|
Nov
15,
2006
منصور
أودا استاذ في الرياضيات والتراث الألقوشي
بقلم : حبيب تومي /
اوسلو
أعتبر المرحوم الأستاذ
منصور اودا سورو شخصية القوشية متميزة ، نحن طلابه ندين له بإحاطتنا
بالرياضيات . لقد كان له طريقة خاصة بتوصيل الرياضيات الى ذهن الطالب
بأسلوب بسيط وسلس رغم ما تتميز به مادة الرياضيات من جمود وتعقيد .
كان يشرح الدرس باللغة
الكلدانية ( السورث ) وكانت تحضره دائماً الأمثال والطرائف والتعليقات
الألقوشية القديمة .
أيام الدراسة غنية
بالمواقف والحوادث والمفارقات ، لا سيما في القوش حيث انت بين اهلك
وأصدقائك وتتكلم بلغتك وكان الأستاذ منصور يراعي هذه الخاصية وهو
الألقوشي الأصيل . ولا شك ان مصلحة المدينة ومصلحة الطلبة كانتا
تستقطبان معظم اهتمامه .
إن الكتابة عن هذه
المفارقات يأخذ مساحة كبيرة ، وفي مناسبة وفاة استاذنا الكبير منصور
أودا نحاول تسجيل قبس من هذه الذكريات .
في أحد الأيام كان
الصديق الطالب ( ك ) يحل سؤالاً في الجبر على السبورة وللسؤال طريقة
يمكن حله بخطوات قليلة لا تعدو الى خمس او ست خطوات ، لكن زميلنا اراد
ان يحله بطريقته الخاصة وأخذ يضرب ويقسم ويطرح .. وبعد امتلاء لوحة
السبورة بالأرقام أخذ يمسح ويعيد الكتابة وهكذا ، كل هذا الوقت واستاذ
منصور ينتظر النتيجة وهو ساكت ، لكن أخيراً بعد ان نفذ صبره ، أوقفه
وخاطبه بالسورث قائلاً : أراد أحدهم ان يثبت
لأصدقائه بأن ثمة طريقة لشجّ رأسه لا يعرفها أحد سواه ، فالطريقة
الأعتيادية بسيطة هي ان يتناول حجراً ويضربه على رأسه . لكن الذي فعله
انه ثبّت الحجر في حائط ورجع الى الوراء ويأتي بقوة ليضرب رأسه بالحجر
المثبت وهكذا ، وأنت تقوم بنفس العملية يا شاطر . ثم قام الأستاذ بحل
السؤال ببضع خطوات لا غيرها .
وفي يوم من الأيام
استلمت إدارة المدرسة في القوش أمراً من تربية تربية الموصل بأن يكون
يوم الأحد من ايام الدراسة كبقية أيام الأسبوع ، في حين كان لنا عطلة
يومي الجمعة والأحد ، وهنا اجتمع عقلاء المدرسة من الطلبة وقرروا
الأضراب عن الدراسة ، وتعزيزاً للأحتجاج خرجنا بمظاهرة حاشدة للطلبة في
الأماكن القريبة من المدرسة وكان هتاف المظاهرة
:
لا دوام يوم
الأحد من الآن الى الأبد
لكن أخيراً اتفقت إدارة
المدرسة مع التربية في الموصل على توزيع حصص يوم الأحد الى بقية أيام
الأسبوع ، وهكذا انتهت المعضلة .
لكن الأستاذ منصور لم
يسكت على هذا الخرق وجاء الى الصف يخاطبنا قائلاً :
إن إدارة المدرسة تسير وفق تعليمات وأنظمة ولا يمكنها الأخلال في هذا
النظام ، لكن بوسعنا ان نخاطب التربية فيما نريد بالطرق الأصولية
، وبينما كان يخاطبنا دخل قائد المظاهرة المرحوم ( ب ) الى الصف
متأخراً بعض الشئ ودلف الى الصف وينوي الجلوس في رحلته . فأوقفه
الأستاذ منصور قائلاً : ألا يجدر بك ان تطرق
الباب اولاً قبل الدخول ؟ لقد وصلت متأخراً فهل تعتقد ان المدرسة هي
خان تأتي اليه وقتما تشاء ؟
ثم أردف الأستاذ سؤالاً
: لماذا تغيبت يوم أمس عن الدراسة ؟
فأجابه الطالب :
لأنه كان يوم الأحد .
فقال له الأستاذ :
اسمع ! هنا لدينا مدرسة وليس لنا رحى لطحن
الحبوب وكل يأتي بحمله متى يشاء ، للمدرسة قوانين وأنظمة ، أما إن
أردت التمسك بالأعياد فعليك الجلوس في البيت وتستطيع ان تعيّد في كل
الأعياد والمناسبات والتذكارات حتى يوم تذكار ( دوخرانا د قيبو ) ، وهي
الدجاجة الحاضنة للبيض .
لقد كان المرحوم يحاول
مسايرة وموازنة مطاليب السلطة وكان ذلك في عهد المرحوم عبد الكريم قاسم
، ومن جهة نحن الطلبة كنا نريد ان تكون الساحة مفرغة لنا ولأفكارنا
اليسارية في تلك الفترة .
للتاريخ أقول : ان
الأستاذ منصور كان حريصاً على مصلحة طلابه وبأفق الأنسان المجرب ، ولكن
بثورينا واندفاعنا لا يمكن ان نعترف باعتدال مهما كان نوعه .
لقد كان الأستاذ يختلط
مع الطلاب في الساحة ويدخل معهم في نقاشات وبلغة السورث وكانه صديق او
أخ كبير لهم .
لقد كان الأستاذ منصور
سورو يسعى الى الأتصال بأولياء أمور الطلبة لكي تتعاون الأدارة مع أسرة
الطالب لتحسين وضعه الدراسي ، كان متأكداً أن معظمنا من عوائل فقيرة ،
وهي تنتظر تخرج ابنها للحصول على وظيفة حكومية ، وكانت هذه الوظيفة
تضمن دخلاً شهرياً ثابتاً وكما يقولون في القوش ( يوما خاثا وباري خاثي
: Yoma Khatha w
Pari Khathe ) ،
ومع هذا كان الأستاذ يقول اننا سعداء لأننا ندرس في نفس مدينتنا القوش
.
ويقول كنا ندرس في
الموصل ، ونشتري رغيف خبز ونأتي بجوار مطعم للكباب ونشم ريحة اللحم
ونأكل الخبز ، وكأننا نأكل الكباب مع الخبز ..نعم كانت الحياة المعاشية
صعبة للأكثرية .
سنة 2003 وأثناء تواجدي
في بغداد تعرفت على ابنه منهل في محلهم للألكترونيات في شارع فلسطين ،
وطلبت منه رؤية الوالد وفعلاً جلست مع الأستاذ منصور في بيتهم المجاور
للمحل ومع العائلة الكريمة وتحدثنا عن أيام الدراسة ، وكان يسعده ان
يلتقي بطلابه ويفتخر حينما يرى ان هؤلاء الطلبة قد تقدموا في معارج
الحياة إن كان وظيفياً او علمياً او اقتصادياً .
لقد كان الأستاذ منصور
مثالاً للألقوشي العراقي الأصيل لقد تفوق في تدريسه وأدار ثانوية القوش
بحكمة ودراية . وستبقى الذكريات الطيبة عن الأستاذ منصور قائمة في
قلوبنا .
حبيب تومي / اوسلو
*****************************************
|