|
June 9, 2006
نعم , الآشورية نقمةُ الماضي
والحاضر والكلدانية نِعمتُه !
************************
الشماس
كوركيس مردو
كان السيد عوديشو
ملكو باختياره لكامة ( النقمة ) للآشورية
مؤفّقاً ، لأنها
الصفة التي
تنطبق عليها
قديماً وحديثاً ، وبعد أن عَجزَ بكُلِّ ما ألهمَه حِقدُه العلني والمكبوت
الذي نفثه بوجه الكلدان وقوميتهم العريقة من خلال كتاباته الهزيلة لغةً ومعنى
، راح يقوم بتشويه الحقائق التاريخية اعتباطاً وحسب هواه ومزاجه الشخصي بعيداً عن
النزاهة ووخز الضمير ، وصولاً الى غايته الشريرة في التجني على الامة الكلدانية
وشعبها الأبيِّ المُسالم ، وفق القاعدة السيئة ( الغاية تُبرِّر الوسيلة ) ، كيف
يمكن لمَن يدَّعي الأكاديمية أن ينحدر الى هذا المستوى المُتدنّي من
التنَصُّل للاصول الأكاديمية العلمية المفروض فيها توفر الشرف والنزاهة ،
فيُحوِّر وقائع التاريخ لصالح من كانوا بؤرة الشر والعِدوان ، الرُعاع
والمنبوذين المطرودين من أرض بابل ، الذين لم يروا سبيلاً غير التوَجُّه صوبَ
شمال وادي الرافدين ، وتأسيس دولةٍ بعد مرور الزمن أطلقوا عليها ( الدولة
الآشورية ) تيمناً باسم الاله الجبلي الأجنبي ( آشور ) الذي جلبته القبائل
الشوبارية الغازية لدى احتلالها لمُستوطن المُزارعين السومريين ، الذين بدورهم
شَدّوا الرحيل نحو بلاد الكلدان في الجنوب هرباً من ضغط الشوباريين وجَورهم .
ليس السيد اوديشو
ملكو فقط الوحيد الذي يخجلُ من ذكر أصل الآشوريين ، بل كل الذين على شاكلته مِن
مُنتحلي الآشورية المزيَّفة الموهومين بالسراب الآشوري ، بدءاً بزعيم العصابة
الزوعاوية والمتأشورة زومايا والرائد الأول في حَمل شعار الكذب والدجل آشور
كيوركيس و و و . . . ، ووراء هذا الخجل والتهرُّب هو السبب الذي ذكرتُه أعلاه
عن حقيقتهم . يعزو الداعية الآشوري المُتزَمِّت عوديشو ملكو ، بأن الذين نقموا
على الآشوريين هم كَتَبة التوراة ( اسفار العهد القديم ) والكلدانيون الدخلاء الى
أهوار العراق ( بلاد البحر ) ، لاحظوا مدى حقدِه على الكلدان ، بوصفه إياهم
بالدخلاء وهم الأصلاء في مثواهم الأصيل ( القطر البحري ) المنطقة الممتدة من شمال
مُرتفعات حِمرين حتى جنوب قطر ، ومن شرق الأهواز ولغاية مدينة ماري الواقعة على نهر
الفرات في الغرب ، مخالفاً آراء الآثاريين والمؤرخين المُجمعين على ذلك ،
والمؤكدين بأن كلدانيي هذه المنطقة اختاروا حياةً حضرية في المدن ، وأشهر تلك
المدن أور وأوروك وأريدو ، وقد أطلق عليهم بعض المؤرخين العراقيين تسمية (
الفراتيين الأوائل ) كما كان قد أطلقها من قبلهم العالِم والمؤرخ لاندزبيركَر .
تؤكد الدراسات مؤخراً
، بأن الهجرات البشرية التي انطلقت الى بابل وضواحيها ، كان مَنبعُها شعب منطقة
القطر البحري ، وهو ما يُبطل صحة نظرية الهجرات السامية أو ما دعاها البعض في
كُتُبهم حتى أواخر القرن العشرين ، بالهجرات الجزرية أو العربية ، ولسببٍ بسيط جداً
، هو قُصر مدة ظهور حضارات الجزيرة العربية ذات الاصول الحبشية في المنطقة
اليمنية التي لا تتجاوز الاثني عشر قرناً قبل الميلاد ، بينما يمتد تاريخ حضارة
الفراتيين الأوائل ( أسلاف الكلدان ) في مُستوطنهم التاريخي المشار إليه أعلاه الى
أكثر من (5300 عاماً ق . م ) ، وهذا يدل أيضاً بأن سكان العراق القديم المُسمّين
( بالفراتيين الأوائل ) الكلدان القدماء كانوا قد سبقوا السومريين بأكثر من ألفي
عام في استيطان الحوضين الأوسط والأسفل من وادي الرافدين ، وبهذا الصدد يقول المؤرخ
الكبير طه باقر في الصفحة 64 من كتابه ( مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ) < إن
السومريين لم يكونوا أقدم المستوطنين في السهل الرسوبي > والمعروف أن السهل الرسوبي
هو القطر البحري موطن الكلدان التاريخي ، وقد شاركهم في العيش فيه السومريون الذين
هاجروا إليه فراراً من اضطهاد الشوباريين الذين احتلوا موطنهم الشمالي . فأين هذا
الواقع التاريخي من هذيان وضجيج المتزمتين من منتحلي الآشورية المزيفة !
لقد كان التوجه
الآشوري عسكرياً محظاً منصبّاً على الحرب والعدوان والتوسع على حساب الأقطار
القريبة والبعيدة ، لغرض نهبها واستغلال مهارات أبنائها الثقافية والمهنية في خدمة
مشاريع الدولة الآشورية العتية ، التي أهمل مواطنوها كل النواحي العلمية
والثقافية لانشغالهم في المهام الحربية ذات الأولوية الاولى في اهتمامات الملوك
الآشوريين ، حتى ظهور آخر ملوكهم الشهير آشور بانيبال ، فهاله الوضع االثقافي
المُزري للشعب الآشوري الهمجي ، فأمر بجمع كُل ما أفرزته جهود الشعوب الاخرى ، في
مجالي العِلم والمعرفة ، وشيَّد لها مكتبةً واسعة عُدَّت الأعظم في وقتها ، هكذا
كانت الآشورية نقمة كُبرى على شعبها والشعوب الاخرى ، فآلت الى الزوال الأبدي مع
شعبها الذي حكم التاريخ عليه وعليها بالفناء منذ العقد الأخير من القرن السابع ق .
م .
إذا كان التاريخ يؤكد
انقراض الآشوريين بشهادة كل المؤرخين النزيهين ، كيف تسنى لهم اعتناق المسيحية ، هل
عادوا الى الحياة بقوة إلههم الوثني آشور ؟ ولماذا لم ينقذهم قبل القضاء عليهم
القضاء المُبرم من قبل الكلدان والميديين ؟ متى يستوعب هذه الحقيقة التاريخية
أحفاد سُكان منطقة آثور الكلدان النساطرة ؟ وحتى متى يستَمرئون اللعبة الانكليزية
وفكرة وليم ويكرام الجهنمية بابتكاره الاسطورة الآشورية ؟ ألا تخجلوا من تدنيس اسم
المسيح الرب له المجد باسم آشور الاله الوثني ! ألا تشعرون بالعار من حَمل هذا
الاسم السمج المكروه من جميع شعوب العالَم ولا سيما الشعوب المجاورة للعراق ! إن
الشعوب الوثنية التي اعتنقت المسيحية نبذت أسماء آلهتها الوثنية ، وعلى العكس من
هذه الشعوب قمتم باستعادة اسم الاله الوثني الذي كان يعبده شعب قديم زال عن الوجود
منذ أكثر من خمسة وعشرين قرناً لا علاقة لكم به بتاتاً ، ألا يًعَدُّ ذلك جنوناً ؟
.
أليس من الخزي والعار
أن تبتزوا جهود أبناء كنيسة المشرق الكلدانية النسطورية ومنجزاتها التبشيرية
وتُلصقوها بمَن طَوتهم اللحود قبل سيل طويل من العهود ! إنكم أحفاد اولئك
الكلدان المنشقين عن إخوانهم في منتصف القرن السادس عشر وأبنائهم المخدوعين في
أواخر القرن التاسع عشر من قبل أساطين الشر الانكليز ، ألم تقرأوا للعلامة
المطران أدي شير ما ذكره في كتابه ( تاريخ كلدو وآثور ) < إن أجدادنا الكلدان
المسيحيين هم أيضاً نظير آبائهم الكلدان الوثنيين ، الذين امتدَّت فتوحاتُهم حتى
جزيرة قبرص ومصر غرباً والى بحر قزوين والبحر الأسود شمالاً وحتى بلاد ماداي وعيلام
شرقاً والى جزيرة العرب جنوباً ، كذلك الكلدان النصارى بفتوحاتهم الدينية عَظَّمت
شُهرتهم وخَلَّدوا لهم ذِكراً جميلاً ، إذ إنهم كأجدادهم افتتحوا بلاد فارس وماداي
والعرب وأرمينيا وسوريا وقبرص ومصر حتى بلاد الهند والصين وتركستان وغيرها من
البلاد التي لم يقدر أجدادُهم الوثنيون أن يفتحوها بقوة أسلحتهم القاطعة > أين
هذا من أقوال الداعية مُنتحل الآشورية المُلفَّقة عوديشو ملكو الذي نَسَبَ
كُلَّ هذه الأعمال ضمن ما سمّاه زوراً وبهتاناً ( المشروع الآشوري العراقي التبشيري
الى الشعوب الآسيوية المختلفة من خلال الرهبان الغيارى لكنيسة المشرق ) هل هنالك
سفاهة أعظم من تلطيخ اسم كنيسة المشرق الكلدانية الأصل والمنشأ بالاسم الوثني
الآشوري المقبور !
يقول المطران أدي شير نقلاً عن
أدولف دافريل بمقلتِه في ( كلدو المسيحية ) ما نَصُّه : < إن الكنيسة النسطورية
أبرزت مدة أجيال عديدة قوَّةَ امتدادٍ عجيب خارق العادة، فإن قوة هذه الفتوحات
الدينية والمَيل إليها ، هما علامتان فارقتان إتَّصَفت بهما النسطرة دون غيرها ،
والأمر الغريب هو ان الرسالات النسطورية لم تكن نتيجة فتوحات دُنيوية أو آلة نفوذٍ
سياسي ، بل سببها الوحيد هو المَيل الشديد الذي كان للنصارى في الأجيال المتوسطة
الى نشر الايمان وافتتاح الرسالات النبيلة > ويُضيف أدولف عن انتشار النساطرة في
سيلان وسومطرة والصين وبلاد التتر والهند واورشليم وقبرص : < فبهمة هؤلاء المُرسلين
الغيورين ارتفع شأن الكلدان النساطرة وكَثُروا حتى أن عددهم فاق المئة مليون > .
وقال شارل اوديس بونين بمقالتِه
في قِدم النساطرة في آسيا الوسطى بعد أن بحث عن امتداد الكلدان النساطرة في بلاد
الصين وتركستان ومنغولستان ما تعريبه : < إن للنساطرة دوراً مُهماً في تاريخ
التقدم العمومي، فإن كَهَنتهُم هم أول مَن أدخلوا التمدُّن في آسيا الوسطى ، ومِن
المعلوم أنه من الحروف السريانية النسطورية ، تَوَلَّدَ في القرون الوسطى على يد
غُزاة آسيا، القلم التركي الايغوري والمغولي والمانجوني ، والقلمان الأخيران
مُستعملان الى يومنا هذا > . ويقول بادجير ( النساطرة وطقوسهم ) < إن أشهر ديانات
آسيا أعني بها اللاماوية أخذت أشياء كثيرة من طقس النساطرة ولعَلَّ من مُعتقدهم
أيضاً > .
وقال الأب لابور( الديانة
المسيحية في مملكة الفرس ) < إن الكنيسة النسطورية ما برحت مدة أحد عشر جيلاً تنشر
التمَدُّن والتربية المسيحية بين أهالي آسيا القديمة والشرق الأقصى > وقال أيضاً <
إن النصارى الكلدان نالوا أعلى المناصب في الدولة العباسية، وعَلَّموا ساداتهم
الذين كانوا الى ذلك الحين في حالة الجهل ، فلسفة اليونان وعِلم الفلك وعِلم
الطبيعيات والطب ، ونقلوا الى العربية تأليفات آرسطوطاليس واوقليديس وبطليموس
وأبقراط وجالينوس ودوسقوريدوس > . وجاء في مجلة الشرق المسيحي : < وبواسطة الكلدان
تَعَلَّمَ العربُ الأرقام الهندية وآلة الاسطرلاب وغير ذلك > .
وورد في ( قاموس اللاهوت
الكاثوليكي ) للعلماء الألمان/ ترجمة كوشلير ما تعريبه : < إن العلوم الشرقية في
زمان فتوحات العرب كانت محصورة خاصةً عند الكلدان ، فكانوا يُعَلِّمون في مدارس
اورهاي ونصيبين وساليق أو ماحوز وديرقوني ، اللغات الكلدانية والسريانية واليونانية
والنحو والمنطق والشعر والهندسة والموسيقى والفلكيات والطب ، وكان لهم مكاتب عمومية
يحفظون فيها تآليف المُعلمين > .
وعن المدارس والمستشفيات لدى
الكلدان تَحَدَّثَ الأب لابور وقد أخذه العَجَب : < إنه ليس مِن امةٍ على الأرض
بارت امة الكلدان النصارى في تأسيس المدارس ، فاتسعت صناعة التأليف عندهم اتساعاً
عجيباً حتى أن عدد المؤلفين منذ الجيل الرابع الى نهاية الجيل الثالث عشر الذي فيه
انطفأت العلوم لديهم فاق الأربعمائة ، وتأليفات بعض هؤلاء المؤلفين فاقت الخمسة عشر
والثلاثين والأربعين ، وتصنيفات مار أفرام لا تُعد ، وميامر مار نرساي ما عدا
الكُتُب العديدة التي ألفها تبلغ (360 ) وميامر يعقوب السروجي (700 ) وجبرائيل اسقف
هرمزدارداشير له ثلاثمائة مؤلَّف ويوسف حزّايا ( 1900 ) .
بعد كُلِّ ما مَرَّ ذِكرُه ، ألا
تُعتبر الكلدانية نعمةً للبشرية جمعاء من خلال دور أبنائها الكبير وجُهدِهم
المُمَيَّز في مُختلف حقول العِلم والمعرفة ! وهل نبالغ في القول ، بأن الآشورية
المقبورة كانت نقمةً لأصحابها القدامى ، وسرت نقمتُها ولا زالت تسري على
مُنتحليها المعاصرين ، ونرجو الله تعالى لكي لا يكون مصيرُهم مُماثلاً لمصير
اولئك العِدائيين ، لأنهم لا يدرون بأي طريق حالكٍ هم سائرين !
الشماس كوركيس مردو
|