|
June 7, 2006
البرزاني نيجرفان رؤية مستقبلية لاقليم كردستان
**********************************
بقلم : حبيب تومي / اوسلو
مقدمة
( لا نخالف الواقع لو زعمنا أن أقليم
كردستان ينعم بأمن واستقرار ، ومما لا ريب فيه ان الشعب الكردي بلغ هذه المرحلة بعد
كفاح وتضحيات على مر عقود مضت ، ولكن ليست غايتنا في هذا المقال العودة الى الماضي
، إنما نريد التطرق الى الواقع الراهن ، وتحديداً احاول تسليط اضواء على تصريح
الأستاذ نيجرفان البرزاني رئيس وزراء حكومة أقليم كردستان لصحيفة الشرق اللندنية
بعددها 10047 الصادر بتاريخ الأول من حزيران 2006 م ) .
نصف قرن من الزمن العراقي الفائت
كانت تهيمن عليه ثقافة العنف والمؤامرات والأنقلابات العسكرية والحروب الداخلية
والخارجية والى اليوم ما برحت عجلة العنف تدور في الوطن العراقي الجريح .
أمام هيمنة ثقافة العنف وسفك الدماء
والفوضى ، تتراجع او تختفي عوامل التنمية والبناء والصحة والتربية والتعليم
والخدمات ، كما تتراجع مفاهيم التعايش والتسامح والمحبة بين أبناء الشعب الواحد .
لقد عاشت كردستان في قلب الحدث
العراقي ، وأصابها ما اصاب الوطن العراقي برمته من تأخر وإهمال وتراجع في النمو
البشري والصناعي والتقني وفي كل مناحي الحياة ، وكان هبوط العراق في مقاييس سلم
التطور والتقدم التنموي الى الدرجات الأخيرة ، بعد ان كان مقدراً له في تضاعيف
الثمانينات من القرن الماضي ان يخرج من صحراء دول العالم الثالث الى واحة الخضراء
للدول المتقدمة في العالم ، لكن الحروب الداخلية والخارجية التي أتت على ثروات
العراق المادية والبشرية اوقفت عجلة التقدم بل أرجعتها الى الوراء ليبقى العراق
عاجزاً عن مواكبة التقدم الحضاري في العالم وفي المنطقة .
وهكذا كان تطرق السيد نيجرفان
البرزاني إذ يقول : إن حكومته تهتم اليوم أولاً ببناء البشر ، الى جانب الأستثمار
في قطاعات الصناعة وتنمية الأدارة والتعليم .
وهو يشير بصراحة الى غياب المساعدات
العربية ، أما منظمات الأغاثة الأسلامية فقد جاءت من اجل بناء المساجد وكفالة
اليتامى ، ويضيف ايضاً : انهم اكتشفوا بعد فترة انهم جاءوا لتجنيد الشباب وتدريبهم
على العنف .
إن الأديولوجيات الراديكالية التي
تكرس خطاب التشدد والغلو ثم تمارس العنف والقتل لأسباب تافهة ، وهي التي تستغل
الشباب وتوظف بينهم الخطاب المقدس لارتكاب جرائم القتل بحق الأبرياء .
إنا شخصياً انخرطت في صفوف الثورة
الكردية لسنوات عديدة ولم الاحظ ما يوحي الى تبنيها هذا النمط من التفكير ،
واليوم تواصل الحكومة الكردية خطابها العقلاني الواقعي في التعامل بروح العصر في
شتى مناحي الحياة .
برأيي ان المنطقة الكردية لكي تلتحق
بركب التقدم التقني والحضاري عليها في البداية قطع دابر العنف والأرهاب وكل انواع
التطرف وتجفيف جذوره . وفي المقابل تنمو وتزدهر حديقة التسامح الديني والعرقي
والمذهبي . إن الحكم الديمقراطي الليبرالي العلماني يفتح فضاءات الحرية والأنطلاق
امام كل التوجهات فتنتعش حرية الفكر والرأي وحرية الصحافة وتفتح آفاق ملائمة جذابة
للأستثمارت الأجنبية والوطنية .
إن اقليم كردستان ينتظره مستقبل زاهر
، ولكن من أجل ذلك لا زال امام الشعب الكردي الكثير للقيام به ، ولكن ما يدعو الى
التفاؤل هو ان الحكومة الكردية اختارت المسلك الصائب لبلوغ المستقبل المزدهر هذا .
إن دعوة رئيس وزراء حكومة اقليم
كردستان الأستاذ نيجرفان البرزاني لرجال الأعمال الأكراد وغيرهم من العراقيين
للعودة الى بلادهم للمساهمة في بناء الوطن العراقي ، وعليهم ان يشعروا بواجباتهم في
مسألة بناء عراق مزدهر ، ولاشك إن هذه العودة مرتبطة بعودة الأمن والأستقرار الى
ربوع الوطن ، وحالياً فإن أقليم كردستان المستقر يعتبر مكان نموذجي لاستثمار
الخبرات ولتدفق رؤوس الأموال .
وباعتقادي أن الدور السياسي العربي
والأستثمارات العربية بالذات ينبغي ان تلعب دوراً بارزاً في هذه المرحلة ، وينبغي
على الدول العربية ان لا ينحصر دورها بالمتفرج الى ما لانهاية ، إذ ان بناء أقليم
كردستان وهو جزء حيوي من تنمية الوطن العراقي ، وهي مساهمة فعالة من الأقطار
العربية في بناء العراق وإرساء قواعد متينة لاستقرار هذا البلد العربي الذي تمزقه
المصالح والتدخلات الأجنبية من كل جانب .
إن المدخل الى الحكم الديمقراطي هو
التعامل الشفاف مع لوائح حقوق الأنسان التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة والتي يأتي
في مقدمتها حقوق الأقليات الدينية والعرقية ، وهنا يشير الأستاذ نيجرفان البرزاني
صراحة الى ان بعض القوانين ما زالت بحاجة الى تعديل وقال : أن الآشوريين والكلدان
واليزيديين والصابئة يتمتعون بكافة الحقوق الدينية مثل السنة والشيعة ، وأشار الى
المساعدات التي تقدم للعوائل المهاجرة الى كردستان نتيجة أوضاع الأنفلات الأمني في
بغداد والبصرة والموصل والى جهود تبذل من اجل توطين هذه العوائل .
إن التقدم الذي أحرزته الديمقراطيات
الغربية سواء على مستوى الأجتماعي البشري او على مستوى التقدم التكنولوجي والخدمي
لم يأت اعتباطاً او من ضربة حظ ، إنما خاضت هذه البلدان الحروب الشرسة المريرة ،
وتجرعت شعوبها مرارة الظلم والهوان ومغبات الصراعات الدينية وألأثنية ، ولكنها في
نهاية المطاف رست مراكبها على شواطئ التعايش السلمي وتسليم الحكم لمن يفوز بأصوات
الناخبين ، واحترام الأديان والمذاهب وذلك بتطبيق حكم ديمقراطي علماني ينظر الى كل
الأديان والعقائد والمذاهب نظرة متوازية ومتساوية . ثم احترام حرية الرأي والرأي
الآخر وحرية الصحافة واحترام الملكية الفردية والحرية الشخصية وغيرها من القوانين
. كل ذلك قد أهّل الأنسان الأوروبي ان ينطلق في معارج التقدم في كل مناحي الحياة .
إن اقليم كردستان تقطنه أديان
وقوميات عراقية منذ أقدم العصور ، ومن هنا يقتضي إقامة حكم ديمقراطي ليبرالي
علماني ينظر الى النسيج الذي سداته الأكراد ولحمته الأقليات فيعامل الجميع نظرة
حضارية معاصرة .
هذا ما تقوم به حكومة أقليم
كردستان التي يرأسها الأستاذ نيجرفان البرزاني ، إنها بدايات رائدة في تقدم وتطور
هذه المنطقة وإن هذا التقدم يصب في مصلحة الوطن العراقي من مدينة زاخو الى مدينة
الفاو .
حبيب تومي / اوسلو
|