المليجي وحمدي غيث وعمر الحريري ونادية
لطفي وليلى طاهر وتوفيق الذقن وآخرون ، وبطبيعة الحال فقد صور لنا
هذا الفلم (بأمانة تاريخية عروبية منقطعة النظير) بأن الصليبيين
الأجانب بشخص (فيليب ملك فرنسا -عمر الحريري- ولويز -ليلى فوزي-
ورينو دي شاتيون -أحمد لوكسر-) ليس أكثر من غزاة تافهون وكفرة
مارقون غارقون في الفساد والفجور ، فيما صور لنا (المدافعون العرب)
وبمعنى أصح جيش صلاح الدين الفسيفسائي (من حجازيين وسلاجقة ومماليك
وغيرهم من دخلاء على الشرق) بأنهم أهل الدار وبأنهم خلاصة للإيمان
وأناس لا هم لهم إلا الذود عن الأرض والعرض ، وكان مدرس اللغة
العربية المتحمس الذي قد رافقنا يحثنا مع كل ضربة سيف يصوبها أحد
المقاتلين (العرب أو المستعربة) نحو أي (محارب صليبي) لأن نقوم من
مقاعدنا ونصيح بأعلى صوتنا ألله أكبر .. ألله أكبر !!
في طريق العودة إلى المنزل رحت أفكر مع نفسي ، لماذا هؤلاء
الصليبيون بهذا الإجرام مع أنهم يضعون علامة الصليب على صدورهم وهو
رمز محبة كما كانت تخبرنا الوالدة (رحمها ألله) ، وبالتالي كيف لم
يحولهم ذلك الصليب المقدس (إذا ما كانوا مجرمين حقاً) إلى أحجار أو
يلقي بهم في هوة الجحيم ، وهو ما لقننا أياه أحد القسس الذين كان
يشرف على دروس التعليم المسيحي ، فقد كان يحذرنا دائماً من مغبة
إرتكاب المعاصي ، ذلك لأن ألله يرى ويسمع وإن كنا لا نراه ، وبأنه
قادر في كل حين على تحويل المارقين إلى حجارة صماء أو يلقي
بالعاصين في آتون الجحيم ؟
وقد بقيت لزمن لا أفهم سر هذه الإزدواجية بين عدم موت هؤلاء
الفرسان الذين يرتدون دون حق شارة الصليب (وذلك بحسب الفلم العربي
الذي لم يقدمهم لنا إلا كأشرار مارقين) وبين تحول دراكيولا مصاص
الدماء إلى تراب حالما يرفع بطل الفلم (الولد باللهجة العراقية
الدارجة) الصليب في وجهه !
بعد أكثر من ربع قرن من الدراسة والتمحيص تبين لي بأن ما تسمى
بالحروب الصليبية لم تكن إلا حرباً بين (طرفين مستعمرين) تمت على
أرض أجنبية (لا علاقة لها بكلا الطرفين المتقاتلين) رغم تغليفها
بغلالة التوجهات الدينية ، علماً أن سبب قيامها أو (الصوج)
بالعامية العراقية لم يكن من القاتل (الصليبيون) بحسب (كتب التاريخ
العربسلامية) وإنما من المقتول ، أي (الغزاة الفسيفسائيون) الذين
أستباحوا بالنار والحديد بلدان الشرق المسيحية وحولوا أهلها بالسيف
وبحيرات الدم إلى منتجعات إسلاموية يستيقظ أطفالها صبحاً على وعد
أحزمة التفجير المجانية لكي يمضوا ليلتهم في أحضان سبعين من الحور
العين (الفتيات الأبكار اللذيذات الشبقات) كما تصورها لهم خطب يوسف
القرضاوي وسلمان العودة وصالح الفوزان ؟!!
وإليكم عدد من الأمثلة الواقعية التي تعمل على تشويه عقول
العراقيين : في مادة التاريخ العربي والإسلامي المقررة على الطلبة
في المنهج المدرسي للصف الثاني المتوسط من المهازل والتلفيقات
والأكاذيب (الفاشية العربية) التي هيمنت على العراق مع تبوأ الملك
غازي للعرش وترسخت مع دعوات الناصريين في مصر ما يدعو أي دارس
موضوعي للتاريخ إلى التساؤل حقاً : هل أن ما يقرأه تلاميذ العراق
حتى اليوم هو منهج مدرسي علمي أم محض خرفات وخزعبلات من نوع (القصة
خون) التي يقول قائلها : (إذا زعق عنترة) سقط ألف فارس وإذا أطاح
بسيفه سقط عشرات الألوف صرعى ؟!
بالمناسبة (عنترة العبسي هذا أبن زبيبة الحبشية) الذي تتجاهل الكتب
العربية الإشارة إلى ديانته عادة كان (مسيحياً) مثله مثل معظم
أبناء قبائل عبس وطي وربيعة وتميم ومذحج وبهراء وشيبان وعذرة وعبد
القيس وكعب وعاملة وجذام وجفنة أو ثعلبة (الغساسنة) ولخم أو آل نصر
(المناذرة) وعبادة (العباد) وكندة وعامر وجزان وتغلب وسليح وقضاعة
وقريش التي كان معظمها يدين بالنصرانية (الأبيونية) إبتداء بالجد
الأول قصي وبخاصة قبيلة (بنو أسد) ، فيما يؤكد تاريخ اليعقوبي على
تنصر قريش كلها وشاركها في ذلك كنانة وخزاعة وهو ما يذهب إليه
الأزرقي في أخبار مكة ، (وهذا ما يناقض تماماً) الفهم الكاذب
الشائع عند العامة عن (عصر الجاهلية) العربي الذي كانت وما تزال
مناهج التعليم المدرسية المقررة تشيعها قسراً في عقول التلاميذ
الذين لا حول لهم ولا طول ؟!!
الأنكى من منهج (التاريخ للصف الثاني المتوسط) وهو الأساس المعرفي
(المغلوط) الذي يؤمن به عامة العراقيين ، منهج مقرر آخر ولكن (هذه
المرة) على طلبة (الصف الثاني / قسم التاريخ - كلية الأداب في
جامعة بغداد) هو (تاريخ أوربا في العصور الوسطى) . حيث يتناول هذا
المنهج عبر (فصل كامل) موضوع (الحروب الصليبية) ولكن وفق رؤية
(عروبيإسلاموية شوفينية) لا علاقة لها بأي منهج أكاديمي ، حيث يطلق
على جيوش الغرب المسيحي عبارة (الإحتلال الأجنبي) وهيّ مسألة
منطقية ومفهومة ، لكن ذات المنهج الأكاديمي يطلق على (فسيفساء
الأجانب) المحتلين لمناطق (الشرق الكلداني الفينقي الآرامي العبري)
من مجموع الغرباء الدخلاء من (حجازيين وسلاجقة تركمان ومماليك)
عبارة (المقاومة العربية الإسلامية) ولا مبرر لمثل هذا التمييز
الأخرق إلا بسبب كون هؤلاء الغزاة (مسلمون) ؟!!
ولتأكيد هذه الرؤية (الشوفينية العربيإسلامية) أقتبس بعض ما يرد في
الصفحتين 227 و 228 من ذلك المنهج الجامعي المقرر ، حيث يرد ما يلي
:
(في الكلام عن الحروب الصليبية يجب الأخذ بنظر الإعتبار ، أن هذه
الحروب لم تكن إلا جزء من هجوم أوربي شامل على الوطن العربي
والعالم الإسلامي . وقد بدأ هذا الهجوم قبل الحروب الصليبية وأستمر
بعدها) .
ويضيف المنهج المقرر : (لقد قام النورمان خلال النصف الأول من
القرن الحادي عشر بالهجوم على معاقل العرب في - جنوب إيطاليا كما
هاجموا صقلية - بصورة مستمرة بين عامي 1060 و1090م وأحتلوها) ويضيف
ذلك المنهج العلمي المقرر (أما في إسبانيا فقد شرعت - القوى
المسيحية - في التوسع على حساب - العرب - في كل إتجاه ... فسقطت
طليطلة بيد الفونسو السادس القشتالي عام 1085م وأستولى الآرغون على
سرقسطة عام 1118م وأستمرت حركة التصفية للوجود العربي في إسبانيا
خلال القرون الثلاثة التالية) .
الغريب هنا أن هذا المنهج المغرق في شوفينيته يقدم (الآراضي
الأوربية في إيطاليا وإسبانيا) المحتلة من قبل (الغزاة العرب
والمسلمين) على أنها (أراض عربية إسلامية) مثلها مثل (مكة أو
الطائف أو جدة) ، وإن من حق (العرب والمسلمين) أن يحتلوها ويجامعوا
نسائها وغلمانها ويجزوا أعناق أهلها الذين لا خيار أمامهم إلا أن
يقبلوا بهذا أو أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .
في المقابل فأنه ليس من حق الأوربيين عامة وأهل أسبانيا تحديداً من
قشتاليين وآرغونيين (سكان مقاطعتين إسبانيتين) أن يحرروا بلادهم من
الإحتلال الأجنبي (العربيأسلامي) ، بل أن عليهم أن يشكروا ألله
(الرحمن الرحيم) ليل نهار لأنه منّ عليهم بجيوش أجنبية تنهب
أموالهم وتهتك أعراضهم وتستبيح ممتلكاتهم . والحق أن هذا النوع من
الإستباحة للأرض والعرض لم يكن حصراً على جيوش طارق بن زياد
وأمثاله من الغزاة القدماء ، بل أستمر هذا وبشكل أكثر بشاعة مع
جيوش السلطانية العثمانية التي أشتهر جيشها بمذابحه التي طالت
الملايين من المسيحيين المشرقيين من أرمينيا إلى بلاد اليونان
والبلقان ، ناهيكم عن مذابح المسيحيين في الشام ومذابح الكلدان
(الثلاثة عشر) التي تم فيها تجييش (الأغوات الكورد) وكان من
نتائجها إختلاق ما تسمى اليوم بكوردستان العراق وهيّ أراض وبلدات
كلدانية مسيحية منذ آلاف السنين . أنظر دراستي الموسومة (فظائع
الأغوات الكورد) .
ولعل خير مثال على تحريفات مناهج التدريس العراقية والعربيإسلامية
عامة (خطبة البربري المستعرب) طارق بن زياد (البربر سكان المغرب
الأصليين) الذي لا يحفظ العرب والمستعربة العراقيين وغيرهم من
مسلمين غير هذا المقطع من خطبته (البحر من ورائكم والعدو من أمامكم
فأيهما تختارون ؟) ، لكن بقية الخطبة التي لا يعرف العامة عنها
شيئاً ، إنما تكشف وبشكل واضح وجلي حقيقة (النوازع الإستعمارية)
والأطماع البشرية التي تقف وراء غزو العرب والمسلمين لإسبانيا
وأوربا عامة ، حيث يظهر النص الذي يلي مقطع أبن زياد الشهير (البحر
من ورائكم والعدو من أمامكم) بأن لا علاقة من قريب أو بعيد لتوجهات
ذلك الجيش الفسيفسائي الأجنبي المرتزق بأي قناعة إيمانية أو مشيئة
إلاهية (حاشى لله) . وبرغم إقتصار خطبة أبن زياد على إعلاء شأن
العرب ، إلا أن الطريف هنا أنه أستخدم مفردة العربان (وشتان ما بين
العرب والعربان) ، المهم هنا أن عماد جيش الغزاة ذاك كان جلّهم بين
بربر وزنج وآراميين وقبط مستعربة ، حتى أن القائد الأعلى للحملة
(موسى بن نصير) كان بالأصل من كلدان النجف المستعربة ، قتل الغزاة
المسلمون أباه فتربى على الإسلام مع أسرى مدينة النجف (الكوشيا)
الكلدانية المسيحية أصلاً ، أما طارق بن زياد فمعروف بكونه من
برابرة بلاد المغرب .
وإليكم تتمة خطبة أبن زياد غداة (إستعماره لإسبانيا) ، حيث صرخ
قائلاً في جنوده (المؤمنين الميامين) الذين كان يسيل لعابهم لمجرد
التفكير (بحجم الغنائم وطراوة أعواد الإسبانيات) : وقد بلغكم ما
أنشأت هذه الجزيرة من (الحور الحسان) الرافلات في (الدر والمرجان)
و(الحلل المنسوجة بالعقيان) ، (المقصورات في قصور الملوك ذي
التيجان) ، ثم يستطرد .. وقد أنتخبكم أمير المؤمنين الوليد بن عبد
الملك ((ومن لا يعرف أمير المؤمنين هذا فليقرأ عن تاريخه المشرف))
من الأبطال عرباناً ... ليظهر دينه على هذه الجزيرة وليكون (مغنمها
خالصاً لكم) من دونه ودون المؤمنين سواكم (أي أن مغانمها
ومنهوباتها لله - الخليفة - ولكم) .
وكأن إلله (جل جلاله) بحاجة إلى تلك الغنائم والمنهوبات وهو الذي
خلق الأرض والسماوات ، فهل هذا (فتح إيماني أم نهب وإستعمار) ،
وبالتالي لماذا حلال على العربي والمستعرب والأجنبي (المسلم) أن
يغزوا وينهب ويغتصب ويسلب البلدان الصليبية (بأسم ألله) ، بينما
حرام على أهل تلك البلدان حتى الدفاع عن حرمات حجيجهم (وهيّ
المبررات) التي قادت إلى نشوب الحروب الصليبية ؟!!
ولمن يريد الإستزادة حول موضوع التجاوزات والإمتهانات
(العربسلامية) لغير المسلمين من سكان البلدان المحتلة فليقرأ ما
يحتويه كتاب (في أحكام أهل الذمة) لأبن الجوزي لكي يطلع على حجم
وبشاعة الإمتهان الإنساني المريع لمن (يمن ألله) عليه وعلى بلاده
بالإحتلال من قبل دعاة تطبيق الشريعة من غلاة العرب والمسلمين .
والسؤال هنا هو : إن كان هذا ما يرد في مناهج التعليم (العلمانية)
التي يفترض بها أن تكون (أكاديمية محضة) فما بالكم بما تنشره
الفضائيات والمواقع العربسلامية من تخاريف وأضاليل ، وهل لنا بعد
ذلك أن نستغرب سر ذلك العداء المستفحل للغرب والرغبة العارمة في
تدميره من قبل العربيإسلاميين ، مع أن الأوربيين لم يأتوا بسيوفهم
يوماً لإجبار العرب أو المسلمين بالتحول عن دينهم أو ذبحهم ذبح
النعاج بل أن العرب والمسلمين هم من ذهبوا إلى أوربا فأغتصبوها
وأمتهنوا أهلها وذلك (قبل قرون) من قيام الحملات الصليبية !
وبالتالي ، هل لنا أن نستغرب كيف ينقلب (الإرهابي) الذي يفجر نفسه
بين تلاميذ المدارس وفي باصات العمال والكسبة وفي الأسواق الشعبية
بين النساء والأطفال والكادحين إلى (مقاوم) ، وكيف يصير (الأجنبي
الدخيل) إيرانياً كان أم عثمانياً إلى (صاحب الأرض) في البيانات
والخطب العربسلامية ، وهل نستغرب كيف تجوز مثل هذه الأكاذيب
والإفتراءات الإسلاموية العروبية رغم (هزالتها وتفاهتها) على
العامة والمثقفين في الشارع العربي (سكان البلدان الناطقة
بالعربية) ؟!!
وكنموذج أخير
على حجم الإسفاف العربي في مجال تدوين الأحداث التاريخية وإنعدام
مصداقية المؤرخ المسلم فيما يتعلق بهذا الموضوع جراء التحريفات
والمبالغات والتهويلات (القصة خونية) أستشهد هنا بما جاء في كتاب
(فتح الفتوح للواقدي) ، حيث يذكر الواقدي في الصفحة
176
:
وكان الظلام قد أعتكر فأفتقدوا المعركة بين القتلى فأذا قتل من
العرب المتنصرة (خمسة آلاف فارس وسيدان) من ساداتهم وهما رفاعة بن
مطعم الغساني والآخر شداد بن الأوس ووجدوا من قتل من المسلمين
(عشرة رجال) !!!
ولو قمنا بتحويل هذه الأرقام إلى معادلة رياضية لتبين لنا بأن نسبة
الخسائر بين الطرفين هو (واحد إلى خمسمائة) وبمعنى آخر أن كل مقاتل
عربي مسلم تمكن من قتل 42 مقاتل عربي مسيحي كمعدل لكل ساعة من
ساعات القتال وعلى مدى أثني عشر ساعة من القتال المتواصل دون أن
يكل أو ينهار تعباً ، وبمعنى أدق أن قتل (مقاتل عربي مسيحي مدرب
للقتال) لم يستغرق بحسب الواقدي أكثر من (ثانية وأربع أعشار
الثانية) تقريباً !!!
ولا أعرف هل كان هؤلاء المقاتلة العرب المسلمون يمتلكون أذرع بشرية
لها طاقات معروفة ومحدودة ، أم أن واحدهم كان قد أستبدل ذراعه (قبل
المعركة) بريشة مروحة كهربائية (يابانية الصنع) لكي يتمكن من
تحريكها على مدى أثني عشر ساعة دون توقف ، وبسرع تكفي لإضاءة منزل
عصري مكيف ؟!!
إن مثل هذا التفاوت الرقمي بين قتلى الغساسنة (المسيحيين) الهائل
العدد (خمسة آلاف فارس وسيدان) وهم الذين أشتهروا بمقارعتهم للدولة
الفارسية وبين العدد الضئيل إلى حد اللامعقول لقتلى المسلمين (عشرة
رجال) قد يبهج العقول الصغيرة وعامة المسلمين ، ذلك أن مناهج
التدريس العروبية التقليدية دأبت على ترسيخ فكرة (سيادة) العنصر
العربي (خير أمة أخرجت للناس) وحقارة العناصر الأخرى ، كما أن
حكايات عنترة العبسي كما أسلفنا (الذي كان يصيح فيطيح ألف من
الفرسان) جعل العامة تتقبل تلك الأرقام الفلكية دونما تمحيص أو حتى
رغبة في الفهم الصحيح ، ذلك أن الإبتهاج الفطري البدائي هو جزء لا
يتجزأ من الوهم الجمعي (العامة) الذي يعد حجر الزاوية في بناء
معتقدات المجتمعات العربسلامية المصابة بداء كراهية (القردة
والخنازير) من مسيحيين (حضاريين) ويهود (أثرياء) ، وهيّ كراهية
تشيعها للأسف الأحاديث الدينية الملفقة من ناحية ، والمريضة بعقدة
الآخر أو كما يسميها المصريون (عقدة الخواجة) من ناحية أخرى !!
أن ما يدعوني اليوم إلى تناول موضوع (الحروب الصليبية) المحرف
والمضبب الذي يتعكز عليه الإرهابيون ، ليس مشاهد التدريب المسممة
لعقول الشبيبة التي تبثها علينا قنوات التلفزيون الفضائية العربية
الممولة إما سعودياً أو إيرانياً كالجزيرة والذكر والفيحاء والمنار
وما شابهها من منابر متخلفة ، والتي عادة ما تبث علينا مشاهد
لمجاميع ملثمة (من كائنات الظلام) وهم يصوبون أسلحتهم نحو شخوص
تحمل شارة الصليب (وبالمناسبة لم نسمع ولو كلمة إعتراض واحدة من
أي مسؤول عربي أو مسلم بهذا الصدد ، في حين لو كانت هذه الشخوص
تحمل شارة الهلال - وهيّ شارة وثنية أصلاً - أو آيات قرآنية) لهاج
وماج الشارع العربيإسلامي ولاستبيحت الأعراض وذبحت الراهبات وفجرت
الكنائس بالعشرات حفاظاً على ماء وجه الدين الحنيف !
الحق أن ما يدعوني إلى كتابة هذا الموضوع هو ما كتبه مرة أحد
الشمامسة (مساعد قس) في مجلة أمريكية يفترض
بها أن تكون ناطقة بأسم منظمة فرسان كولومبس الكاثوليكية هيّ مجلة
(الفارس) وذلك في موضوع تحت عنوان (الحروب الصليبية) . حيث لم يكن
ذلك الموضوع (وهو ما أثار دهشتي وإستغرابي) أكثر من ترديد ببغائي
ساذج لطروحات آلة الدعاية العربيإسلامية ، هذا علاوة على الصدام
الذي حدث مؤخراً بيني وبين مؤسسة أمريكية عربية إسلامية تبث من
أمريكا ذاتها (سياسة الكره والأضاليل ليس ضد المسيحيين حسب بل حتى
ضد المسلمين من المذاهب الأخرى ولاسيما الشيعة - الجعفرية - الأثنى
عشرية) ، تدعمها في ذلك جهات عربية إسلامية أصولية بالتعاون مع
ملحدين أمريكيين معروفين ناقمين على المسيحية من نمط جورج سورو
ومارك كيوبن ، علاوة على مجاميع من اليسار الموغل في التطرف .
ماهية الحروب الصليبية ... تواريخ وحقائق
يطلق على مجموع الحروب ما بين العامين (1096م - 1291م) التي قامت
بين الشرق الذي أنتشر الإسلام فيه (طوعاً ودونما غزوات أو إكراه)
وبين الغرب المسيحي الذي قد يخال للبعض بأن السيد المسيح (ملك
السلام) وحواريه (الشهداء) قد خيروا سكانه (بين أن يقبلوا
بالمسيحية بديلاً عن وثنيتهم أو أن يذبحهم المسيحيون ذبح النعاج
ويسلبوا أملاكهم ويهتكوا أعراض نسائهم قدامهم وينهبوا أموالهم)
جرياً على عادة أصحاب الغزوات !!
وقد أمتدت تلك الحروب التي تألفت من ستة حملات (صليبية) لم تصل سوى
ثلاث منها إلى مبتغاها في الشرق هما الوجبة الثانية من الحملة
الأولى (حملة الأمراء) بقيادة جودفري دو بوايون خادم القبر المقدس
(الذي حكم القدس والناصرة وبيث لحم وبيروت وعكا وصيدا وصور وعسقلان
وحيفا) وبوهيموند (أمير أنطاكيا) ، وريموند أمير تولوز الذي ملك
على (كونتيسة طرابلس) وبلدوين شقيق جودفري دو بوايون أمير (أورها)
، والحملة الثالثة أو حملة الملوك (فردريك الأول إمبراطور ألمانيا
الذي غرق في أسيا وتشتت جيشه) و(ريتشارد الأول قلب الأسد ملك
أنكلترا) و(فيليب أوغسطس ملك فرنسا) ، والحملة الأخرى هيّ الحملة
الخامسة التي قادها فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا التي لم يتحارب
فيها الطرفان بل عقد فيها الملك الكامل أيوب معاهدة صلح أقر فيها
بعائدية مملكة القدس والناصرة وبيت لحم للإمبراطور الألماني . أما
الحملات الأخرى فقد أنتهت الثانية على أبواب دمشق ، وتوجهت الرابعة
إلى القسطنطينية ، فيما أنتهت الحملة السادسة أي حملة القديس (لويس
التاسع) ملك فرنسا بوفاته في تونس أثر مرض ألم به بعد عبوره للبحر
المتوسط .
|