|
Nov
14,
2006
نداءٌ وتوجيه
فمتى التجاوب الصحيح !
حَبران جليلان المطران سرهد جمو والمطران
لويس ساكو، وَجَّها نداءَين مُتشابهين ومِن موقع عنكاوا.كوم، فقد
شَخَّصَ سيادة المطران سرهد جمو الحالة المأساوية قائلاً: إنه أمرٌ
واقعي، المسلمون العراقيون يقتلون المُسلمين العراقيين، في دائرةٍ
مُحزنة وبائسة مِن الإنتقام، لكن المسيحيين في العراق لم يقتلوا
المسلمين، ومع ذلك يُقتلُ ويُذبحُ المسيحيون في الوقت الحاضر وتتعرَّض
أملاكُهم للسرقة وتُنتهَكُ أعراضُهم بسبب جيرانهم المسلمين العرب
وأبناء بلدهم ومواطنيهم كُلَّ يوم وفي كُلِّ مدينة. ثمَّ عَدَّدَ
الحقائقَ التاريخية التي تَفرضُ احتراماً للمسيحيين نُدرجُ موجزاً
مُترجماً عن النص الانكليزي لها: -
1 -
قبل احتلال بلاد ما بين النهرين مِن قبل الغزاة العرب المسلمين، كانت
البلاد مثوى الكلدانيين والآشوريين عِرقياً وحضارياً منذ آلاف السنين.
2 -
دَخَلت المسيحية بلادَ ما بين النهرين منذ بزوغ نورها، فبَدَّدَ ظلامَ
الوثنية، واستحوذت المسيحية على قلوب الأكثرية مِن سكانها قبل
الإحتلال الإسلامي بستة قرون.
3 -
ظلَّ المسيحيون مُخلصين لبلدهم بالرغم مِن كُلِّ المُضايقات التي
عانوها والمظالم التي احتملوها تحت نير الحُكّام المسلمين، العراقيون
مِنهم والقاطنون في الأقطار الاخرى ذات الأغلبية المُسلمة.
نراهم اليوم يُعامَلون كما كانوا في الأمس
البعيد كمُواطنين مِن الدرجة الثانية، عدا بعض المراكز المرموقة التي
تبَوَّأَها بعضُ المسيحيين ذوي الكفاءات العالية، والتي كان الحاكمُ
المسلمُ المُستبد بحاجةٍ الى خدماتِهم فقط ، هل يجوز في العصر الحالي
استمرارُ هذا المشهد الإنحطاطي المُتدَنِّي بالتنَكُّر لحقوق
المسيحيين المدنية أمام سَمع وبَصَر العالَم المتحضِّر؟
إذا تَحَوَّلَ العراق الى دولة إسلامية، أو
تجزَّأ الى منطقةٍ سنية واخرى شيعية دستورهما إسلامي ، لن يكون
أمامنا كمُجتمع مُتمَدِّن سوى واجب طلب الإستغاثة بضمائر العاملين في
المُنظمات الإنسانية في هذا العالَم ، لتأخذَ موقفاً عادلاُ يَضمُنُ
مُستقبلَ المسيحيين في العراق ، وفي حالة إبداء مُسلمي العراق عدم
رغبتهم واستعدادِهم للإعتراف بحقوق مواطني بلدهم المسيحيين ، عندذاك لن
يبقى الموضوعُ محصوراً داخل حدود العراق ، حيث تجري بشأنه مناشدة
الضمير الإنساني الحُر والإستنجاد بالمنظمات العالَمية للتدَخُّل .
إن الولايات المُتحدة وطننا الثاني ، تَتحَمَّل
مسؤولية خاصة بصدد هذا الموضوع ، وفي هذا الوضع العراقي الحافل
بالأحداث الدامية، عليها أن تُعيرَ اهتماماً جِدِّياً وعاجلاً
وبحسب الأُسس التالية :
أ -
إن المسيحيين العراقيين مؤَهَّلون اُسوةً بغيرهم
مِن المُكَوِّنات القومية والدينية العراقية لتُفرَزَ لهم منطقة آمنة
مِن مناطق أسلافهم التي عاشوا فيها في سهل نينوى حتى يومنا هذا ،
وبحجم سُكاني حقيقي ، حيث يمتلكون خصوصيتهم القومية والدينية .
ب -
إعادة القرى والبلدات المسيحية المُستولى عليها
لأصحابها في سهل نينوى واقليم كُردستان ، تلك التي أُخضعَت لسياسة
التعريب والتكريد والأسلمة في العقود الماضية ، والعمل على إرجاعها
الى حالتِها وصِفتِها العِرقية والدينية والثقافية السابقة ، وشَملها
بالمُخصصات المالية لتعاودَ ازدهارها .
ج -
تُخَصَّص نسبة عادلة مِن عائدات ثَروات العراق الطبيعية العائدة
أصلاً لآبائهم ، لكي تُصرفَ للقرى والمدن والمؤسسات المسيحية .
د -
أن يحظى المسيحيون بحصَّةٍ عادلة مِن تأشيرات
الدخول الى الولايات المُتحدة ، ويُشمَلُ المسيحيون الذين اضطروا
للفرار مِن العراق في السنين الأخيرة بشكل أسرع .
هـ -
على الولايات المتحدة تخصيص نصيبٍ عادل مِن صندوق الدعم المالي
المُخَصَّص لإعادة اعمار العراق ، على شكل مساعدة عاجلة مِن أجل بناء
المدن والمؤسسات المسيحية في العراق .
وقبل اسبوع تَحَدَّث المطران لويس ساكو
متسائلاً عن مستقبل المسيحيين في العراق ، حيث أشار الى عيشهم وضعاً
صعباً ، وقد عَزا الأمر الى عاملين : الأول عدم اعتمادهم مسلكاً وطنياً
عَلَنياً ،بشكل مسؤول وشجاع ، والثاني جَهل الأكثرية المُسلمة بحقيقة
هويتهم وانتمائهم ومدى إسهامهم وإسهام أسلافهم مِن قبلهم في الحضارة
العربية الإسلامية ، ولذلك كثيراً ما يُسَهِّل ذلك اعتبارهم جزءاً مِن
الغرب المسيحي اعتماداً الى الإنتماء الديني . ولتفادي هذا الأمر على
المسيحيين العراقيين اعتماد رؤية واضحة وإصدار وثيقةٍ رسمية يُتَّفقُ
عليها شمولياً في اجتماع يُعَدُّ له وتحضره كُلُّ الأطراف .
ثمَّ تناول بالشرح أصالة وعراقة المسيحيين
العراقيين، وبأنهم أبناء أرض بلاد الرافدين وليسوا كغيرهم القادمين
إليها مِن الخارج، في هذه الأرض اعتنقوا المسيحية قبل ألفي سنة ، وفيها
شيَّدوا كنائسهم وأديرتهم التي تمَيَّزت بنهرينيتِها طقوساً وتركيبةً
وروحانية! على أرضها تأسَّس مَقرُّ رئاستِهم العُليا في المدائن (
سلمان باك الحالية ) ولا يزال في بغداد ، كان تعامُلُهم مع المُسلمين
على مدى اربعة عشر قرنا واقعيا وايجابياً ، لم يستقووا بأحدٍ في أشد
حالات التضييق عليهم ولم يستنجدوا بأحدٍ حتى وإن كان على دينهم ، لأن
إخلاصهم لأرضهم جعلهم يُخلصون لِمَن شاركهم العيشَ فيها ، لم يستقبلوا
الفاتحين العرب المسلمين بترحابٍ عام 634 م فحسب ، بل وقفوا الى جانبهم
ضِدَّ الفرس إذ رأوا فيهم <عوناً مِن اللـه> لإنقاذهم مِن جور
الوثنيين الفرس ، ففتحوا لهم أبواب مدارسهم ومُستشفياتهم .
في عهد الخلافة الإسلامية استنشق المسيحيون
نسيمَ الحرية ، وكان ذلك مدعاةً لهم ليُساهموا بل ليبنوا الحضارة
العربية الإسلامية ، حيث اعتبروها جزءاً مِن تُراثهم الحضاري الضارب في
القدم فتفاعلوا معها ، وقد تجلّى ذلك بشكل أبرز في عهد العباسيين ،
عندما انبرى العلماء المسيحيون الكلدان الى نقل الثقافة والفلسفة
العالَمِيتين أنذاك الى العربية ومِنها انتقلت الى الغرب ، و يُشير
الى ذلك المؤرخ الكبير الأب لابور ( الديانة المسيحية في مملكة فارس ص
. 351 ) < إن النصارى ( الكلدان ) نالوا أعلى المناصب في الدولة
العباسية ، وعَلَّموا سادتهم الذين كانوا الى ذلك الحين في حالة الجهل
، فلسفةَ اليونان وعِلم الفلك وعِلم الطبيعيات والطب ، ونقلوا الى
العربية تأليفات اريسطوطاليس واوقليديس وبطليموس وابقراط وجالينوس
وديوسقوريدوس > ويكفي أن نُشير الى بعضٍ مِن هؤلاء العلماء ( آل
بوختيشوع ، حُنين ، ماسويه ، يوحنا بن حيلان ، المُتكلِّمان يحي بن
عُدي وأبو رانطة التكريتي ، وعلماء بيت الحكمة ) .
لقد كانت كنائس ُ وأديُرة المسيحيين منذ
القرنين الرابع والخامس مُنتشرةً في مُختلف أرجاء بلاد ما بين النهرين
(العراق اليوم) وبعد الغزو المغولي للبلاد وتعاقب الحملات الهمجية
لهولاكو وجنكيزخان وما اقتُرفَ بحق السُكان مِن الفظائع والمذابح
والإنتهاكات ، التجأ المسيحيون الى المناطق الشمالية الجبلية المعروفة
اليوم باقليم كُردستان، وتعاملوا مع سكان المنطقة الأكراد وعملوا مع
بعضهم البعض في جميع المجالات ومنها النضال في سبيل نيل الحقوق
المسلوبة ، وبرز مِن بينهم مناضلون أشدّاء .
المسيحيون ليسوا كَفرةً أو مُشركين كما ينظرُ
إليهم بعضُ الجاهلين بدينهم الإسلامي أصلاً ، حيث سمَاهم القرآن الكريم
" أهل الكتاب " " أقرب الناس مودة للذين آمنوا " ( سورة المائدة 81 )
فالتضييقُ عليهم يتعارضُ مع ما جاء في آية ( آل عمران 3) " وجاعل
الذين اتبعوك - عيسى - فوق الذين كفروا الى يوم القيامة " وفي (
العنكبوت 46 ) " لا تُجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسن . . "
فكيف يكونون كُفاراً وبقانون ايمانهم يقولون : "نؤمِن بإلهٍ واحدٍ
خالق السماءِ والأرض . . . " وفي خِتام كُلِّ صلاةٍ لهم يُردِّدون "
إلهٌ واحدٌ آمين " فهل الذين يؤمنون بإلهٍ واحدٍ أحد خالق البشر جميعاً
ودَيّانِهم الأوحد يوصفون بالكفرة ؟ ثمَّ إن مسيحيي الشرق عامة
والعراقيين خاصة لا علاقة لهم بمَن سمّاهم المسلمون بأصحاب الحملات
الصليبية وإن كانوا مِن دينهم ولكنهم لم يُبدوا أيَّ ميل نحوهم أو
تعاطفٍ معهم ، فتلكَ الحملات كانت ذاتَ طابع سياسي ، وقد عانى
المسيحيون منهم، فمِن غير الإنصاف أن يُدمَجوا بهم ولا أن يُحسبوا
الى جانب المُحتلين .
وبعد قيام الحُكم الوطني بعد مرور عقدَين مِن
القرن العشرين المُنصرم ، كان لأبناء الامة الكلدانية المسيحيين على
اختلاف تسمياتهم ومذاهبهم دورٌ مُشَرِّف أدّاه مُفَكِّروهم في ميادين
عديدة ومِنها : الثقافة والصحافة والتراث والتاريخ والسياسة
والطب والموسيقى ، فذاكرة العراقيين لا تنسى الأب انستاس الكرملي ،
الأب لويس مرمرجي، المطران سليمان الصائغ ، روفائيل بابو اسحق ،
ميخائيل وكوركيس عواد ، توفيق السمعاني ، اسكندر معروف، يوسف غنيمة ،
حنا خياط ، والأطباء مِن آل رسام وتبوني وقصير . . . والموسيقيين
مُنير وجميل بشير، جميل جرجيس وناظم نعيم ، بالإضافة الى إسهام
مهندسيهم في تطوير فَن البناء والعمارة ، إن هذه الإسهامات المتعددة
هي تراث للعراق .
لا تخفى على أحد طبيعة المسيحيين العراقيين
المُسالمة والمُنفتحة على الآخرين ، لا يرغبون بالمشاكل ولا يُضمرون
الحقد لأحدٍ حتى لو كان عدواً لهم عملاً بوصية المسيح " أحِبُّوا
أعداءَكم وصَلُّوا مِن أجل مُضطهديكم / متى 5 - 44 " لا يسعون الى
امتيازات خاصة بل يرغبون بالعيش المُشترك وفي ظل المحبة والتحاور
والسلام ، واعتزازهم الوطني كبير لا تشوبه أدنى شائبة ، وليس أدلُّ
على ذلك ، من أبنائهم الشهداء الذين استبسلوا في الدفاع عن الوطن الى
جانب إخوتهم المُسلمين . أليسَ العُنفُ المُمارَس ضدَّ المسيحيين
بكُلِّ أشكاله المُخجلة والمنافية لكُلِّ الشرائع السماوية والأرضية ،
عِلماً بأنهم ليسوا طرفاً في الصراع الطائفي الدموي الدائر بين
المُسلمين السنة والمسلمين الشيعة ولا هم مؤيِّدين لفريق ضِدَّ الآخر
، اعتداءً لا مُبَرِّرَ له يَنِمُّ عن عنصريةٍ دينية بشعة ! الهدف مِنه
تفريغ العراق مِنهم ! أليس هذا العمل البربري خطأً فادحا يُضِرُّ
بالمُسلمين والمسيحيين على السواء ! ألا يُشكِّلُ تَعَدُّدُ الأديان
والقوميات عاملاً للثَراء الفكري والإنفتاح والتعاون والإبداع! فماذا
يحصلُ في انعدامها غير الشلل الفكري والإنغلاق والتأخر ! ألم يعترف
القرآن بتعدد الأديان " لي ديني ولكم دينكم " أليست تلك إرادة ألله ؟
ألم يَرد في ( يونس 99 ) " لو شاءَ رَبُّكَ لآمَن مَن في الأرض جميعاً
، أفأنتَ تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ، ثمَّ ماذا عن الأية التي
ورد فيها " لا إكراه في الدين " .
إزاءَ هذا الوضع المأساوي متى تستجيب أحزاب
شعبنا وتنظيماتُه التي تَدَّعي تمثيله الى عقد لقاءٍ شامل لوضع
برنامج عملٍ حكيم، يتناول الإتفاق على التسمية المُوحدة ، وتوحيد
المطاليب المُتعلقة بحقوق شعبنا القومية بكُلِّ جوانبِها، سواءً
بالنسبة للدستور العراقي أو دستور اقليم كُردستان وذلك بإجراء تعديلاتٍ
عليها ، تُدرَجُ في وثيقةٍ رسمية تُوَقعُها هيئة مُنتخبة مِن قبل
كافة المُجتمعين ، يتمتع أعضاؤها بالنزاهة والحيادية ، وتحترم خصوصية
كُلِّ حزبٍ وتنظيم والكنيسة التابع لها ، تنفرد بالمسؤولية السياسية عن
كافة الأطراف المسيحية ، بعيداً عن المحاباة لأيِّ طرفٍ منهم ، تُرى
مَن سيكون الطرف المبادر الى توجيه الدعوة وتنظيم اللقاء فينال مِن
الشعب التقديرَ والثناء !
الشماس كوركيس مردو
في 9 / 11 / 2006
*****************************************
|