April 17, 2006

المسيحيين العراقيين بين الطموح والممكن المتاح

*********************************
منصور توما ياقو

  صحيح ان الطموح هو ظاهرة انسانية طبيعية ومشروعة ، ولكن عندما يصطدم الطموح بالواقع او بما هو ممكن عند ذلك تحل المصائب والمعاناة ، لذلك يجب ان نوازن الامور جيدآ والاحتكام الى لغة العقل والمنطق ،  من خلال تطويع  تلك الطموحات حتى تساير وتتماشى مع الواقع والظروف المحيطة ، واذا ما استطعنا ان نجسد تلك الواقعية في تفكيرنا وسلوكنا ، عندها نستطيع ان نخطو خطوات ثابتة نحو المستقبل بثقة والاطمئنان على مسيرة شعبنا .

المنطقة الآمنة :-

قبل اية خطوة ، وقبل أي قرار ومطلب ، لابد اولآ ان نعرف ماذا نريد بالضبط ؟ ولأجل ان نعرف ماذا نريد ، يجب تشكيل لجان متخصصة تقوم باجراء ابحاث ودراسات قانونية وديموغرافية وسياسية واجتماعية واقتصادية  وكل ما له علاقة باستحداث مثل تلك المنطقة ، الامر الذي يتطلب تنسيق الجهود وتوحيد  المواقف وعقد على الأقل لقاء واحد يجمع كل اطياف شعبنا المسيحي ، وهناك الكثير من الخطوات التي يجب تهيئتها او اتخاذها في داخل البيت المسيحي قبل ان نطرحها على الآخرين ، فأين نحن من كل ذلك ؟ ثم يا ترى هل رتبنا اوراقنا و اولياتنا ومسحنا غبار خلافاتنا وصفينا نفوسنا ونياتنا اتجاه بعضنا لكي نكون  مستحقين لمثل تلك المنطقة ومؤهلين لادارتها بنزاهة ومسؤولية وشفافية ، أم ان مطلبنا هذا جاء كرد فعل آني للأحداث المؤسفة  التي تعرضت لها كنائسنا وما رافقها من مضايقات وتهديدات تعسفية في حق ابناء شعبنا مما اضطر الالوف منهم لمغادرة العراق بحثآ عن ملاذ آمن ، مهما يكن الامر ، لقد كثر الحديث في الفترة الأخيرة على ضرورة توفير منطقة أو ملاذ آمن للمسيحيين العراقيين ، وقد ذُكر سهل نينوى ذو الكثافة المسيحية ليكون النواة او تلك المنطقة الآمنة المخصصة لهم ، وقبل ان ابدي وجهة نظري حول هذا المطلب او المقترح احب ان اضيف بعض الاختيارات الاخرى لتكون : -

 

اولا- تحديد منطقة آمنة ذاتية الحكم والادارة  ( غير مرتبطة بأي اقليم ، ويكون ارتباطها بالمركز "بغداد" )  .

ثانيا- استحداث محافظة  خاصة ( غير مرتبطة بأي اقليم ، ويكون ارتباطها بالمركز " بغداد " ) .

ثالثا- استحداث محافظة او  تحديد منطقة آمنة ومرتبطة بأحد الآقاليم .

رابعا الابقاء على التوزيع الديموغرافي والجغرافي الحالي لتواجد المسيحيين في العراق مع  المطالبة برفع سقف الحقوق والثوابت وضمانها دستوريآ .

 

 لا ادعي هنا ان هذه هي كل الخيارات المتوفرة امام شعبنا ، ولكني اعتقد انها الاطروحات التي اصبح الحديث عنها الاكثر تداولآ بين ابناء شعبنا المسيحي ، وفي نفس الوقت تعتبر جزء من الاجابة على السؤال ( ماذا نريد بالضبط ) ولا تكتمل الاجابة الا بعد اجراء دراسات مستفيضة ومكثفة حول كل الخيارات المشروعة والمتاحة ومن ثم  اتفاق كل الاطراف عليها .

 

اما ما اريد قوله عن تلك الاختيارات فهو :-

 اولا - بالنسبة للنقطة الاولى ( تحديد منطقة آمنة ذاتية الحكم والادارة ) ، لا اعرف اذا كان هناك من يوافقني الرأي على ان عبارة ( منطقة آمنة للمسيحيين ) توحي بأمور يمكن تأويلها بما يخرجها من كونها مسألة حصرية في انصاف المسيحيين العراقيين الذين يشكلون طرفآ مهمآ من السكان الأصليين لبلاد وادي الرافدين وذلك  من خلال منحهم حكمآ ذاتيآ خاصآ بهم على منطقة قد تكون محافظة مستحدثة او منطقة محددة  ، وضمن اطار سيادة  دولة العراق الموحد ، وايضآ قد تثير هذه العبارة  تساؤلات قد  تكون الاجابة عليها سببآ في الغاء هذه الفكرة من اساسها وبذلك سيخسرون المسيحيين العراقيين حق من حقوقهم الطبيعية والتاريخية والانسانية المشروعة ، ومن تلك الأسئلة التي قد تكون محرجة : - 

1- منطقة آمنة مِن مَن ؟ لا جواب محدد

2- هل للمسيحيين العراقيين اعداء في العراق ؟ الجواب كلا

3- هل تعرضوا المسيحيين العراقيين الى حملات إبادة جماعية ؟ الجواب كلا

4- هل هناك مؤشرات على وقوع حملات ابادة جماعية وشيكة  بحق المسيحيين العراقيين؟ الجواب كلا.

5- لو افترضنا جدلآ وجود ما يستوجب توفير حماية لهم ، فمن الذي يقوم بتوفيرها ؟ هل هو :-

أ- الأجنبي : ولكن  التاريخ يعلمنا أنه لا يمكن الاعتماد او تعليق آمال كبيرة على الاجنبي في استمرارية توظيف تأثيره السياسي والعسكري  في الدفاع او حماية الشعوب و الدول المهددة  من الاضطهادات والعنف وحتى من حملات الابادة الجماعية التي تتعرض لها  الشعوب  ، وذلك لجملة من الأسباب ومنها ، أنه غالبآ ما يكون مثل ذلك الاعتماد آني او مرحلي ينتهي بانتهاء المصالح الخاصة للأجنبي ، بالاضافة الى ان مثل هذه الحماية تحتاج الى تواجد قريب ومستمر للقوات الاجنبية في المناطق المكلفة بحمايتها وهذا  بحد ذاته يولد حساسية لدى الشعوب الاخرى وحتى لدى الكثيرين من المسيحيين مما سيؤثر سلبآ على مستقبل  شعبنا ، ولا ننسى ان تكليف الاجنبي بتوفير مثل هذه الحماية لا تتوقف على رغبة الطرفين فقط ( الاجنبي والمسيحيين العراقيين ) وانما تتطلب وجود مسوغات قانونية دولية لتضفي على تواجدها على ارض العراق طابعآ شرعيآ مقبولآ دوليآ ، وهذا لا يمكن توفيره الا في حالة تقديم ادلة واثباتات على ارتكاب جرائم ابادة بحق الشعب المسيحي في العراق ، وهذا ما لا يستطيع احد ان يأتي بشبه دليل على وجود مثل تلك الجرائم المخططة والمنظمة بحق المسيحيين بل واقع الحال يقول عكس ذلك ، إذ يتعايشون المسيحيين وخاصة في المنطقة الشمالية والمنطقة التي تتوجه الانظار اليها لتكون ( منطقة ملاذ آمن للمسيحيين العراقيين ) والتي  يطلق عليها " سهل نينوى إذ يشاركون اخوانهم العراقيين من الاقوام والطوائف والملل الاخرى بنفس الحقوق والواجبات رغم الظروف الأمنية والسياسية الصعبة والخطرة التي يمر بها العراق .

والأهم من كل ذلك ان الدستور العراقي بمسودته الحالية  يؤكد على السواسية في المواطنة  وفي الحقوق والواجبات ولا يشير او يعطي احقية لأي من مكونات الشعب العراقي للمطالبة بإنشاء منطقة آمنة لحمايتهم من باقي او من  بعض مكونات الشعب العراقي ، و مثل هكذا توجه يعني  توجيه تهم غير مبررة للآخرين .    

اعتقد ووفقآ لما تقدم ولغيرها من الاسباب يكون  تعبير ( منطقة او ملاذ آمن ) فاشل وغير مقبول دوليآ ومحليآ .

 

ب هل سنلجأ الى الاخوة العرب او الاكراد  لتوفير مثل تلك الحماية ؟ اذا كان الجواب نعم ، فأسأل ، ممن سيحموننا ؟

 

ج اذا لم يتبرع احد على توفير مثل تلك الحماية ، هل سيكون بمقدور المسيحيين وهم بهذا العدد وفي هذه الجغرافية السهلة والضيقة والمنغلقة عن أي منفذ بحري او بري  يربطهم بالعالم الخارجي  يكونوا قادرين على  حماية انفسهم بأنفسهم ؟ 

 

شخصيآ ارى ان المطالبة بـ  ( منطقة آمنة ) او ( ملاذ آمن ) لا يخدم شعبنا وحقوقه ومصالحه الوطنية والقومية فحسب بل قد يكلفنا الكثير ، لذلك فانني ارى ان نغض النظر عن هكذا مطلب وايضآ ان لا نيأس او نكف عن ايجاد صيغ اخرى مقبولة لدى اهل القرار من العراقيين وفي نفس الوقت  تؤدي نفس الغرض .

 

ثانيا :- اما بالنسبة للنقطة الثانية " استحداث محافطة  خاصة بالمسيحيين " رغم ان هذا الاقتراح لا يختلف كثيرآ عن سابقه ، الا أنه على الأقل متحرر من عقدة تواجد الاجنبي او الاعتماد عليه ، لكنه وبنفس الوقت نكون بحاجة الى ايجاد نوع من  التوافق والتنسيق مع  اخواننا العرب والاكراد والشبك والإيزيديين وغيرها من الكيانات التي تعيش في نفس المنطقة التي يراد جعلها منطقة او ملاذ آمن وهو " سهل نينوى ،  ولا اعرف الى أي مدى  ستتجاوب الحكومتين ، المركزية في بغداد او الكردستانية في اربيل مع هكذا مقترح ، خاصة ان اراضي تلك المحافظة المقترح استحداثها في سهل نينوى تعود عائديتها اليوم الى حدودهما الادارية و الجغرافية ، وايضآ لا اعرف الى أي مدى  ستتمكن هذه المحافظة المستحدثة  من الاعتماد على نفسها اقتصاديآ ، اسئلة واسئلة بحاجة الى اجابات .

 

ثالثا :-  اما بالنسبة للنقطة الثالثة " استحداث محافظة او  تحديد منطقة آمنة ومرتبطة بأحد الأقاليم " مرة اخرى سنجد انفسنا وعلى اقل تقدير  داخل الخطوط الحمراء لكلا القوتين الرئيسيتين ، العربية والكردية ، لأنه وكما قلنا ان اراضي تلك المنطقة الآمنة وبعض امتداداتها الجغرافية  متداخلة مع الحدود الجغرافية لكليهما ، لذلك لا بد من حصول موافقة كل من العرب والاكراد وربما بعض الكيانات الاخرى على الأمور التالية : -

1- الحصول على موافقة كل الأطراف على انشاء مثل هذه المنطقة .

2- موافقة الجميع على الحدود الجغرافية لتلك المنطقة .

3 – قبول جميع الأطراف على نتيجة استفتاء يفترض اجراءه بين مواطني تلك المنطقة لغرض تحديد اتجاه ارتباطهم المستقبلي ، سواء جاء قرارهم الارتباط بأقليم كردستان او بالعرب .

  فهل يا ترى يمكننا الحصول على اللون الأخضر من كل تلك الكيانات العراقية  لتحقيق مثل هكذا مطلب ؟ .

 

رابعا : - واما بالنسبة للنقطة الرابعة " الابقاء على التوزيع الديموغرافي والجغرافي الحالي لتواجد المسيحيين في العراق مع  المطالبة برفع سقف الحقوق والثوابت وضمانها دستوريآ ، في هذه النقطة نكون وبحسب اعتقادي قد تدرجنا الى الممكن الذي تتيح له فرص النجاح والقبول من قبل الآخرين  اكثر بكثير من تلك التي ذكرناها في اعلاه ، واحب ان اذكر بعض الامثلة  لتلك المطاليب والتي اراها تدخل ضمن حقوقنا القانونية والشرعية والانسانية مثل :-

 

 

1- احترام الخصوصية القومية والوطنية والدينية للمسيحيين العراقيين من خلال عدم  الزامهم بأي تشريعات او نصوص تخالف  خصوصيات وحريات الشعب المسيحي .

2- تجريم كل فكر او ممارسة تهدف الى اجبارهم على ترك مناطقهم او بيوتهم او تهدد حياتهم او ممتلكاتهم.

 3- اعتماد خطط تساعد وتشجع على  عودة المهجرين والمهاجرين الى مناطقهم الاصلية .

4- تخصيص ميزانية لائقة لتطوير واقامة مشاريع او لبناء او اعادة اعمار البيوت والطرق والمدارس والمستشفيات والجسور ودور العبادة وكل المرافق الحياتية .

5 – مشاركة المسيحيين في مراكز صنع القرارات التي تؤثر على مصالحهم القومية والوطنية والدينية .

لا شك لدى ابناء شعبنا وخاصة لدى اهل العلم والمعرفة والاختصاص المزيد من مثل هذه المطاليب الجوهرية التي يمكن في حالة تحقيقها سنكون في وضع يمكننا  ان نعيش حياة كريمة تكفل لشعبنا  مستقبلآ آمنآ يسوده العدل والمساواة  والرخاء وحماية مقوماتنا الحضارية والعقائدية والفكرية وفي ذات الوقت لا اعتقد انها ستثير مشاكل او حفيظة الاخرين كما هو الحال مع الاختيارات الاخرى .   

 

والآن ماذا عنا نحن ؟

 

     بصراحة ، انا مع جميع الخيارات الواقعية   ومع كل الطموحات الممكن تحقيقها  ، لكن وكما قيل ، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ، بل يمكنني القول ان الخيارات الثلاثة الاولى في هذا المقال ،  ربما تكون مقبولة في ظروف اخرى وفي زمان أخر ولكنها في ظل العقلية العراقية السائدة اليوم في العراق ، فانني ارى تحقيقها صعب المنال ، لذلك افضل الخيار الرابع لأنه اكثر منطقي وعقلاني للحالة العراقية الراهنة . وايضآ لا اجده مناقضآ لِما سبقه ، بل مهيئا له واعتقد بتحقيقه نكون قد قطعنا ليس فقط خطوة واحدة بل  اكثر من نصف المسافة من رحلة الف ميل اذا ما اعتمدنا على قدراتنا الذاتية بتوحيد  كل الارادات الخيرة و توفير الرغبات الجادة بالعمل في خدمة شعبنا ، أي اننا بحاجة الى تهيئة انفسنا و دفع داخلي اولآ  حتى نحصل على الضوء الاخضر من الاخرين ، اما اذا بقيت ( الأنا ) الفارغة  وجعجعة التسميات وسياسة الاقصاء واحتواء الاخرين هي المسيطرة على مخيخ عند البعض المعروف من الجميع ،  فتأكدوا ايها الاخوة واحذركم من ان تلك المنطقة ستكون آمنة من الاخرين ولكنها ستتحول الى ساحة  حرب واقتتال مسيحي مسيحي ، لذلك اكرر القول ،  اذا لم نرتب اوراقنا من جديد ، واذا لم نعيد قراءة مناهجنا ونعدلها وفق واقع الحال ، و اذا لم نمسح غبار خلافاتنا ، واذا لم نصفي قلوبنا ونفوسنا ونياتنا اتجاه بعضنا البعض ،  فأنا انصح على نسيان كل ما تقدم واقترح بالمطالبة الى حماية المسيحيين العراقيين من انفسهم قبل حمايتهم من الآخرين

 

منصور توما ياقو

 

   

 

 

 

 

kaldu

Home
Articles
Meetings
Contact Us
About Us