February 19, 2006

الأعراس وتقاليد الزواج في قرانا الكلدانية

*************************

بقلم: بهنام سليمان متي

      لقرانا الكلدانية في شمال الوطن العراقي، تقاليد وعادات كانت تمارس ايام زمان بكثير من العناية والأهتمام، وكان لحفلات الزفاف مكانة خاصة متميزة في هذه التقاليد، تسير وفق نهج معين لا تحيد عنه مطلقاً، فهذه الأحداث تجري مرّة واحدة في العمر، ولا بد أن تنال حقها من الآعداد والترتيب، لتبقى ذكراها عالقة في أذهان الناس، وطعمها حلواً في أفواههم، يتحدثون عنها بكثير من الفخر والأعتزاز، ويتباهون بسرد لحظاتها الجميلة بفرح وجذل، وعادة ما كانت تجري زيجات ابناء تلك القرى في فصل الخريف، حين يكون الصيف قد ولى، والحر إنكسر، والغلّة كل الغّلة قد أوت الى مخازنها، فيبدأ الأهل في اعداد متطلبات أبنائهم قبل حلول الشتاء وهطول الأمطار، وحفلات الزواج تتم في ايام الأحاد من الأسبوع.

 إلاً أن التهيؤ لها في دار العريس يبدأ منذ نهار الخميس، حيث تسمع هناك نقرات الدفوف، واصوات غناء وطرب تصدر عن الأهل المقربين، ثم يوماً بعد يوم يلتئم جمع الشباب الأصدقاء، فتعلو الضوضاء ويزداد الصخب، وتنهمك النساء في اعداد الطعام لأولئك الشباب والضيوف الذين يلازمون دار العريس، أو يتوزعون على دور الأهل القريبة. ونهار السبت تتهيأ القرية لحلاقة وجه العريس ورأسه ثم تحميمه وغسله، وحينذاك يكون الطبال والزمّار وصلا من قرى مجاورة يمارس رجالها النفخ بالمزمار والضرب على الطبل الكبير، إن لم يكن في القرية المحتفية من يمارس تلك المهنة. ولمّا يصلك في ساعات العصر صوت الطبل يدق في رأسك، وانغام (الزرنا) المزمار تشنف إذنيك، ستجد نفسك منساقاً معهما، فتلوي رقبتك يمنةً ويسرى جذلاً منتشيا، وتهرع أنت الأخر صوب الحفل لتشارك  القوم أفراحهم، وتتحلق مع المحلقين حول الشاب العريس الجالس على دكّة ترابية، او فوق كرسي خشبي، وهو في أبهى زينه وأحلى حلّة، ليبدأ حلاق القرية المعتز بمهنته، الفخور بمهارته، حلاقة العريس على الطريقة البدائية السائدة يومذاك، حاملاً الموسى أو المقص بيده اليمنى، مستعيناً بالصحن والأبريق لتكملة مهمته، فيما الأصدقاء حوله يغنون ويصفقون، والطبال والزمار منشغلون بالدق والنفخ، وبعد الأنتهاء من حلاقته، يُدخل به الى حمام البيت ليتولى صحبه غسله.

وبينما تكون هذه الآجراءات متوالية في دار العريس، تكون استعدادات أخرى قائمة بهدوء في بيت العروس للتحضير لحفلة "الحناء" وعادة ما يقوم أحد اقربائها بدعوتها الى داره ليلة السبت على الأحد، لتتولى عائلتها هذه المهمة اكراماً واعتزازاً لها، وتقوم العائلة المضيفة بدعوة لفيف من صديقات العروس وزميلاتها لينمن معها عندهم، فتلك الليلة ليلتها الأخيرة منفردة عازبة، وغداً ستدخل دنيا جديدة، وتنسلخ عن عالم العزباوات، وتصبح زوجة ذات بعل يكون ولياً لها وقيماً عليها، وسترتدي حّلة مغايرة لما ترتديه اليوم، يميزها عن الآوانس. ذلك ان المرأة المتزوجة في قرانا الكلدانية، كنت تستطيع معرفتها من بعيد بما تعتمره على رأسها من زي خاص هو أشبه بقبعة دائرية أو مخروطية مشدودة بعناية فائقة وبكثير من المهارة، مزينة بقطع ذهبية صغيرة او كبيرة. وبقلائد فضية تسمى (عزرانا) ويبقى هذا الرأس البلدي ملازماً اياها ليل نهار، ولك أن تدرك اليوم إنني لم أر واحده من نساء بيتنا، حاسرة الرأس، إلاّ وهي خارجة على حياء وعجل من حمامها لتدخل البيت وتجفف شعرها وتضع رأسها التقليدي على هامتها.

 وليلة الأحد فيما تكون العروس ضيفة على ذلك القريب، يكون أهل العريس قد عجنوا وعاءً كبيراً من الحناء، وزعوا قسماً منه على اقربائهم وجيرانهم ليصبغوا به أصابعهم أو أكفهم، بيمنا يحمل شباب العريس القسم الأخر في موكب غنائي كبير يتصدره الزمار والطبال يطوف انحاء القرية متجهاً الى الدار التي تتواجد فيها العروس، ليقدموه هدية لها ولصديقاتها، يصبغن به أياديهن أو أرجلهن قبل أن يركنّ الى النوم. وعند الصباح تعود العروس الى أهلها ثم تحضر وخطيبها كل على انفراد، قداس الأحد، ويتقدمان من الكاهن للأعتراف، ويتناولان القربان المقدس، ليكونا أنقياء القلب والضمير وهما يوشكان على تقبل سر الزواج الذي يربطهما معاً الى الأبد، وما أن تعلو الشمس قليلاً في كبد السماء، حتى تكون الدبكة قد انعقدت من جديد في دار العريس، فاليوم يوم الشباب، والفرحة فرحتهم كلهم.

 وبعد استراحة الظهيرة يتحرك موكب العرس بشبابه الراقص وصبيانه الجذلين على أنغام الطبل والزرنا الى دار العروس، ويكون العريس آنداك قد امتطى صهوة جواد مطهم بأجمل الزينة، فيما أمتطى قريبه (أشبينه) جواداً أخر، ويُقاد جواد ثالث شاغر مطهم ايضاً بزينة حلوة لتمتطيه العروس وهي خارجة من دارها، وفي أزمنة غابرة كان العروسان يسيران في هذا الموكب على قدميهما بين الأغاني والأهازيج، وحين يصل الموكب دار العروس تنعقد هناك حلقة واسعة من الدبكة تستغرق بعض الوقت، ريثما تتهيأ العروس لوداع أهلها، وبينما الناس منتظرون العروس تسمع حديثاً ولغطاً داخل الدار، وترى رجالاً يدخلون وأخرين يخرجون، فتريد ان تتبين سر هذا التأخير، وماهية ذلك اللغط الجاري هناك، فتعلم ان بعض الشباب من المحسوبين على العروس، حالوا بينها وبين مغادرة الدار، ما لم يبادر ذوو العريس بأرضائهم بهدية من المال، حتى يفكوا سراحها ويسمحوا لها باللحاق بخطيبها.

 وتنفرج الازمة بعد أن يمنح الشباب ما يريدون، فتخرج العروس مبرقعة بغطاء مخروطي زاهي الألوان، ينسدل من قمة رأسها الى أخمص قدميها، تمسك بطرفيها فتاتان من صديقاتها هما قريباتها (إشبينتاها) تساعدانها على ركوب فرسها الذي يقوده واحد من الفتيان، وتسيران الى جانبها، فيما يوضع احياناً في حضنها على الفرس طفل صغير تفاؤلاً بأنجاب البنين. ولمّا يصل الموكب الكنيسة، يكون الكاهن والشمامسة في انتظاره (وفي بعض الأحيان وبأزمنة قديمة كانت مراسيم الزفاف تجرى في دار العريس) وما أن ينزل الراكبون من جيادهم وياخذوا مكانهم أمام المذبح، حتى يسكت الزمّار، ويتوقف الطبل، فيسبدأ قداس الزواج ولا بد من الوقوف بخشوع أمام هذا السّر المقدس الذي باركه الرب، والذي هو النواة الأولى لتكوين مشروع الأسرة المسيحية، وإذ يكون الكاهن والشمامسة منهمكين في ممارسة طقوس الزواج الكنسي تتعالى هلاهل النسوة بين وقت وأخر، فيما تنهمك أخريات من أقرباء العريس بوخزه بالأبر بصمت بعيداً عن أعين الناس، ليدفعوا عنه ما قد يقوم به حاسدٌ أو نمّام من العارفين بمثل هذه الأمور من ربطه جنسياً واصابته بالعنة المؤقتة، للحيلولة دون اتمامه واجباته الزوجية، فقد كان يُعتقد أن هذا الوخز بالأبر يصونه من شّر العابثين.

 وبعد الأنتهاء من مراسيم الزواج، تصبح الفتاة زوجة شرعية لرجلها، وجزءاً لا ينفصل عن عائلتها الجديدة، ثم يعود الموكب من حيث أتى الى دار العريس، فيكون الأهل قد أعدوا غرفة للعروسين، إن كان في مسكنهما متسع لذلك، أو أفردوا زاوية من البيت، تُعزل عن بقية الأجزاء بستارة عريضة تحجبها عن الأخرين، وتكون عشهما الصغير إن لم تتوفر في الدار غرفة زائدة، وقبل أن تدخل العروس دارها الجديدة، وفيما هي على العتبة تكسر فوقها شربة ماء ورغيفان من الخبز الرقاق تتنافر قطعهم عليها، دفعاً للشّر وتيمناً بالخير الوفير القادم على يديها، ومع المساء يُقدم العشاء للمدعويين مبكراً، فالليلة ليلة الدخلة، ومن الضروري أن تخلو الدار من زائريها، ليتفرغ أهل العروس لتغيير ثيابها ونزع حليها، استعداد لأستقبال زوجها، ومثلما كان على الفتاة أن تكون طاهرة عفيفة تصون عرضها من الاثم، وتحفظ شرفها رفيعاً، كان على الفتى هو الأخر أن يكون نظيفاً ورعاً، تجنب المعصية، وأبتعد عن الرذيلة، وكانت حفلة الزواج تستمر الى يوم الثلاثاء الذي كان يدعى بيوم (الصبحية) وهي عبارة عن مبلغ من المال تتفاوت نسبته بتفاوت صلة المدعو ومنزلته من العريس، كان المدعوون يقدمونها الى العريس دعماً ومساندةً له لتجاوز المصاريف التي أنفقها على حفلة عرسه، ولا زالت هذه العادة الطيبة جارية الى اليوم، وتمارس هنا أيضاً بين اوساط جاليتنا الكلدانية والعربية الشرقية، تمثل نوعاً من التكاتف والتعاضد ومؤازرة أهل العريس في التخفيف عن معاناتهم المادية، فيما أنفقوه من مالٍ كثير على عرسهم، وفي صباح الخميس تعود العروس الى بيت أهلها لتمضي النهار والمساء عندهم، ويسمى هذا اليوم بيوم (الردية) حيث يتوجه أهل العروس واقرباؤها المقربون الى دار ذويها لمباركتها ثانية بزفافها وتقديم هديتها من المال الذي يكون خاصاً بها، تتصرف به على هواها وتشتري ما تريد من حلي وملبس. ومع انصراف المدعوين ليلاً ترجع الى دار زوجها، وتهدأ الأمور وتعود الى طبيعتها.

هكذا كانت تبدأ مراسيم الزواج وتنتهي، تعيشها قرانا افراحاً ومباهج ومسرات تذكر الى مدى آتٍ طويل، وقد تطورت مع الزمن هذه العادات والتقاليد بتطور الحياة الحديثة، وانساقت مع عصر السرعة وانشغال الناس بأعمالهم وواجباتهم، فأصبحت تقتصر على يوم واحد هو نهار الأحد على الأغلب، أو أي يوم أخر مناسب، وعلى حفلة تقام في الدار أو في احدى القاعات، فلا خيول بعد اليوم يمتطيها العروسان، ولا برقع سميك يُغطى وجه العروس، بل هناك سيارات فارهة مزينة بكل ما يسّر العين ويبهج القلب، وبدلات عرس ناصعة البياض كأروع ما تكون، وكاميرات فيديو وموسيقى وغناء متطور، وأصبحت تلك الأيام ذكريات حلوة في أذهان جيل سالف، بات هو الأخر من مخلفات الماضي، لكنها على كل حال ذكريات جميلة، وتقاليد زاهية، يرويها الأباء للأبناء كتراث مارسناه زمناً ثم تحولنا الى غيره مما يتلاءم وحياتنا الحاضرة، فالتغيير سِمة الحياة، وضرورة العصر الذي لا يمكننا أن نحيد عنه.     

 

San Diego, CA

kaldu

Home
Articles
Meetings
Contact Us
About Us