April 10, 2006

أكيتو 7306 ك .. تصويبات وإضافات !

*********************************
عامر حنا فتوحي

لقد كنا وما نزال نأمل مع إطلالة كل أكيتو جديد أن يكف العراقيون من (أبناء أمتنا الواحدة) عن الدخول في المساجلات الإنشائية العقيمة التي تفرق ولا تجمع ، كما كنا نأمل وما نزال أن يكف (الدخلاء) على الشؤون الرافدية من (غير العراقيين) ممن حاولنا أن نبين لهم عبر الدليل الآثاري والوثيقة التاريخية والتأكيدات الكتابية (Biblical) خطل قراءتهم للتاريخ الرافدي وسطحية فهمهم للفروق ما بين المصطلحات الوطنية والعرقية والطائفية ، لكننا للأسف الشديد نجد أن الأقلام ذاتها التي تعودت أن تنتقص من الكلدان من ناحية وتروج من ناحية أخرى لمعلومات قاصرة وبعيدة عن المنطق العلمي والتاريخي ، إنما تعاود في كل عام إلى إجترار الكتابات السابقة الخائبة ، مما يدعونا إلى معاودة الكرة لدحض مغالطاتهم .

 

عموماً ، أكتفي هنا بنشر موضوع (أكيتو) هذا بمناسبة رأس السنة الكلدانية البابلية (7306ك) مشاركة لأبناء أمتي الكلدية العريقة بهذه المناسبة الرافدية العزيزة على قلوبنا . مع وعد مني بنشر مواضيع مستقبلية من نمط جديد (بأستثناء الموضوع القادم) الذي سيوجه لردع المتجاوزين على مصداقية الإنتماء القومي الكلداني العريق ، أما  الغاية الرئيسة من مواضيعي القادمة الجديدة فهي ، إلقاء المزيد من الضوء على مناطق (محرمة) عمدت السلطات الظالمة المتعاقبة على وطننا الأم إلى إغراقها في لجة الظلام لقرون عديدة ، وذلك منذ الإحتلال الأخميني مروراً بالغزو الإسلامي لوطننا الأم (بيث نهرين) حتى اليوم . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى سأسعى من خلال هذه المواضيع إلى كشف ما قامت به تلك السلطات الظلامية المصابة (بمركب النقص) من تسخير لآلتها الدعائية من أجل ترسيخ تواريخ محرفة ومزيفة في الذهن الجمعي لسكان (البلدان الناطقة بالعربية) بعيداً عن المنطق والواقع التاريخي ، وتوضيح أثرها السلبي على العراقيين بشكل عام والكلدان بشكل خاص . ومن جملة هذه المواضيع التي آمل أن أنشرها قريباً : (عرب عراقيون أم مستعربة ؟) ، (هل فلسطين حقاً عربية ؟) ، (مناهج التدريس العراقي بين الطفيرة والحية ودرج) ، (الحروب الصليبية وتحريفات الإعلام العروبي) ، (إغتيال التاريخ الرافدي .. أقلام وأفلام) .

 

أكيتو .. رأس السنة الكلدانية البابلية

يعود الإحتفال (برأس السنة الرافدية) في الأول من نيسان إلى السلالة البابلية الأولى ، أي إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد ، إذ تم على عهد هذه السلالة العمورية التي تنحدر عن الكلدان الأوائل ترتيب حلقات الحياة بشكلها شبه النهائي في حياة سكان ما بين النهرين ، سواء من الناحية الدينية أو الإقتصادية أو الإجتماعية ومنها (توحيد التقويم) ، فصار (الإحتفال الرسمي بعيد أكيتو في بابل) يمثل منذ وقتذاك عيد رأس السنة ، ولا تجرى إحتفالات المدن الأخرى وبضمنها (أحتفالات مدن كلخو وآشور ونينوى التي أجريت لبعض الوقت "في نينوى" إلا بعد الإنتهاء من الإحتفال الرسمي في بابل) ، فيما صار يحتفل في (الخامس عشر من شهر أيلول) بعيد التجدد أو عيد شجرة الحياة (النخلة المقدسة) .

أما قبل ذلك التاريخ فكان الإحتفال بأكيتو -Akitu- أو كما يسمى بالسومرية أكيتي -Akiti- يمثل أحد مناسبتين رئيستين (أكيتو وزاكموك) ، اللتين كان الوسط جنوبيون (يحتفلون بهما منذ عهد الكلدان الأوائل في أريدو 5300 ق.م) ، وكان هذين الإحتفالين يتميزان بأهمية خاصة في أريدو وكيش وأور وأوروك في فترة ما قبل الهجرة السومرية 3500 ق.م حتى نهاية العهد السومري الحديث 2112-2004 ق.م ، وكانت أور ممثلة بإلهها ننار -Nannar- الإله القمر (إله الحكمة) تلعب دوراً رئيساً في هذه الإحتفالات ، وبخاصة في عهد سلالة أور الثالثة .

 

وبديهي أن الرافديين الوسط جنوبيين القدماء من الكلدان الأوائل والسومريين كانوا قد أعتمدوا الإعتدال الخريفي زاكموك -Zagmuk- الذي يتم فيه جني التمور كبداية للسنة مع احتفالهم بكلا الاعتدالين الربيعي والخريفي بذات القوة والأهمية ، لكن بداية السنة وهي الترجمة الحرفية للكلمة السومرية (زاكموك) الذي تبناه السومريون كانت طقوسه تتركز حول (قدسية شجرة النخيل) وممارسة شعائر الخصب والتجدد / الزواج المقدس -Hashadu- ممثلة في العهد البابلي بمردوخ -Mardukh- الإله الوطني للبابليين وزوجته صربانيتم -Sarpanitu(m)- اللذين يمثلهما على الأرض الملك البابلي وكاهنة المعبد العليا -السيدة الإلهية- إينتوم -Entu(m)- .

 

والحقيقة فإن الأسم أكيتو مشتق عن تسمية قديمة جداً هي آكيتي شي كور كو - a-ki-ti-she-gur10-ku5- وهو عيد جز الصوف الذي كان يحتفل به منذ القديم في الفترة ما بين شهري آذار ونيسان (الموافق لشهر نيسان الحالي) ، وكان يعني عند العامة أيضاَ رأس السنة الجديدة وبخاصة في العهد قبل السرجوني (شروكين الكبير إمبراطور أكد) -Pre-Sargonic Period- ، حيث كان يحتفل به كما يثبت لنا ذلك نص لوح وصلنا من كرسو -Girsu- في مدينة أور الكلدان أولاً ، ثم بعد إنتهاء الإحتفالات الرسمية يحتفل به في مدينة نيبور ، ولكن مع هيمنة العموريين المنحدرين عن الكلدان الأوائل لازمته صفة (عيد بداية السنة) أي رأس السنة وبالبابلية القديمة (أكدية) بابل الكلدية الأصل -Resh Shattim- ، فصار أكيتو الإحتفال الرسمي الوحيد الخاص برأس السنة الجديدة ومركز إحتفاله الشرعي بابل .

 

لهذا أنفرد البابليون بممارسة طقوس الأحتفال بعيد رأس السنة البابلية (أكيتو) في الأول من شهر نيسان من كل عام ، فيما كان الإحتفال بهذه المناسبة يتم في المناطق الأخرى من وادي الرافدين وخاصة في إقليم الشمال شوبارو / آشور في تواريخ لاحقة (أي بعد الأنتهاء من أحتفالات العراق القديم المركزية في بابل) .

 

وبديهي أن الإله الوطني للبابليين (مردوخ) كان هو محور الإحتفال بعيد أكيتو سواء كان ذلك في بابل التي كانت هيّ المدينة الأولى التي يحتفل بها بهذه المناسبة المهمة أو في المدن الأخرى ، ولكن بعد دمار بابل على يد ملك الدولة الآشورية سنحاريب عام 689 ق.م توقفت الإحتفالات العظيمة في بابل لبضع سنوات ، فقام سنحاريب بالإحتفال بعيد أكيتو في عاصمته نينوى جاعلاً (الإله الشوباري الأصل آشور) يلعب الدور الرئيس في الإحتفالات ، مما أثار نقمة سكان أقليم آشور المهاجرين والمهجرين من بابل ، فأنقلب عليه أهل بيته وتمكن أحد أبنائه من قتله ، وهنا قام أبنه أسرحدون عن نية حسنة أو بناءً على رغبة والدته الكلدانية نقية / زاكوتو باللغة البابلية -Naqia / Zakutu- بإعادة تعمير بابل ، وإعادة طقوس مراسيم الإحتفال بكبير آلهة العراق القديم والإله الوطني مردوخ في بابل .

ويعتبر قمبيز الثاني -Cambyses II- أبن كورش الثاني -Cyrus II- آخر ملك قام بمراسيم أخذ يد الإله مردوخ في بابل عام 529 ق.م ، وذلك قبل تدمير زقورة بابل ومعبد الإيساكيلا في عام 482 ق.م في عهد الملك الأخميني أحشويرش الأول -Artaxerxes I- ، لكن الإحتفال بعيد أكيتو (بقي مستمراً في الإقليم البابلي) بحسب الوثائق التي جاءتنا من مدينة أوروك حتى منتصف القرن الثاني ق.م .

 

والحق فإنه منذ العهد البابلي القديم كانت جميع الأنظار تتطلع في الأول من نيسان من كل عام صوب بابل -Babel- العاصمة الرسمية للبلاد ، حيث كانت تجرى فيها الاحتفالات الباذخة وسط تجمعات بشرية هائلة تحج إليها من كل أنحاء البلاد الرافدية القديمة وبضمنها الأحواز والشريط البحري الممتد حتى قطرايا ومنطقة الفرات الأعلى وصولاً إلى حران .

وكانت الإحتفالات تجرى على مرحلتين وفي موقعين مختلفين هما معبد الإله الأعظم مردوخ إي ساك إيلا -E sag ila- أي المعبد المرفوع الرأس في زقورة بابل الشهيرة المعروفة بأسم إيه تيمن آن كي -E-temen-an-ki- أي بيت أسس السماء والأرض ، أما الموقع الآخر فهو المعبد المعروف بأسم بيت أكيتو (Bit Akitu) الذي يقع خارج أسوار المدينة من جهة الشمال .

وجدير بالذكر ، أنه منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد عمد البابليون إلى تحاشي مناداة (الإله مردوخ) بأسمه المجرد بسبب سطوته الإلهية وهيبته في نفوس المؤمنين ، وبدلاً من ذلك راحوا يستخدمون أثناء ذكرهم له صفته الرمزية (إيلو بعل) أي (السيد الإله) المشابهة لما أعتمده كتبة العهد القديم في إستخدامهم لعبارة (الرب الإله) كصفة لإيلوهيم / ألله العبراني .

 

يبدأ عيد رأس السنة الجديدة أكيتو في اليوم الأول من شهر نيسان ويستمر لمدة أحد عشر يوماً . وتخصص الأيام الثمانية الأولى لممارسات التكفير عن الذنوب ولا يسمح لغير كهنة القداديس الإحتفالية الأوريكالو -Urigallu-  بالإقامة في معبد الإيساكيلا الملحق ببرج بابل المسمى إيتيمناكي ، حيث تقام الصلوات وتنشد التراتيل ، وفي اليوم الرابع يفتتح الإحتفال جماهيرياً ويعلن الكاهن الأعلى للإيساكيلا الشيشكالو -Sheshgallu- بدء المراسيم الإحتفالية للسنة الجديدة على مستوى العامة ، مبتدئين بالتلاوة الشعرية لأسطورة الخليقة البابلية الإينوما إيليش -Enuma elish- التي تعني عندما في العلى ، وذلك من قبل كاهن القداديس الإحتفالية الأوريكالو مصحوباً بكادر من الممثلات والممثلين الذين يقومون بتمثيل تفاصيل الملحمة وما تزال هذه التمثيليات الشعبية تشاهد في تمثيل (تشابيه) معركة (الطف) في كربلاء (كربة إيل / الكلدانية) من قبل أبناء الطائفة الجعفرية الذين ينحدر معظمهم عن البابليين الكلدان ، مثلما كانت تشاهد من قبل (إبان العهد المسيحي في العراق) ، وذلك في تشابيه أحداث (الثلاثة العظيمة) وهيّ الجمعة العظيمة وسبت النور وأحد القيامة التي كنت تمثل من قبل المجاميع الكنسية في إقليم بابل أو كما كانت العرب بعد التوسعات الحجازية تطلق عليه تسمية (العراق الأعجمي) لغلبة العنصر الكلداني عليه .

 

وما يهمنا هنا أن أحتفالات أكيتو بإتفاق جميع المؤرخين ومصادقة الأدلة الآثارية ، إنما كانت تمارس من قبل العراقيين القدماء (بشكل رئيس ومركزي في بابل) ، ذلك أن (عيد أكيتو) أبتدأ وأنتهى في العراق القديم عيداً وسط جنوبي (إقليم بابل) ، ولم يكن في يوم من الأيام من إبتكار إقليم آشور .

كما أن الوسط جنوبيين من الكلدان الأوائل كانوا يحتفلون به منذ تأسيس أولى مدن ما قبل الطوفان (أريدو) صاحبة أول معبد بأسم (إي ساك إيلا -E sag ila-) بحدود 5300 ق.م ، وذلك وفقاً لما جاء في المدونات والملاحم التي ترجع للعهد البابلي القديم ، فيما لم تعرف مدن الإقليم الشمالي هذه الإحتفالات رسمياً (إلا في حدود 1200 ق.م) ، وذلك أثر نقل توكلتي ننورتا الأول (تمثال الإله مردوخ إله البابليين) إلى إقليم آشور مما أدى إلى إحتفال السكان (جلهم من المهاجرين والمهجرين الكلدان) بعيد أكيتو الذي تدور أحداثه (حول تنظيم مردوخ للكون) ، وهو ما يدحض تماماً المغالطة التي تشاع من قبل البعض من غير المتخصصين في مجال الدراسات التاريخية حول عائدية عيد أكيتو لإقليم آشور ؟!!

 

للمزيد من التفاصيل حول عيد أكيتو البابلي الكلدي ، أيامه والتفاصيل الدقيقة عن المشاركين في إحيائه وبقية التفاصيل الأخرى المرتبطة به يرجى مراجعة الفصول (أكيتو رأس السنة الكلدانية / البابلية 5300 ق.م) ، (سنة آشورية .. أم سنة كلدانية بابلية ؟ ) ، (الأعياد القومية الكلدانية) ، (التقويم في العراق القديم) ، (السياسة والدين في العراق القديم) وذلك ضمن أجزاء الكتاب الموسوم (الكلدان .. منذ بدء الزمان) .

 

إضافات

 

إضافة أولى : قرأت قبل فترة في موقع عنكاوا موضوعاً شيقاً للسيد إبرم شبيرا حاول من خلاله أن يفسر مبرر إعتماد أخوتنا الآثوريين لرقم سنتهم غير الواقعية بالنص التالي : (في الخمسينات من القرن التاسع عشر تمكن الآثاريون من التوصل إلى استنتاج مفاده بأن معبد مدينة آشور كان قد شيد بحدود عام 4750 ق.م. ثم اعتمد هذا التاريخ كبداية للمدنية والحضارة ) !!!

لتصويب هذه المغالطة العلمية التي لا أساس لها من الصحة نذكر ما يلي :

1- إن تلك الإستنتاجات التي طرحها البعض قبل ما يزيد على قرن ونصف من الزمان ولم يتقبلها المحفل الأكاديمي لم تكن مدعمة بأية أدلة علمية أو نصوص تاريخية إنما كانت محض توقعات عتيقة تجاوزتها المكتشفات التاريخية اللاحقة منذ قرن تقريباً ، ويكفي لدحض الرقم اللاواقعي للسيد شبيرا (4750 ق.م) الإستشهاد بما جاء في ترجمة مجلدي العالم الآثاري الألماني فالتر أندريه (Die Archaischenischen Ischtar - Tempel In Assur) ناهيكم عن العشرات من المصادر الأحدث عمراً . أن تصويب التوقعات غير المؤكدة مسألة طبيعية عند المؤرخين ولعل خير مثال على ذلك ، تصويب أسم الملكة الأورية بوآبي وأسم الملك أورو-أنيمكينا اللذين كان الآثاريون في القرن التاسع عشر يقرأونهما شبعاد وأوركاجينا ، لذلك فأن إحتساب السنة (4750 ق.م) في ضوء المكتشفات الحديثة هيّ مسألة باطلة علمياً جملة وتفصيلاً .

2- أن تاريخ بناء أول معبد للإله الهندوأوربي الشوباري الأجنبي الأصل (آشور) في ضوء المكتشفات اللاحقة إنما قد تم بحدود أواخر القرن الثاني ومطلع القرن الأول ق.م ، أي في عهد الشيخ الشوباري أوشبيا ذو التسلسل 16 بين الشيوخ الشوباريين البدو من (ساكني الخيام) ، وللعلم أيضاً أن أوشبيا الأجنبي هذا قد بنى (معبد آشور) ذاك على أساس معبد سومري قديم مخصص للإلهة إنانا (عشتار).

3- يتبين مما أشرت إليه آنفاً وهو ما يتفق معه جميع الآثاريين المحدثين بأن التاريخ غير الواقعي 4750 ق.م هو تاريخي غير صحيح وهو بالتالي تاريخ قائم على وهم باطل ، مع ذلك لن أستغرب من أخوتنا الآثوريين أن يقيموا أحتفالاتهم في العام القادم معتمدين ذات التاريخ الباطل علمياً ، والسؤال هنا (من يضحك على من) ؟

** المثير للإبتسام أيضاً ما ذهب إليه السيد شبيرا حيث أشار في ذات الإستشهاد السابق بأن (ذلك التاريخ غير الواقعي -4750 ق.م- قد أعتمد من قبل العلماء كبداية للمدنية والحضارة) ، ولن أعلق على مثل هذه العبارة غير المنطقية إلا بقولي للسيد شبيرا وكافة أخوتنا الآثورين : للتأكد من خطل هذا الزعم يرجى مراجعة أي مسرد تاريخي حديث للعراق القديم لمعرفة كيفية تصنيف العصور التاريخية وما سبقتها من عصور ، وبالتالي التأكد من إتفاق الآثاريين المحدثين جميعاً على أن الإقليم البابلي هو موئل الحضارة والمدنية الراقية في العراق القديم .

 

إضافة ثانية :

كيفية إحتساب تاريخ السنة الكلدانية البابلية (7306ك) وماهية الدلائل العلمية الآثارية والكتابية التي تدعمها ؟ .. يعتمد الكلدان المعاصرون إحتفالات عاصمة الكلدان الأولى (أريدو) التي تأسست بحدود 5300 ق.م (في قلب موطن الكلدان التاريخي - مات كلدو) كبداية للتاريخ الكلداني البابلي ، ومما يدعم مصداقية هذا التاريخ وواقعيته ونسبته للكلدان الأوائل هو :

1- لم تعرف مدن العراق القديم معبداً رسمياً للإله الوطني البابلي مردوخ إلا في مدينتين هما ضاحية أريدو المعروفة بأسم كو-ارا وضاحية المركز لمدينة بابل ، كما أن كلا المعبدين الرئيسين لهاتين المدينتين العريقتين حملا التسمية ذاتها إي ساك إيلا -E sag ila-  وهذا لم يأتي عن طريق المصادفة وإنما بسبب أن سكان كلتا المدينتين كانوا من الكلديين .

2- حملت كلتا المدينتين أريدو وبابل عبر آلاف السنين ذات الكنية (نون كي) والتي تقابلها عبارة (شباط بلاطي) أي موطن الحياة = النخيل وهذا ما يتوافق تماماً مع ما جاء في جداول أنساب الملوك ، ومعلوم لدى المؤرخين والآثاريين المحدثين بأن بناة أريدو وأوار وأوروك القدماء لم يكونوا من السومريين الذين وفدوا من شمال العراق القديم إلى جنوبه في حدود 3500 ق.م ، وإنما كانوا كما تثبت ذلك العديد من الدراسات الحديثة من الأكديين القدماء (تسمية موقعية) وبمعنى آخر من الكلدان الأوائل 5300 ق.م بدلالة وحدة اللغة والتراث الروحي والثقافي ودلالات أخرى عديدة أوردناها مفصلة في كتاب (الكلدان منذ بدء الزمان).

3- حول عراقة الكلدان وقدمهم في التاريخ الرافدي نستشهد أيضاً بما جاء في تسجيلات الملك الكلداني نبوناصر (747-734 ق.م) الذي (أعترف بتدميره لكافة التسجيلات التاريخية للملوك الكلدان الذين سبقوه) ، ولو أتيح لأي قارئ مشاهدة بعض المكتبات المكتشفة في الإقليم البابلي لهاله عدد الألواح التي تتجاوز الألف في بعض تلك المكتبات الصغيرة ، فكيف بمكتبة ملكية لملك كنبوناصر الذي عرف عنه إهتمامه المفرط بالتدوين ؟

ومعروف أيضاً أن (ملك آشور سنحاريب) قد قام أيضاً في وقت لاحق بتدمير المكتبات الكلدانية وحرق دور العلم في بابل ومن ثم أغراقها بماء الفرات ، وهو ما فعله الغزاة المغول تماماً بعد ألفين عام تقريباً بالعاصمة بغداد ، لهذا لن نستغرب تلك الندرة الغريبة في الألواح التي تسجل التاريخ العريق للكلدان ، لكن ما سلم (لله الحمد) من تخريب نبوناصر وسنحاريب يكفينا اليوم لشد لحمة تاريخنا الكلدي الحديث بتاريخ أسلافنا الكلدان الأوائل (سكان العراق الأصليين) .

4- يؤكد الكتاب المقدس في أكثر من موضع (عراقة الكلدان وقدمهم في التاريخ الرافدي) ويكفي هنا الإستشهاد بسفري التكوين وإرميا للتدليل على ذلك .

5- تؤكد (موسوعة البابليات) للمؤرخ البابلي المعروف (برحوشا) الذي أطلق عليه الإغريق تسمية (فم الذهب) والذي عاش في مطلع القرن الثالث ق.م (أي قبل حرب التسميات التي يخوضها اليوم أبناء شعبنا الواحد) ، بأنه قد أعتمد في تدوين موسوعته تلك على التسجيلات الرافدية القديمة التي لم يعثر على معظمها حتى اليوم ، ويؤكد ذلك المؤرخ القديم (الذي نهل من علمه العديد من المؤرخين الكلاسيكيين) بأن (أول ملك حكم وادي الرافدين القديم كان كلدانياً) ، وأن بداية حكمه كانت في عاصمة الكلدان الأوائل (أريدو) وهذا ما تؤكده جداول سلالات ما قبل وبعد الطوفان (Nam-lu-gal) ، وطبعاً هذا التأكيد التاريخي الذي تدعمه المكتشفات الآثارية جاء قبل تأسيس زوعا وحزب الإتحاد الديمقراطي الكلداني وقبل نشوء الإحترابات حول التسمية الملائمة لأبناء شعبنا الواحد بآلاف السنين.

6- يطلب الكتاب المقدس شهادتين من أجل المصادقة على أمر ما ، وها نحن هنا نذكر (خمس شهادات دامغة) ناهيكم عن ضعف هذا العدد من الشهادات اللغوية والتراثية التي تتواجد في المدونات التاريخية والأدبية ولا سيما في أساطير المدن الرافدية القديمة وأساطير الآلهة وكثير من الإستشهادات الأخرى القديمة والمحدثة التي قمت بتناولها بشيء من التفصيل في كتاب (الكلدان .. منذ بدء الزمان) ، والتي أضفت لها الكثير في النسخة الإنكليزية المنقحة والمزيدة ، التي سيقوم كادر من كبار الأساتذة الجامعيين المتخصصين بشؤون الشرق الأدنى القديم في جامعة ميتشيغان وبمؤازرة من البروفيسور (Chancellor D. Little) بالتقديم له بمشيئة الرب .

 

أخيراً ، أنتهز هذه المناسبة العزيزة عيد أكيتو (رأس السنة الكلدانية البابلية 7306ك) لكي أتمنى ثانية لأسرتي (عنكاوا وكالديا) وجميع القراء الأعزاء دونما إستثناء والعراقيين جميعاً سنة حافلة بالخير والموفقية ، راجياً من الرب القدير أن يعم سلامه وطن الرافدين (بيث نهرين) العراق العزيز ، البلد الذي أبتدأت فيه ومنه رسالة محبة ألله وسلامه للبشرية مع أبينا إبراهيم (بابن أوراهم) وكل أكيتو وأنتم بألف خير .

 

عامر حنا فتوحي

www.amerfatuhiart.com 

 

 

kaldu

Home
Articles
Meetings
Contact Us
About Us