April 10, 2006

تُرى، ماذا فَعَلَ الكلدان ليتَعَرَّضوا لِكُلِّ هذا التَجَنِّي والبُهتان !*********************************
الشماس كوركيس مردو

 

يظهرُ أن نارَ  الهَجمَةِ  الشَرسة  التي أشعَلها  غُلاةُ  العُنصريين  دُعاةُ  الآشورية  المُزيَّفة  ومأجوروهم  من المُرتزقة الكلدان الجاحدين  ضِدَّ  القومية الكلدانية  وسعبِها النبيل  لأَكثر من عامَين  بعد سقوط النظام البعثي الشوفيني في العراق ،  لم تَكُن قد خَبَت تماماً ، بل كان الرَّمادُ  قد  غَطَّى لهيبَها  المُستَعِر عن العَيان  لفترةٍ  قصيرة  حتى  أوقدَها  الخُبثاءُ الآنفو الذكر ثانيةً ،  مِمّا  يبدو أنهم  لم يرتَدِعوا بما كتَبَه  جهابذة الكلدان من الكُتّاب والمُفكِّرين  مُفَنِّدين  فرضيتَهم الآشورية  العقيمة  وطروحاتِهم  العُنصرية المسمومة ،  فقرَّروا  إثارة الصِراع  القومي مُجَدَّداً رغم  عِلمِهم المُسبَق بأن   قَلبَ  باطلِهم الى الحقيقة  سيبوءُ  بالفشل  الذريع  كما  باءَ  في السابق  مهما  ابتدعوا  من الأباطيل والذرائع لأن  كُلَّ ما يُبنى على  الباطل   باطلٌ هو  ! ،  والسبب أنهم  لا يفقَهونَ  من التاريخ كُنهَه  ويستسيغون تحريفََه  وهذا ما  يزدريه العالَمُ كُلُّه  .

انقراض الآشوريين

يتَّفق  المؤرخون  العالَميون الغربيون منهم والشرقيون ، بأن دور الآشوريين  القدماء  قد انتهى  نهايةً  أبدية  مُهينة  منذ  أن قُضي عليهم  القضاءَ  المُبرم ما بين عامَي 612 - 609 ق . م من قبل الكلدان وحُلفائهم الميديين  ،  حيث كانت الدولة الآشورية  قد أنهكتها  حركات  العصيان والتمرُّد في سنواتِها الأخيرة ،  بالإضافة  الى تَخَلخُل  الوضع الداخلي  والصراع بين  خلفاء  آشور بانيبال من الملوك الآشوريين الضعفاء على تولي العرش ،  ولشدة ما كان قد عاناه الكلدان والميديون  من ظُلم الملوك الآشوريين وطُغيانهم  طوال ردح طويل من الزمن ، دفعهم للأخذ  بالثأر ، فقام الميديون سنة 615 ق . م باحتلال كركوك  ، ثمَّ أغاروا على مدينة آشور سنة 614 ق . م بقيادة ملكهم ( كي اخسار )  ودخلوها عنوةً بعد تحطيمهم لأسوارها  وفتكِهم بعددٍ  هائل من سُكّانِها ، وبعد انتهائهم من نهبها  أحرقوها  ،  وفي ذات الوقت  وصل إليها  الجيش الكلداني  بقيادة الملك  نبوبيلاصر ،  وأمام  أسوار مدينة آشور المُحطَّمة  تصافح الملكان  الكلداني  نبوبيلاصر  والميدي  كي أخسار ،  وبادرا الى توقيع مُعاهدة تحالف وصداقة  ،  وكان أحد بنودِها  يقضي  بانسحاب الميديين من الاقليم الرافدي الشمالي  واكتفائهم  بالغنائم ،  أما الارض فيكون  مآلُها للكلدان ،  وبذلك  ضَمِنَ  نبوبيلاصر  عدم بقاء  الميديين في  أيِّ جزءٍ من بلاد وادي الرافدين ،  وتُوِّجَت  هذه  المعاهدة  بعلاقة  عائلية  عن  طريق  زواج  وليِّ  العهد  الكلداني  نبوخَذنصَّر الثاني  من  حفيدة  الملك الميدي ،  وقد  أضاف  هذا الارتباط  العائلي قوَّةً الى تمتين  أواصر التعاون  العسكري الكلداني  الميدي ،  واتَّفقَ الملكان  على  اجتياح نينوى  ونَفَّذا هذا الاتفاق سنة 612 ق . م  حيث  اقتحمها جيشاهُما  وأضرما فيها النيران التي التهَمَتها بِمَن  فيها فأضحَت  خرائبة تنعق  فيها  الغربان .

وبعد ثلاث  سنوات من تدمير  نينوى  لاحقَ الحليفان الكلداني والميدي  فلول القوات  الآشورية التي استطاعت  الفرار  الى مدينة  حَرّان  التي التجأ إليها  الملك الآشوري الأخير ( آشور اوبليط الثاني) مع العدد الضئيل من سكّان نينوى  الذين لم يطلهم  السيف والنار ،  مُتوقّعين أن تصلهم نَجدة  مصرية  وعدَهم  بها  فرعون  مصر قبل سقوط  نينوى ،  تساعدهم على شَنِّ هجوم معاكس  ضِدَّ  قوّات التحالف الكلداني  الميدي ،  بيدَ أن  القوات المُشتركة الكلدانية والميدية  باغتت سنة 609 ق . م الآشوريين الذين قدموا من كافة  مناطق تواجدِهم  للإحتماء  في  حرّان ، وحاصرت  حرّان  آخر معقل لهم  بشكل مُكَثَّف منعاً لإمكانية  الهروب ،  ثمَّ توَغَّلت  الى  داخلِها  من  كل  جِهاتِها ، و أفنَت القوات المدافعة  وفَتَكَت  بالسكان  بدون  رحمة  أو شفقة ، فالذين   سقطوا  بأيدي الميديين  أُبيدوا  عن بِكرة أبيهم ، أما  الذين وقعوا بأيدي  الكلدان  كان حَظُّهم أفضلَ قليلاً ، إذ سَلِمَ منهم عدد قليل بفضل الرِفق الكلداني بهم وعدولِهم عن  القضاء  عليهم بالكامل  اسوةً بالميديين ،  وثوقاً  منهم  برابطة  الدم التي  تَربطهم  بهم ، آخذين  بنظر الاعتبار ، بأن دماءَ  العدد الكبير من الأسرى الكلدان  الذين هُجِّروا عَنوةً الى البلاد الآشورية  على زمن الملوك الآشوريين  الطُغاة  تجري في عروقهم  ، وهذا ما يجعلهم  أشِقّاءَ  لهم ، فاحتضنوهم  وانخرطوا بالمُجتمع الكلداني  كشَعبٍ  واحدٍ بدون أدنى تمييز يحملون جميعاً  اسماً واحداً  الاسم  الكلداني .


سيادة الكلدانيين

لقد  جاءَ  في ( مقدمة  في تاريخ الحضارات القديمة / طه باقر  ص. 548 -- تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين / فيليب حتي / الجزء الأول ص. 155-156 -- العراق في التاريخ / سامي سعيد الأحمد / الفصل السادس ص. 164 -- عظمة بابل / هاري ساكز  ص. 170 - 171 ) بعد  قيام الدولة الكلدانية الحديثة  عام 626 ق . م التي أصبحت لاحقاً امبراطورية عظيمة  وسقوط الدولة الآشورية النهائي ما بين عامَي 612 - 609 ق . م على أيدي الكلدان والميديين ،  غَدَت أقاليم دولة آشور الممتدة  حتى الحدود الحالية لآسيا الصغرى ،  ضمنَ حدود  الكلدان وسيطرتِهم  بالإضافة  الى بلاد الشام ولبنان وفلسطين  وشبه الجزيرة ،  لأن الميديين وفوا بوعدهم  وطَبَّقوا مضمونَ  المعاهدة بينهم وبين الكلدان ،  باكتفائهم  بالغنائم التي غنموها  واحتفاظهم  بالمناطق الشمالية  والشمالية الشرقية  لنينوي التي  كانوا قد استولوا عليها  قبل توقيع معاهدة التعاون والتحالف  عام 614 ق . م ،  وأصبحت المناطق  الغربية  من عائدية الكلدان بضمنِها  أربا ايلو( أربيل ) ونينوى وآشور  وكل المدن  والأماكن الاخرى ، فازدادت  كثافة التواجد  الكلداني  في اقليم آشور  الشمالي  بعد  اندثار الدولة الآشورية  وشعبها  ، وتؤكِّد المصادر التاريخية  تواجد  الكلدان  في مناطق  الشمال  والشمال الغربي  والشمال الشرقي  لبلاد  آشور  قبل انقراض الآشوريين ، حيث يقول الاستاذ  حبيب حنونا ( الكلدان  والتسمية  القومية ) كان الملوك الآشوريون في  خِضمِّ  حملاتِهم  العسكرية  المستَمِرة على المدن الكلدانية  خلال الفترة المحصورة بين القرن الحادي عشر والقرن السابع قبل الميلاد ،  قد أسِروا  ما يربو على نصف مليون فَردٍ من الكلدان ، ورَحَّلوهم الى المناطق  الآنفة الذكر ، وتُشير المصادر  بأن  مُعسكراتٍ  كانت قد أُنشِئت للأسرى الكلدان يُطلَقُ عليها  < بيث شيبا >  وتعني  بيت السبايا   في قرية  كرمليس  وقرية  بابلو القريبة  من  دهوك ،  ويعزو  تسميتَها  ببابلو الى الأسرى  الكلدان نسبةً الى عاصمتِهم  بابل ،  كما أن  معسكرات اخرى كان قد تَمَّ إنشاؤها  في منطقة العمادية  شمالي  دهوك بين  بابلو  وارادن  واينشكي ، وبعد  سقوط نينوى  وخضوع تلك المناطق للنفوذ الكلداني  قام هؤلاء الأسرى الكلدان  وبحسب تأكيد هذه المصادر  بإنشاء  مُجمَّعات  ووحدات سكنية  فيها .

سَرَدتُّ هذه الوقائع  كمثال واحد  فقط  من عِدة أمثلة على التواجد  الكلداني  في  المناطق الشماية  والشمالية  الغربية  والشمالية  الشرقية  لإقليم آشور قبل  وبعد  زوال  الدولة  الآشورية  وفناء شعبها ،  ويؤكِّد  التواجد الكلداني في شمال بلاد ما بين النهرين  المؤرخ  اليوناني  زينفون  الذي رافق الحملة  العسكرية  اليونانية  المعروفة  ( بفرقة العشرة آلاف )  عام( 401 ق . م ) ،  وعند تقهقُرها أمام الفرس  بمعركةٍ قرب بابل  عادت  أدراجها  مُتوجِّهة  الى بلادها  وفي طريق العودة  يقول  زينفون  <  قبل اجتيازنا  حدود ارمينيا ( آسيا الصغرى أو تركيا الحالية )  وعلى الساحل الثاني  لنهر دجلة ، جابهتنا قوات كثيرة  تتألف من صنوف مختلفة  ، حاولَت  مَنعَنا  من عبور  النهر ، ولدى  استفسارنا عن هوية تلك القوات  علمنا أنها  قوات أرمنية  وكلدانية  وماردينية  وكانت تابعة   لأورنتاوس  و اورتوخاس ،  وأضاف ،  لقد قيل  لنا بأن  الكلدانيين  شعبٌ حُر  لا يُضاهيهم  شعب آخر في المنطقة  من حيث مهارتهم في  القتال >  .  أليس ما أوردناه  أعلاه  بُرهاناً  قاطعاً على أن  مناطق  آشور  ونينوى  ونمرود  وحِدياب ( أربيل )  وحتى  حدود  آسيا الصغرى كانت  تخضع لسُلطان الامبراطورية  الكلدانية بعد القضاء على الدولة الآشورية ؟  وأن  التواجد الكلداني  كان قائماً في  البلاد الآشورية  قبل  الزوال الآشوري ،  وزادت كثافتُه  أضعافاً بعد  زوالِه  بحكم  سيطرة  الكلدان  على  البلاد  وتحَوُّلِها  الى جزءٍ  من بلاد  الكلدان ،  إنها  حقاً  حقائق  تاريخية  صارخة  تُعَرّي  المُغالطات والأكاذيب  التي  يُروِّجها  أدعياء  الآشورية  المزيّفون  وأذنابُهم  المأجورون  الذين  يُرعبُهم اسمُ  الكلدان  حتى أنهم  ولشدة  كُرههم  لهم  ينفونَ  عنهم  القضاء  على  الدولة الآشورية  ويعزونَه  الى  الميديين  خلافاً  لكل ما  أكّده المؤرخون  ومنهم على سبيل  المثال لا الحصر المؤرخ < جورج رو >  الذي يؤكِّد سيطرة الكلدان على كامل  الاقليم الآشوري بشكلٍ مُحكم بحيث لم  يحدث  أي  تمَرُّدٍ  أو أي  تَحَرُّك مضاد  للدولة الكلدانية حتى  سقوطها على يد  الملك  الاخميني كورش  سنة 539 ق . م  بسبب الخيانة الداخلية  لقائد عسكري في الجيش الكلداني .  إذا كان الميديون قد قضوا على الدولة الآشورية  كما يحلو لدُعاة الآشورية  المعاصرين قوله ،  لماذا تَخَلوا عن حُكم بلادها ؟  ألا يعني هذا  أن  دورهم  كان  دوراً مًساعداً وثانوياً  للكلدان  وليس  كالدور الكلداني  الأساسي  ، ولذلك  فرض الكلدان  سيطرتهم  الكاملة  على  البلاد الآشورية .


الإفتراضات الخاطئة

ومِمّا  سبق ذِكرُه ،  يَثبُتُ  بشكل  لا يُدانيه  شك بانعدام الوجود  لأيَّةِ  بقايا  من الآشوريين القدماء  الذين  حكمَ التاريخُ  عليهم  بالفناء  بعد  سقوط  عاصمتيهما  على التوالي نينوى عام 612 ق . م وحرّان  عام 609 ق . م ،  وهذا ما لا يختلف عليه  مُعظم المؤرخين ،  أما  ما  افترضه  البعض من  رجال الدين  وعلى  رأسهم  المطران  أدي شير  فيأتي  من المِنظار  الديني  عندما  عَمَد  الى  إرجاع  مسيحيي  بلاد ما بين النهرين الى  الاصول  الكلدانية  والآرامية  والآثورية  ، وهذا  خطأ  تاريخي  فاضح وكبير ،  إذ  بالنسبة  للآراميين  لم  يكونوا من سكان  بلاد  ما بين النهرين ،  لأن موطنهم هو بلاد الشام ، وإن  نزوح العدد القليل منهم لا يعني  حَملَ البلاد  لتسميتِهم ، وحتى ان القبائل الآرامية التي عَرَفَت الهُجرة الى بابل في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد ، كانت محدودة العدد جداً بحيث  لم يتَّسِع  لها سوى الإنصهار في المجتمع  الكلداني ،  وإذا كان هناك  عددٌ  مِن رجال الدين الذين  غَشِّهُم الوهمُ  واختلطَ  عليهم التمييزُ  بين القبائل الكلدانية  الهائلة  العدد  وبين القبائل الآرامية ذات العدد المحدود ، يُعَدُّ ذلك  مفهوماً خاطئاً  وقعوا فيه ، ومِنهُ  جاءَت دعوَتُهم  الآرامية  متأثِّرين  بعامل اللغة ،  ومن بينهم العلاّمة المطران يعقوب اوجين منّا  الكلداني  من قرية باقوفا الكلدانية  التي يفتخر  أبناؤها بانتسابهم القومي الكلداني وكما كان هو ذاتُه يفتخر بكلدانيتِه  ، حيث  عَرَّفَ الكلدانيين بقوله :  الكلدانيون ،  العلماء وأرباب الدولة  من اهل بابل وأطرافها ،  أو جيلٌ  من الشعوب  القديمة  ، كانوا أشهر أهل زمانِهم في سطوة المُلك والعلوم ، وخاصةً  عِلم الفَلَك  .  ولغتُهم كانت  الفصحى بين اللغات الآرامية ، وبلادُهم  الأصلية  بابل  وآثور  والجزيرة  أي  ما بين  نهرَي دجلة  والفرات ، وهم جدود السريان  المشارقة الذين يُسَمّون الآن بكل صواب كلداناً : وفي كلامه يؤكِّد  بأن اللغة الكلدانية  ذات استقلالية تامة بين اللغات أو اللهجات الآرامية  لأنها تتميَّز عنها  بفصاحتها  وسلاستِها ، ولذلك  فرضت  ذاتَها  في الشرقَين الأوسط  والأدنى عندما  نشرها الكلدان عِقبَ  اعتناقِهم المسيحية .  إن اختيار المطران  يعقوب اوجين منّا  < دليل  الراغبين في  لغة الآراميين >  عنواناً لمُعجَمِه الشهير < الكلداني - العربي > لم يكن إلا  جَريا على العادة  المُتّبعة  من قبل المؤلفين  الكلدان والسريان  والعرب الذين  اعتمدوا  تقليداً سجعياً في انتقاء عناوين مؤلفاتهم باللغة  العربية ، ولأنه يعتبِر بأن  اللغة الكلدانية  هي ألأفصح  بين اللغات أو اللهجات الآرامية  فلم  يرَ  ضيراً  مِن ذكر لفظة الآراميين  لياتيَ العنوان سجعاً ، أما عنوان المعجم الأصلي  الذي  وضعه  المؤلف  المطران منّا  نفسه  باللغة  الفرنسية  فكان ( قاموس كلداني  -  عربي  Vocabulaire  Chaldeen  -  Arabe )  فلم يكن  المطران  روفائيل  بيداويذ ( البطريرك لاحقاً )  مُخطئاً  بل مُصيباً  جداً  عندما  وضع  العنوان الأصلي  للمعجم  حين  أعادَ  طبعَه . أما بخصوص الآثوريين  فقد سَمّى المطران  أدي شير في  كتابه  < تاريخ  كلدو  وآثور >  الكلدان  القاطنين  في منطقة آثور التي  هي جزء  من بلاد  الكلدان  الأصلية  كما قال  المطران  يعقوب منّا  في  قاموسه  ( الكلداني  -  العربي )  بالآثوريين  نسبةً  الى منطقة سُكناهم  فقط  ،  ولم  يقصد  بهذه  التسمية  الآشوريين  القدماء المُنقرضين  إطلاقاً  ، لأنه كان  الأعلم  بانقراضهم ،  حيث يقول في الصفحة  (138 )  من كتابه  /  الجزء الأول <  ومِن  أعجب الامور  أن هذه الدولة  الجسيمة ،  إنما  عند  بلوغِها الى أعلى ذروة المجد  والعظمة  ،  سَقَطت  فجأةً  سقطةً ابدية >  والقاريء المُدقِّق للجزء الثاني من كتابه ، يُلاحظ  جيداً  تركيزَه على ذكر الشعب الكلداني  لأنه الشعب الأصيل الوحيد  الذي استمرَّ  بالوجود  بعد افول نجم  سُلطانه على أرض بلاده ( بلاد ما بين النهرَين )  وخضوعه  للنفوذ الأجنبي  ، بينما الشعوب  الرافدية الأصيلة  الاخرى  السومريون والأكديون والآشوريون كانت قد انقرضت  كياناً ووجوداً ، ولذلك نقول  إن  مُدَّعي الآشورية المعاصرين هم مُزيَّفون لا صِلة لهم بالآشوريين القدماء المنقرضين  عِرقيةً كانت أو تاريخية ،  و في مقاله  المنشور في  جريدة المشرق الصادرة في بغداد  بعددِها  597 السنة الثالثة  بتاريخ 5 / 1 / 2006  قال السيد  صبحي عبدالحميد  أحد الضباط  الأحرار في الجيش العراقي  قبل ثورة  تموز 1958 والسياسي  والاداري  لاحقاً ، مُجيباً على سؤال  الصحفي  < ايمن المخزومي >  الذي  سأله :  مَن هم  الآثوريون ؟ قال { الآثوريون ليسوا عراقيين ، وليسوا  من سُلالة الآشوريين القدامى  -- هؤلاء الآثوريون أخذوا يعتدون على القرى الكردية والتركية اعتداءً أدى الى مذابح  --  عددالآثوريين الذين جلبهم الانكليز الى  العراق كان محدوداً  20 الف شخص   -- أصبحوا عراقيين حيث تجنَّسوا بالجنسية العراقية ولم يُعتبَر الاُثوريون  قومية  وإنما اعتُبِروا جزءاً من الطائفة المسيحية  --  وهم مُطلقاً من الناحية التاريخية  لم يوجد أي مؤلف عراقي أو أجنبي ينسب الآثوريين الى الآشوريين القدماء  --  بعد سقوط بغداد في يوم 9 / 4 / 2003  تحوّلوا من الآثوريين وأخذوا يُسمّون أنفسهم الآشوريين  وأنهم من سُلالة الآشوريين القدماء  وهذا تزوير  للتاريخ }  .


بين الحقيقة والخطأ

وللأمانة التاريخية  أود التعليق على أقوال السيد صبحي عبد الحميد  لأنه مُحِقٌّ في بعضها  ومُخطيءٌ في بعضِها الآخر : فقولُه بأن الآثوريين المعاصرين ليسوا بعراقيين  خطأ  ،  أما  بقولِه  ليسوا من سُلالة الآشوريين القدامى فهو مُصيب  لأن المؤرخين  يؤكِّدون بشكل قاطع انقراض الآشوريين القدماء منذ نهاية القرن السابع قبل الميلاد  ما بين عامي 612 - 609 ق . م على أيدي الكلدان والميديين ،  والآثوريون الذين جلبهم الانكليز الى العراق لم يكونوا  إلا  أحفاداً للكلدانيين الذين فرّوا من العراق تحت قسوة  الاضطهادات  التي تعرَّض لها الشعب الكلداني العراقي الأصيل ولا سيما بعد  اعتناقِه  بشارة  الخلاص ( الديانة  المسيحية )  من قبل الأقوام التي حكمت العراق والتي ابتدأت على عهد الفرس الساسانيين  فالعرب المسلمين  ثمَّ  المغول والعثمانيين ، فوجدوا  ملاذاً  في جبال  وأودية اورمية وهيكاري وأجزاءٍ من جبال  وتركيا ، بالإضافة الى أن قسماً منهم هم أحفاد الأسرى الكلدان الذين رُحِّلو من بلادهم الى تلك المناطق الآشورية على عهود ملوك آشور الطُغاة ،  وإن جَلبهم من قبل الانكليز في  الثلاثينات  من القرن العشرين  الماضي  الى العراق بعد  استقلالِه  واستقرارِه  هو عودتهم الى أرض آبائهم  وأجدادهم  الكلدان المُتواجدين على أرض العراق وطنهم العريق  في الشمال والوسط والجنوب  وهو  ما يؤكد عراقيتهم .  إن انتحال أحفاد الكلدان هؤلاء  للتسمية الآشورية  الغريبة عنهم  لا يُغيِّر شيئاً ،  إن تمَّ بعد  سقوط  بغداد  في  9 نيسان 2003 أو قبله  بأعوام ، لأنه بحد  ذاتِه  هو الذي شوَّهَ سمعتهم  واستصغر  قيمتَهم  وجَلب  مُختلَف الويلات  والمحن  عليهم ، وليس الذين جلبهم الانكليز  المنتحلين للتسمية الآشورية فقط  بل الكثير من الكلدان النساطرة القاطنين  في المنطقة الشمالية من العراق ،  وأن أبشعَ  ممارساتهم  هي  ابتزازهم  لمُنجزات  الامة الكلدانية  الحية  وعَزوِها الى  الآثورية  المُحَوَّرة  الى الآشورية  في العقود المتأخرة  لتتطابق مع  التسمية القديمة المنقرضة ،  ومن أشنع هذه الابتزازات هي  إدِّعاؤهم  المُزيَّف بأن الآشوريين  بعد سقوط  دولتِهم  واعتناقهم المسيحية  على عهد  الاحتلال  الساساني  لبلاد ما بين النهرين ( قول عوديشو ملكو /  المُستهدَف من التاريخ الآشوري المعاصر ) ،  ولتفنيد  هذا  الادِّعاء  الباطل  من أساسه  نقول ،  إن الشعب  الآشوري ودولته انقرضا  قبل بزوغ  فجر المسيحية على عهد الاحتلال الفارسي الفرثي  وليس الساساني  بأكثر من ستة قرون ،  فهل يا تُرى  عادوا الى الحياة  ثانيةً  ليعتنقوا المسيحية  ؟   لأن المصادر التاريخية  النزيهة والمحايدة  تنفي وجود أيَّة بقايا  للآشوريين القدماء !  وتؤكِّد إبادتهم الجماعية  ما بين عامَي 612 - 609 ق. م  .
أما بالنسبة الى اتِّهامِه  الآثوريين الكلدان  بالإعتداء  على القرى الكُردية  والتُركية  ، فإنَّه  اتِّهام معكوس  لأن الأكراد  والأتراك  هُم الذين قاموا بالإعتداء على الآثوريين الكلدان  وارتكبوا بحقِّهم المذابح ، وكُلَّ ما فعله الآثوريون الكلدان  هو رَدُّهم البطولي على التَصَرُّف العدواني  ويُعتَبَرُ  حقّاً شرعياً  في الدفاع  عن النفس ،  ولا سيما  أنهم يعلمون  بأن عدُوَّهم  لا يَرحم ،  وهو مُصمِّمٌ على إبادتهم والاستيلاء على كُلِّ ما يملكون ، ولذلك فإن تَصَدّيَهم الملحمي للمُعتدي  كان من أجل البقاء وليس  بِقَصدِ  الاعتداء .


الحقيقة الكلدانية والوهم الآشوري

مِن المؤكَّد  تاريخياً  بأن سيطرة الكلدانيين على  بلاد  ما بين النهرين  كانت تُمثِّل الحكمَ الوطني الأصيل والأخير  ،  حيث انقرضت  كما  ذكرنا  فيما  سبق الشعوب  الرافدية الأصيلة  التي  سبقتهم  في  حُكمها  أو حُكم  جزءٍ منها  وهم  السومريون والأكديون  والآشوريون ،  ولدى سقوط  المملكة الكلدانية  بأيدي كورش الاخميني عام 539 ق . م  نتيجة  الخيانة  الداخلية  ، لم  يهدأ  الكلدان بل  انتفضوا مِراراً ضدَّ  الاخمينيين الفرس ، ففي عام 522 ق . م  ثار الكلدان بقيادة النبيل الكلداني المدعو ( ندينو توبيل )  الذي أعلن انتسابه  الى اسرة آخر الملوك الكلدان  نبونَئيد  ، واتخذ له  لقباً ملكياً  باسم ( نبوخَذنصَّر الثالث )  فحَرَّرَ  بابل  لمدة  ثلاث سنوات  حتى استعادها  داريوس الأول عام 519 ق . م ،  وفي عهد  سلفِه  أحشويرش الأول  انتفض الكلدان  عام481 ق . م  وقاد الانتفاضة  النبيلان الكلدانيان  على التوالي (  بيل شماني ) و(  شمش أريبا )  ولكنهما لم يُفلحا  ،  وتَعَرَّضَ الكلدان لإنتقام الملك احشويرش الفارسي  ،  ونُهِبَ معبد الاله ايل ودُمِّرَت  مدينة بابل ، وفُرضت على الكلدان ضرائب باهضة ،  حتى استيلاء  الاسكندر المكدوني على بلاد ما بين النهرين وسيطرته على بابل واتخاذِها عاصمة له عام 331 ق . م ، فخضعت  البلاد  لحُكم  المكدونيين والسلوقيين من بعدهم ،  وتؤكِّد هذه الأحداث  الوجود الكلداني الوحيد  في البلاد  ولم يكن للآشوريين ذِكر على الإطلاق  مِما يُثبت  صواب انقراضم .
يقول  بطرس نصري في كتابه  <  ذخيرة الأذهان / الجزء الأول ص. 33 >  بسبب الأعمال التعَسُّفية  واللاانسانية التي مارسها الفرس الأخمينيون  أثناء  فترة  سيطرتِهم  على  بابل  ضدَّ  الكلدان البابليين ،  اضطَرَّ  الكثير منهم للهجرة الى الشام ولبنان  وشمال بلاد وادي الرافدين ، ووصل  قسمٌ منهم  الى  جزيرة قبرص ،  وقد كان من أفدح الأخطاء  التاريخية  بقيام  المُغرضين  من الكُتّاب بتسمِية هؤلاء المهاجرين بالآشوريين وبدون أيِّ دليل مِن أيِّ مصدر تاريخي  ، ولكن نسبةً  كبيرة منهم مكَثَت  في البلاد  ومن بين هؤلاء  مَن كان مِن نسل ملوكهم  ، لذلك  تتبَّعوا النجم المتميِّز الى بيت لحم اليهودية في  فلسطين  عند ميلاد المسيح الرب له المجد ، ليُقدّموا  له خضوعهم  ويُجزِلوا عليه  هداياهم ،  وسُمّوا بملوك العجم أو المجوس ، ولما عادوا الى بلادهم  وتحدَّثوا بما شاهدوه ، هَيّأوا بذلك الأرضية  المُنبسطة لإنتشار المسيحية في  بلادنا ، وبهذا الصَدَد  كَتَبَ الأب  يوسف تفنكجي في مجلة النجم / العدد الخامس لعام 1929 م ص. 225 ، بأن الكلدان الكاثوليك المُعاصرين  هم أبناء الامة  الكلدانية المسيحية الشرقية  الأعرق في الشرق المسيحي  كُلِّه ،  يفتخرون  بالمجوس الذين وافوا  من الشرق الى  اورشليم  وسألوا  عن الطفل الالهي الذي  رأوا  نجمَه  وتتبَّعوا سَيرَه  ليسجدوا له ويؤَكِّدوا بهداياهم  ملوكيتَه  . لقد كانت مبادرة هؤلاء المجوس الكلدان الخطوة الاولى لقيام كنيسة مسيحية في بلادنا الشرقية  التي يُعتبرون هم المُبَشِّرون الأوائل لها ، تلاهُم رسولُها مار توما وتلميذاه  مار  أدّي  ومار  ماري مُنظمو الكنائس وناصبو الكراسي الاسقفية  ومثَبِّتو كرسي الجثلقة المشرقية في المدائن ، إنَّهم آباء كنيسة المشرق الكلدانية التي  نَمَت وتَرَعرَعت منذ  القرون المسيحية الاولى فازدهرت متلألئةً  بانجازاتِها  ومآثرها المجيدة وفيضٍ من قديسيها وشهدائها ومؤلّيفيها  وكُتّابها  وعلمائها الأفذاذ  .   أين الآشوريون من كل  ما رواه المؤرخون ؟  ألا تثوبون الى رُشدِكم  يا أيها الضالون  وبالاكاذيب  والأباطيل  متشبِّثون !

يروي الدكتور مؤيد سعيد في كتابه < العراق في التاريخ / الفصل الثامن ص. 263 >  بعد احتلال بلاد ما بين النهرين من قبل  الاسكندر المكدوني  ،  قام الكلدانيون بتأسيس  إمارات وممالك لهم خلال أواخر القرن الرابع ق . م ، ودام بعضُها حتى القرن الثاني الميلادي وبعده ، وللأسف البالغ  لم يتوَرَّع  الكُتّاب العرب عن قَلبِ الحقيقة  ونسب هذه الممالك الى العرب  بحُجَج واهية  تتعارض مع  لغة هذه الممالك  وانتسابِها العِرقي ،  وكانت  هذه الممالك  قد دُعِيَت  في عهد الاسكندر الأكبر  بممالك الطوائف  ومن جُملتِها تلك التي اُقيمَت في  ايران والمناطق الاخرى الواقعة تحت النفوذ  المكدوني  والسلوقي ،  ومن  تلك الممالك  الحيرة  وتَدمُر  ومملكة ( بيت أديني )  المعروفة   باسم ( اوروزينة )  وكان  يحكمها  الملك  أبكَر عام ( 130 ق . م )  ،   ويذكر القس  سليمان الصائغ ( المطران لاحقاً )  في كتابه  < تاريخ الموصل / الجزء الأول ص. 19 >  بأن  المؤرخ المطران أدي شير  يؤكِّد  كلدانية  جميع  تلك  الممالك ، ويُضيف  بأن  سكّان  حدياب ( اربيل ) وكرخ سلوخ ( كركوك ) كان مُعظمُهم من النُبط والجرامقة  ويتَّفِق الكثير من المؤرخين والكُتّاب القدامى بأنهم من الكلدانيين ويؤيِّدهم  بذلك  إبن خلدون والقلقشندي  كما يؤكِّده إبن المسعود .


أصالة كنيسة المشرق

إن كنيسة المشرق الكلدانية  الأصل والمنشأ  بدون  منازع  هي إبنة الآمة الكلدانية  التي تَحَدَّثَ عنها  المطران أدي شير في كتابه < تاريخ كلدو وآثور / الجزء الثاني ص. 5 - 6 >  حيث قال ( بأن الكلدان النصارى بفتوحاتهم الدينية عَظُمَت شُهرَتُهُم ، وخَلَّدوا لهم ذكراً جميلاً مؤَبَّداً ، إذ  إنهم كأجدادِهم اقتحموا  بلادَ فارس  وماداي  وأرمينيا  وسوريا  وقبرص ومِصر والهند  والصين  وتُركستان وغيرها من البلاد  التي لم  يقدر أجدادُهم الوثنيون أن  يفتتحوها بقوة  أسلحتِهم القاطعة ،  فبهِمّّةِ  هؤلاء المُرسَلين  الغيورين ، ارتفع  شأنُ  الكلدان النصارى وازدادوا وكَثُروا  حتى  فاقَ  عددُهم المائَة مليون ) كما أن المؤرخين أسهبوا بذِكر الامة  الكلدانية  قديماً  وحديثاً  وأقرّوا بفضلِها في  ايصال العلوم  والمعرفة  ونشر بُشرى الخلاص المسيحية  الى أقاصي المعمورة ،  حيث  يُطري المؤرخ < أدولف دافريل > هِمَّة أبناء الكنيسة الكلدانية النسطورية  بمقالتِه في < كلدو المسيحية > ( إن الكنيسة النسطورية أبرزَت مدة أجيال عديدة  ، امتداداً عجيباً  خارقَ العادة ، فإن الفتوحات الدينية  والمَيل إليها  كانا علامتَين فارقتَين ، اتَّصفَت بهما النسطرة دون غيرِها ، فهذه الفتوحات كانت مُجَرَّدةً  عن السياسة والآلة الحربية ، ويُضيف  دافريل،  إن  انتشار المسيحية في  الهند  وسيلان  وسومطرة  والصين وبلاد التَتَر وقبرص أدّى الى ارتفاع شأن الكلدان . ونقلاً عن المؤرخ العلاّمة الأب لابور يذكر المطران أدّي شير (  إنَّه ليس  من امةٍ على الأرض  بارَت امة  الكلدان النصارى في تأسيس المدارس ، فاتَّسَعَت صناعة التأليف  عندهم اتِّساعاً عجيباً  حتى أن عدد المؤلفين منذ الجيل الرابع  وحتى  الجيل الثالث عشر ، الذي انطفأت فيه العلوم لديهم  فاقَ الأربَعمِئة ،  وقد  تجاوزَت  تآليفُ  بعضِهم الأربعين ، وإنَّ تصانيف  مار أفرام لا تُقَدَّر ،  وميامر نَرساي عدا الكُتُب التي ألَّفَها  تجاو