September 9, 2006

قراءة نقدية في كتاب هرمز  ابونا :
 صفحات مطوية من تاريخ الكنيسة الكلدانية (1)

**********************************

الحلقة الأولى

بقلم : حبيب تومي / اوسلو 
 

كتاب الآشوريون بعد سقوط نينوى المجلد الثامن وهو تحت عنوان [ صفحلت مطوية من تاريخ الكنيسة الكلدانيـــة ] ويقع الكتاب في 328 صفحة ، لقد قرأت الكتاب ورأيت لزاماً علي ان اسجل النقاط التالية وهي على شكل حلقات متتالية .

من البديهي ان يكون النقد حالة ضرورية للكاتب وللقارئ على حد سواء ، فالنقد هو محاولة الدخول في زوايا الكهوف المظلمة للنص ، وتسليط الأضواء على ما تخفي في ثناياها ، وما ارمي اليه هو خدمة الحقيقة ، التي يمكن ان نبلغها حينما ننطلق نحوها بعقول منفتحة ، بعيداً عن المطلق في احكامنا .

ويغمرني تفاؤل من ان الأستاذ والصديق العزيز هرمز ابونا سيقبل هذا النقاش برحابة صدر  وروح رياضية   ، انطلاقاً من المقولة : ان الأختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية .

في البداية علي ان اعترف ان الكتاب يحتوي بين دفتيه مادة تاريخية غنية ، ولا غرابة في ذلك اذ ان تاريخ الكنيسة الكلدانية او كنيسة المشرق يعتبر معبراً اميناً للأحاطة بتاريخ العراق عموماً وكما يقول الأستاذ المؤلف ، ان تاريخ الكنيسة الكلدانية هو مرآة عاكسة للتاريخ السياسي للعراق الحديث ، وأنا اضيف ان هذا التاريخ يعكس معظم اوجه التاريخ العراقي .

لقد جذبني العنوان [ صفحات مطوية .. ] وتوقعت وتمنيت ان اقرأ صفحات ليست مذكورة في كتاب الأب البير ابونا : تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ، او كتاب خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية لأوجين تيسران ، لكن بصراحة لم اقرأ شيئاً من هذا القبيل ، وأرجو من  كاتبنا الجليل الصديق هرمز ابونا ، ان يفتح صدره الرحب لاراء القراء .

من خلال قراءتي للكتاب تبين ان للكاتب فكرة يريد ان يمررها وهي تقسيم الكنائس الى وحدات اقليمية ، او وطنية ، ومن ثم تسويق فكرة مفادها ان روما تريد الهيمنة والسيطرة على هذه الكنائس الوطنية ، وهو يحاول وضع هذه السيطرة في القالب الأستعماري لمفهوم السيطرة .

ــ ان ما نعرفه عن الكنيسة انها كانت كنيسة واحدة قبل الهرطقات او لنقل ـ قبل الأجتهادات ـ  وهذه الكنيسة كان يعقوب القديس قد كتب رسلة موجودة في العهد الجديد . وهي احدى الرسائل المسماة القاثيليقية اي الكنيسة الجامعة للكنيسة كلها إذ لم ترسل الى مدينة او قوم مخصوصين( 1) .

لكن الأستاذ الكاتب ينحو منحى اخر في محاولة توحيد صفوف الكنيسة فيقول في هامش ص6 :

فظل التبشير والأستعمار وجهان لعملة واحدة ... [ وعن التبشير نسأل هل كان كان تبشير الكنيسة الشرقية في بلاد العرب وفي الهند والصين هو وجه من الوجه الأستعماري لهذه الكنيسة ؟]   وفي ص 7 يستطرد في هذا الهامش فيقول : من اورشليم باشرت روما حملتها لاخضاع الكنائس الوطنية وفي مقدمتها كنيسة المشرق ..

 واذا تتبعنا الفذلكة التاريخية للكاتب إذ يقول ص 17 :

.. وهكذا فإن موجة العنصر التركي المغولي سنة 1055 م الزاحفة من الشرق نحو بلاد ما بين النهرين قابلتها الموجة الصليبية القادمة من اوروبا الكاثوليكية .. ويذهب الكاتب الى القول : ان ملوك اوروبا بقيادة الباباوات تيقنوا من ان وجود المغول كمسلمين ضعفاء في منطقة الهلال هو افضل لهم من بروزهم كقوة مسيحية مرعبة ومنافسة لهم في ذات المنطقة التي كانوا يخوضون فيها الحملات العسكرية الصليبية لاستعمارها ...

باعتقادي ان استنتاج الكاتب ليس في محله ،إذ لا يمكن للكنيسة الكاثوليكية في اي حال من الأحوال ان تفضل دولة اسلامية على قوة مسيحية ، والكاتب يناقض نفسه عندما يقول ان الكنيسة الكاثوليكيــة تباشر حملة للتبشير في المنطقة ، فكيف ننسب اليها محاربتها المسيحية في الوقت ذاته ؟

والكاتب يركز كل اهتمامه في جعل روما في موقف من يريد ان يمزق كنيسة المشرق ويفرق صفوفها ، ومن اجل ذلك يقول ان الدولة العثمانية اتسمت يوم كانت قوية بسياسة تسامحية اتجاه رعاياها المسيحيين ولم تقم باضطهادم بسبب ولائهم الديني ص20 .

ونستمر مع الكاتب في نفس السياق عن التسامح الديني الأسلامي فيقول في ص33 : ان التسامح الديني المغولي اتجاه كنيسة المشرق لم تكن ترقى الى مستوى التسامح الذي شهدته هذه الكنيسة خلال حكم العديد من الخلفاء الأمويين والعباسيين ص33

يبدو ان تحامل الكاتب على الكنيسة الكاثوليكية ينسيه كثير من المآسي التي  تعرض لها المسيحيون ، وهم يعيشون في بلدهم ولكن تحت مظلة الحكم الأسلامي ، وسأسرد غيض من فيض ،وهذا الواقع الأليم هو الذي حول الأكثرية المسيحية الفاعلة في بلاد ما بين النهرين الى اقلية مهملة لا حول لها ولا قوة في مجرى الأحداث في وطنها الأم ، ولكن قبل ذلك احب ان اشير الى التسامح في الفترة التي يشير اليها الكاتب حيث كانت تنحصر في فئة من [ التكنوقراط ] ان صح التعبير ، من الكتاب والمترجمين والأطباء حيث كان هؤلاء مقربين من البلاط ، وكانوا يبذلون جهوداً لدى الحكام من اجل تخفيف الوطأة على بني جلدتهم  .

ــ لقد كانت علاقة العالم الأسلامي بغيرهم من الاديان الأخرى تتمحور حول مقولة اهل الذمة المتمثلين في [ المسيحيين ، واليهود ، والصابئة المندائيين] . ان اول خليفة اموي امر اليهود والنصارى بمخالفة المسلمين في لباسهم وعزل الموظفين منهم من مناصب الدولة هو عمر بن عبد العزيز (2 ) .

 وفي العهد العباسي الذي اشاد به الكاتب ، سنحاول الأقتباس فقرات وردت في كتاب الدكتور جان موريس فييه يسرد عن المؤرخ البيزنطي ثيوفانوس [ت 818] اضطهاد النصارى في عهد ابو جعفر المنصور [ 754 ـ 775 ] :

 ــ يحظر بناء كنائس جديدة وانشاد الترانيم الدينية خارج جدران الكنيسة وكذلك مجادلة المسلمين .

ــ اخضع الرهبان والعموديون للجزية التي سبق اعفاؤهم منها

ــ اقصي النصارى عن كتابة ديوان المال لكنهم اعيدوا للحاجة الى وظائفهم .

ــ امر بنزع الصلبان عن قبب الكنائس .

ــ سنة 770 امر بحلق اللحى وباعتمار قلانس طول الواحدة ذراع ونصف .

ــ سنة  773 أمر [ بوسم ] اليهود والنصارى بالحديد الحامي ، هؤلاء يهربون الى الأراضي (3 ) البزنطية . [ ان وسم الأنسان بهذه الطريقة كان يجري في عصر العبيد فيوسم العبد لكي لا يهرب من صاحبه : ح . تومي ] .

في عهد المتوكل 847 ـ 861 طبقت التدابير التمييزية ، لقد امر هذا الخليفة بتسوية قبورهم قبور اليهود والنصارى مع الأرض ، وأن يجعلوا على بيوتهم صور شياطين من خشب ، وان تكون ارديتهم الخارجية من اللون الأصفر ، وان يجعلوا خرقتين مختلفتي الصبغ على الثوب تلقاء الصدر والظهر ، وحرم على النصارى ان يخرجوا الى الأسواق يوم الجمعة ،كما حرم على اطفالهم ان يدرسوا في كتاتيب المسلمين ، وروعي ان لا تكون لدورهم نوافذ على مسجد المسلمين ...الخ (4 ) .ان القرارات التمييزية هذه وصنوف الضرائب التي كانت تفرض على غير الأسلام كل هذه الأمور وغيرها كانت تساهم في خروج اكبر عدد من المسيحيين من دينهم ودخولهم الاسلام .

ان اشكالية الأسلام كان متسامحاً ام لم يكن كذلك ، فمن الناحية العقلانية ، فإن اضمحلال المسيحية في دار الأسلام على مر التاريخ  يفسر لنا العلاقات التي كانت سائدة وهي علاقات يمكن ان نصفها انها كانت بين سيد ومسود ، ولم تكن العلاقات بين مواطن ومواطن ، ومن هنا فإن ادعاء الكاتب عن فترة تسامح ديني في هذه الفترة لم يكن موفقاً .

لم يكن بودي هذا الأسهاب لو لم تقتضيه ضرورة المقال .

ــ في صفحة 53 يشير الكاتب الى مار شمعون الباصيدي الذي ادخل النظام الوراثي في مؤسسة الكنيسة بديلا لنظام الأنتخاب الذي كان سارياً في هذه المؤسسة ، وان كاتبنا يرى في ذلك من احكام الضرورة باعتبارها رافقت هجمة تيمورلنك على المنطقة . في حين يرى معظم المراقبين من المؤرخين ومن الأكليروس ان هذه الخطوة كانت مساهمة فاعلة في تمزيق صفوف الكنيسة المشرقية .

لو شاطرنا الكاتب رأيه بأن الوضع كان عصيباً ، فيمكن ان نتفق معه ، [ ولو على مضض ] ، من ان يقوم مار شمعون الباصيدي بتعيين بطريركاً يكون خليفة له من بعده .

 لكن ان يغير نظام الأنتخابات الذي كان متداولا عبر عشرات القرون ، وان يجعل من  هذه المؤسسة مؤسسة وراثية ، لا اعتقد ان الكاتب كان موفقاً في تبريره لهذا القرار الذي الحق ضرراً بالغاً في وحدة كنيسة المشرق بالذات  .

ــ في عموم تعليقات الكاتب يشير الى كنيسة المشرق ويقصد الكنيسة النسطورية ، والى جانب ذلك يشير الى الكنيسة الكاثوليكية الكلدانية وكأن هذه الكنيسة [ الكاثوليكية الكلدانية ]  ليست من كنيسة المشرق وأن طقسها شرقي محظ ، ولا ادري ماذا يريد الكاتب من هذا التمييز او التقسيم ؟

ــ غالباً ما يستخدم الكاتب مفهوم بلاد ما بين النهرين وآشور ص 59 وص61 وغيرها ،  هل ان آشور ليست جزء من بلاد ما بين النهرين ؟

معظم البحوث التاريخية ان لم يكن جميعها تشير الى بلاد ما بين النهرين او بلاد الرافدين الذي يدل على النهرين العظيمين دجلة وفرات وهي البلاد المعروفة ببلاد ما بين النهرين وبالأغريقية ميزوبتاميا ( Mesopotamia) للأشارة الى العراق القديم ، وبهذا الصدد يقول الأب الدكتور يوسف حبي ( 5) :

تنبسط بلاد وادي الرافدين سهلاً من الطرف الأعلى من الخليج ، ووادياً ينساب في جانبيه نهران توأمان ، وتمتد روابي تتيه في سلسلة جبال تطال السحب . وتنفسح الى الغرب والجنوب من الجبال بادية تتلألأ فيها نجوم السماء ....

       

 

 ـــ يليه القسم الثاني ــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المصادر

1 ـ مختصر توارخ الكنيسة تاليف لومون الفرنساوي تعريب الخوري داود يوسف ، الموصل ، بمطبعة الاباء الومنكيين سنة 1873 ص 29

2 ـ د . فيليب حتي : تاريخ العرب المطول ج2 ص 433

3ـ د . جان موريس فييه : احوال النصارى في خلافة بني العباس ، دار المشرق سنة 1990 بيروت ص58 ـ 59

4 ـ انظر فيليب حتي ج2 ص 433 وجان موريس فييه ص145

5- د . يوسف حبي : كنيسة المشرق 1988 بغداد ص 10   

 

 

 

Home
Articles
Meetings
Contact Us
About Us