|
June 1st, 2006
ليتَ صوتَ مار باواي يكون
نظيراً لصوت المعمذان !
**********************************
بقلم:
الشماس كوركيس مردو
نعم ، أحُبُّكُم !
ولكنِّي أحبُّ المسيح أكثرَ مِنكُم !
بهذه الكلمات
الرصينة رَدَّ سيادة المطران باواي سورو على اتهامات رئيسه البطريرك مار دنخا
وإخوته الأساقفة ، التي انطوت على تقييده ومنعه عن نشر رسالة المسيح ( الحقيقة
الناصعة ) الصريحة ( يا أبتِ القدوس إحفظهم باسمِكَ الذي وَهَبته لي
ليكونوا واحداً كما نحنُ واحد ، لا أدعو لهم وحدهم بل أدعو أيضاً للذين
يؤمنون بي عن كلامِهم فليكونوا بأجمعهم واحداً : يوحنا 17 / اا و 17 / 20 - 21
)
هذه هي الرسالة التي
استخلصتُها من فحوى كلام الاسقف باواي الذي أصغيتُ إليه في محاضرته التي
ألقاها على تَجَمُّع كلداني بغالبيته العظمى في نادي شنندوا الكلداني قبل أكثر
من شهرين ، واعتقدتُ أنه قد وضعها نصبَ عَينَيه وفي فكره وتَصَرُّفه ،
مُعتبراً إياها امتداداً لجهوده
منذ
أن كان عضوا رئيساً في لجنة العمل على التقارب الكنسي بين الكنيستين
الكلدانية الكاثوليكية والنسطورية بشقَّيها ، التي شاركت العالم مؤخراً باعتماد
التقويم الحديث وتلكَ المُتمسِّكةِ بالتقويم القديم ، بعيداً عن مُغريات
السُلطة والنفوذ الدنيوية التي للأسف قد انقادَ لها الكثيرُ من رجال الدين
في يومنا هذا .
بين كُلِّ حقبةٍ زمنية
وبُقعةٍ جغرافية يظهر رجال مُتميِّزون ورجال مهزوزون ، فالنوعُ الأولُ يتبنَّى
الحقَّ بقوةٍ ويُخلصُ له بتفاني ، مُعتبِراً إياه هدفاً سامياً ومبدأً مسيحياً
لا بل مطلباً رَبّانياً ، والنوعُ الثاني يتمايلُ بين اليمين والشمال وفق
موازنةٍ تضمُنُ له المجدَ والنفوذَ الدُنيويين ، ناسياً أو متناسياً بأنه قد
اؤتُمِنَ للخدمة في كرم الرب وعليه أن يجعل الكرمَ يُثمِرُ ثماراً جيدة وغزيرة
، ولذا نرى الصراع بين الطراز الأول والثاني من الرجال ، قديماً ومُزمِناً ،
إنَّه صراع الحقِّ مع نقيضه !
وَضعتُ مار باوي في
خانة الرجال الذين من الطراز الأول ، مُتجاوزاً على مبدئَي الثابت وإزالةً للشكِّ
من اليقين لديَّ بصحة ما أنا واثق منه ، بأنه ليس هنالك بين مُنتحلي
الآشورية مَن يُقِر بحقيقة شعبنا التاريخية وواقعه الراهن حتى ولا واحد ،
وتَوَصَّلتُ بأن مَبدَئي هو الصحيح بالمُطلق ، لأنه نابع من اختباري
المُعَمَّق للخطاب السياسي الآشوري لفترةٍ طويلة ، ذلك الخطاب المُتصف بالأنانية
والعجرفة والموغل في التزَمُّت والعنصرية ، المبني على أسُس من رمل الأباطيل
والأكاذيب الواهية . فهل يا تُرى ، سأكون مُوَفَّقاً فيما ذهبتُ إليه بصدد الاسقف
مار باواي سورو ، ويُثبتُ ذاته قولاً وفعلاً بأنه الرجُل المتمَيِّز
والمُلهَم من الروح القدس ، ليقوم بالدور الذي قام به أفضل من ولدتهم النساء
بشهادة إبن إله السماء رَبنا يسوع المسيح له كُل المجد والثناء ( مار يوحنا
المعمذان ) ذاك الذي أنبأ عنه الآنبياء حزقيال وملاخي وإشعياء ! < وأنزَعوا
من لحمِكم قَلبَ الحجر وأعطيكم قلباً من لحم : حزقيال 36 / 26 > < ها أنا
مُرسل رسولي فيُعِدُّ الطريقَ أمامي : ملاخي 3 / 1 > < صوت صارخٍ في البرية :
أعِدُّوا طريق الرب واجعلوا سُبُلَ إلهنا في الصحراء قويمة : إشعياء 40 / 3 > .
فما أشبه الكنيسة
النسطورية بشقَّيها < التي غُيِّرت الى كنيسة المشرق الآثورية مؤَخراً >
المُتشبِّثة بانفصالها عن الكنيسة المقدسة الجامعة ، بالكنيسة التي أشار إليها
إشعياء النبي : 54 /1 < أيتها التي لم تتمَخَّض فإن بني المهجورة أكثر من بني
المتزوجة > والتي إلى أبنائها وَجَّه يوحنا المعمذان كِرازته ، فما أجدركَ لكي
تقتدي بالمعمذان وتصرخ بأبنائها منادياً إياهم للعودة الى الطريق النيِّر
القويم وتركِ طريق الضلال المُظلم ، كفى هذه الكنيسة استوحاشاً وضياعاً في
البرية ، نَوِّرها بنظرتك الروحية لكي يعود أبناؤها الى الحظيرة الأمينة ( حظيرة
الكنيسة الجامعة المقدسة ) ولا بأس من بقائها على تسميتها الحديثة . إسعى الى
توحيد شطري الكنيسة الآثورية النسطورية فهي الخطوة الاولى لقطع مسافة الألف
ميل التي بدأتها ، إن عودتها الى أحضان الكنيسة الجامعة المقدسة هي الغاية
الأساسية ، اترك مسألة اتحادها بالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية للزمن فهو كفيل
بها ، لأن المناداة بمثل هذا الاتحاد الآن مليء بالصعوبات ، فهنالك بين أبناء
هذة الكنيسة أفراد مُتزَمتون مُتصلِّبون قد خَلت نفوسُهم من روح الفهم والمحبة ،
وهي برغبة العِناد والانعزال مُشبَعة ، وأنتَ خير مَن يعلم بأن كنيستهم هي الكنيسة
الوحيدة بين كنائس العالَم غير مُستحَبّة بل الوحيدة الشاذة .
ستسمع الكثير من
التهَجُّم والهُجاء من بعض مُنتسبي هذه الكنيسة التي تحاول تجديدها وإلباسها
الحُلَّة المسيحية القشيبة الناصعة بدلاً من حُلَّتِها القديمة غير اللائقة بها ،
ويتَّهمونك بكُلِّ ما بهم من عيوبٍ وسيِّآت ، لأنهم بعيدون عن أقوال المسيح الرب
له المجد الذي أوصى بممارسة المحبة التي هي حجر الزاوية في البناء المسيحي ، أين
هم مِن < إذا أحَبَّني أحد حَفِظَ كلامي، فأحَبَّه أبي ونأتي إليه فنَجعلُ لنا
عنده مُقاماً : يوحنا 14 / 23 > لقد أوصدوا أبواب قلوبهم لكي لا يدخل إليها
الحق ، ولا يتَّخذ الرب منها مَسكناً ، لأنها مليئة بإغراءآت الشيطان كالكبرياء
وحُب الثراء والإثراء والمجد الدُنيوي الذي يؤول الى الفناء . كيف تلتقي محبة
الله مع محبة المال التي هاموا بها ، يعتبرون غيرتك على تنوير أبناء الكنيسة من
جهالتهم عصياناً عليهم ، وشتّان ما بين التنوير والعصيان ! لم تستطع مؤامرات
الكَتبة والفريسيين النيل من عزيمة يوحنا المعمذان ، بل زادتها قوةً فصرخ بهم
مُوَبِّخاً < يا أولاد الأفاعي ، مَن أراكم سبيلَ الهرب مِن الغضب الآتي : متى 3 /
7 ها هي ذي الفأس على اصول الشجر، فكُلُّ شجرةٍ لا تُثمِر ثَمَراً طيِّباً تقطع
وتُلقى في النار : 3 / 10 > فما أروعكَ بالإقتداء به .
لقد جعلوا من ايمانهم
نوعاً من الفكر الفلسفي بصيغة كلام مُنَمَّق ، وليس أمراً إلهياً بمثابة إرثٍ ثمين
أورثه الرب له المجد لكنيسته بشخص هامة الرُسُل بطرس بن يونا وتناقلته جيلاً بعد
جيل ، يُنكرون أمر المسيح الرب بتوليته زعيمَ رُسله لرئاسة كنيسته ،
ويُشوِّهون هذا الامر الالهي بالشكل الذي يتّفق مع رغبات نفوسهم الأمّارة
بالسوء ، الساعية للوصول الى الرفعة والمجد الدُنيوي بكُلِّ ثمن ، مُتجاهلين
حديث المسيح الرب المُوَجَّه الى تلاميذه عندما سألهم : مَن هو ابن الإنسان في قول
الناس ؟ قالوا ، < بعضهم يقول هو يوحنا المعمذان ، وبعضهم الآخر يقول هو ايليا
وغيرهم يقول هو إرميا أو أحد الأنبياء > فقال لهم : ومن أنا في قولكم أنتم ؟ فأجابَ
سمعان بطرس < أنتَ المسيح ابن الله الحي ! > فأجابه يسوع : < طوبى لكَ يا سِمعان
بن يونا ، فليس اللحم والدم كشفا لكَ هذا ، بل أبي الذي في السموات ، وأنا أقول لكَ
: < أنتَ صَخَرٌ ، وعلى الصَخَر هذا أبني كنيستي ، فلن يقوى عليها سُلطانُ الموت ،
وأعطيكَ مفاتيح ملكوت السموات ، فما رَبَطَّته في الأرض رُبِطَ في السموات ، وما
حَلَلتَه في الأرض حُلَّ في السموات . متى 16 / 13 - 14 - 15 - 16 > وقد وافقَ
تصريح يسوع هذا ما قام به بطرس من دور رفيع منذ أول أيام الكنيسة ، وعلى هذا النص ،
استندت الكنيسة الكاثوليكية في بناء تعليمها القائل ، بأن خلفاء بطرس هم ورثة
رئاستِه ، وهو ما كان يجب أن يعتمدَه التقليد الارثوذكسي ، الذي يعتقد اعتقاداً
وشتّان ما بين الاعتقاد والجزم ، بأن جميع الأساقفة المُعترفين بالايمان القويم في
أبرشياتهم هم خلفاء بطرس وخلفاء سائر الرُسُل ، ورغم هذا الاعتقاد الذي استُخدِم
مُبَرِّراً للانفصال ، فإن الأولوية لوريث كُرسي روما البطرسي مُعتَرفٌ بها من
قبل جميع أساقفة كنائس العالم علناً وضُمناً ما عدا أتباع الكنيسة النسطورية
المُتخلفة عن رَكب العالم ولذلك اعتُبِرت كنيسة شاذة .
أين أتباع الكنيسة
النسطورية ( كنيسة المشرق الآثورية مؤخراً ) بشطريها مِن قول يسوع لسِمعان بطرس بعد
ترائيه لتلاميذه للمرة الثالثة منذ قيامتِه المجيدة : < يا سِمعان بن يونا ،
أتُحِبُّني أكثرَ مِمّا يُحِبُّني هؤلاء ؟ قال له ، نعم يا رب ، أنتَ تعلم أني
أحِبُّكَ حُبّاً شديداً ! قال له : إرعَ حملاني : قال له مرةً ثانية < يا سمعان بن
يونا ، أتُحِبُّني ؟ قال له ، نعم يا رَب ، أنتَ تعلم أني أحِبُّكَ حُبّاً شديداً !
قال له : إسهر على خرافي : قال له ثالثةً < يا سِمعان بن يونا ، أتُحِبُّني حُبّاً
شديداً ؟ فَحَزنَ بطرس لأنه قال له في المرة الثالثة ، أتُحِبُّني حُبّاً شديداً ؟
فقال يا رَب ، أنتَ تعلم كُلَّ شيء! أنتَ تعلم أني أحِبُّكَ حُبّاً شديداً ! قال له
إرعَ كباشي . > . لقد كان قصدُ الرب بتَكراره السؤال لبطرس ثلاث مرّات ،
تَذكيرَه بتصريحاتِه الحماسية وبإنكاره ثلاث مرّات يوحنا 13 /37 ، متى 26 /
30 - 35 ، مرقس 14 / 26 - 31 ، لوقا 22 / 31 - 34 . اعترف بطرس بِحُبِّه الشديد
ليسوع ، ايماناً منه بعِلم يسوع ما في القلوب ، وبدون إدِّعاء التفوّق على غيره
، ولذلك ولعُمق المحبة التي كان يًجاهرُ بها بطرس ويحياها ، يَعهَدُ إليه يسوع
مُرسَلُ الآب والراعي الوحيد بالمُهِمّة الرَعَوية لقطيعه ، يوحنا 10 / 14 و 10 /
1 - 16 . ولا بُدَّ أن مار باواي يُريد إفهام هؤلاء بأقوال يسوع أو ربَّما
تذكيرَهم بها ليرعووا ويعودوا للسير في المسار الصحيح الذي رسمه السيد المسيح .
لقد قرأتُ الكثير من
المقالات المُتشَنِّجة لأصحاب العقول المُتجمِّدة والآراء المُتخلِّفة ، الذين
هَزَّت حركَةُ مار باواي التصحيحية أركانَ أسيادهم الكتبة والفريسيين
المُتسلطين على تسيير امور كنيستهم المتعثِّرة في مسيرتِها الروحية ، بسبب غرقِهم
حتى آذانهم في بحر العالم المادي الخالي من الروحانيات ، وقد تضمَنَّت الكثير من
التجريح والإجحاف في حقِّ اسقفٍ طال انتظارُه ، اسقفٍ نذر نفسه لمُخَلِّصه في
تطبيق تعاليمه التي آمن بها ، وجعلها مَنهجاً لرسالتِه في الحياة ، اسقفٍ يُريد
تجديد الكنيسة المتصَدِّعة الأركان الروحية ، إنقاذَها من براثن التَخَلُّف
والانحسار ، لكي تطوي صفحتها السوداء التي لازمتها طوال قرون عديدة ، وتفتحَ صفحة
جديدة نقية بيضاء لتتقدم الى الأمام روحياً .
بهذا الصفاء الروحي
قَيَّمتُ حَرَكَةَ مار باواي بل ثورتَه التصحيحية لانتشال الكنيسة النسطورية (
المشرق الآثورية مؤخراً ) وإخراجِها من هُوَّة التَيهان الواقعة فيها ، بسبب
عُزلتِها المُرتبطة بأهواء المُتسلِّطين على شؤونها ، المُنهمكين بالماديات
والهاملين للروحانيات مُتَّخذينَ منها ستاراً للتغطية ، ولذلك كان من الضروري أن
يبرز مُنتفضٌ لتقويم الإعوجاج وتصحيح المسار واتخاذ موقف جريء لإجراء التجديد في
الكنيسة وفي الروح المسيحية لأبنائها . أما إذا كانت هذه الحركة نابعة مِِن رؤية
سياسية كما تتحدَّث الإشاعات ، فتلك مُصيبة كُبرى ، وستبوءُ بالفشل ، وسيكون الاسقف
باواي الضحية ، لأنه في هذه الحال سيصطدم بموقفٍ كلداني مُتصَلِّبٍ جداً وموقف
سرياني مُعارض ، فقد سبق للكلدان والسريان أن اختبرا نوايا ما تُسمّى بالحركة
الآشورية ( زوعا ) التي تسعى بكُلِّ الطرق لاحتواء الكلدان والسريان تحت المظلة
الآشورية الغريبة عنهما ، لأنها تسمية وثنية لا تليق أن يتسمّى بها أي مسيحي
لكونها مُشتقة مِن اسم الإله الوثني آشور ، وهي مناقضة تماماً للتسمية القومية
الكلدانية التي نبذ أبناؤها إلهَهم الوثني مردوخ فور تَقَبُّلهم للبشارة
المسيحية ، فهل سَها الاسقف باواي عن هذه الحقيقة ؟ أرجو أن تكون الشائعات في غير
مَحلِّها وتكون حركة مار باواي روحية صرفة ، وأن تترَكَّز على تجديد البيت الآثوري
فقط ( لا الآشوري ) بقسمَيه ذي التقويم الحديث والقديم ، لأن البيت الكلداني ثابت
الاسس وقد أصبح صرحاً شامخاً منذ أن وضع أساسه على الصخرة البطرسية ، وفي الوقت
الذي نتمنى لمار باواي النجاح في مسعاه لتجديد البيت الآثوري نتمنى أن تكون
اسُسُه على الصخرة البطرسية ، إنه مشوار طويل يتطلَّب جُهداً وصبراً طويلين ،
وليكن الله في عونِكم أيها الاسقف الجليل .
الشماس كوركيس مردو
في 1 / 6 /2006
|